صحة

سرطان الثدي في غزة.. مريضات يواجهن المرض وسط نقص الأدوية وتعثر العلاج وانتظار السفر

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

على أرض ملعب العنان وسط قطاع غزة، تتبادل فتيات مبتورات الأقدام الكرة، مستندات إلى عكازاتهن بكل ما تبقى لديهن من قوة وتوازن. يتحركن نحو الكرة بحثا عن فرصة لتمريرها، متحديات الإصابات والإعاقات، ومتمسكات بحقهن في ممارسة الرياضة ومواصلة الحياة.

وعلى أطراف الملعب، تتابع المصورة الرياضية نيللي المصري تفاصيل المشهد بعدستها، فتارة تركض خلف اللاعبات، وتارة أخرى تجلس القرفصاء لالتقاط صور توثق لحظات التحدي والإصرار التي تعيشها المشاركات في المباراة.

لكن الحكاية التي توثقها نيللي لا تنفصل عن معركتها الشخصية، إذ اكتشفت قبل أيام قليلة إصابتها بسرطان الثدي، لتجد نفسها أمام اختبار جديد لم يكن في الحسبان، في ظل ظروف صحية وإنسانية بالغة الصعوبة يعيشها سكان القطاع.

وتعمل نيللي مصورة إعلامية متخصصة في الصحافة الرياضية، إلى جانب عملها مدربة رياضية في أحد الأندية بغزة. وتروي للجزيرة نت أنها لاحظت وجود كتلة صلبة في أحد جانبي صدرها، لكنها اعتقدت في البداية أن الأمر ربما يكون ناتجا عن حمل أوزان تفوق قدرتها أو ممارسة أحد التمارين بطريقة خاطئة.

وتقول إنها تجاهلت الأمر في البداية، لكنها قررت التوجه إلى المستشفى بعدما لاحظت استمرار الكتلة وعدم اختفائها.

وبعد أسابيع من الفحوص والإجراءات التشخيصية، تأكدت إصابتها بسرطان الثدي، لتدخل في مرحلة جديدة من القلق بشأن العلاج ومراحله، وسط إصرارها على ألا يتحول المرض إلى عائق يمنعها من مواصلة عملها وحياتها اليومية.

غير أن مخاوف نيللي لا تتعلق بالمرض وحده، فهي بحكم عملها الصحفي تدرك حجم النقص الحاد في الأدوية والإمكانات الطبية داخل غزة، وتعلم أن مواجهة السرطان تتطلب أكثر من مجرد التشخيص، إذ ترتبط فرص العلاج أيضا بمدى توافر الأدوية والتجهيزات الطبية اللازمة.

ولهذا تسعى إلى الحصول على تحويلة طبية تتيح لها تلقي العلاج خارج القطاع، في وقت تحاول فيه الحفاظ على نشاطها المهني وعدم الاستسلام لتداعيات الإصابة.

إمكانات محدودة تعرقل تشخيص سرطان الثدي وعلاجه

تعد نيللي واحدة من بين 947 امرأة مصابة بسرطان الثدي في قطاع غزة، وفق بيانات وزارة الصحة التي أوردتها للجزيرة نت، وذلك ضمن إجمالي يبلغ 11 ألفا و230 مريضا يعانون من الأورام المختلفة في القطاع.

ويؤكد المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، الدكتور محمد أبو ندى، أن الحرب تسببت في تراجع كبير بإمكانات تشخيص الأورام وعلاجها، وألحقت أضرارا واسعة بالبنية الصحية التي كانت توفر الخدمات الطبية لمرضى السرطان.

ويوضح أبو ندى أن قطاع غزة كان يمتلك قبل الحرب نحو 20 جهازا للتصوير الشعاعي للثدي (الماموغرام)، لكن العدد المتبقي حاليا لا يتجاوز 3 أجهزة، تعمل بإمكانات محدودة.

كما أصبحت بعض الفحوص النسيجية الضرورية لتحديد طبيعة الأورام وخصائصها غير متاحة، ومن بينها التحاليل الخاصة بمستقبلات الهرمونات، التي تلعب دورا مهما في تحديد البروتوكول العلاجي المناسب لكل مريضة.

ويشير إلى أن نحو 40% من مرضى السرطان يحتاجون إلى العلاج الإشعاعي، وهو غير متوفر حاليا في غزة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الخيارات الجراحية المتاحة أمام الأطباء.

ففي بعض الحالات، يضطر الأطباء إلى اتخاذ قرار باستئصال الثدي بالكامل بدلا من الاكتفاء بإزالة الورم، خشية عدم قدرة المريضة على استكمال العلاج الإشعاعي بعد الجراحة نتيجة غياب هذه الخدمة.

أما العلاج الكيميائي، فيواجه بدوره أزمة حادة بسبب نقص الأدوية، ما يدفع الأطباء إلى البحث عن بدائل علاجية، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى استخدام أدوية منتهية الصلاحية بعد الرجوع إلى الجهات الصحية المختصة، في ظل صعوبة توفير المستحضرات المطلوبة.

ويقدر أبو ندى أن نسبة النقص في الأدوية ارتفعت من نحو 50% قبل الحرب إلى ما بين 70% و80% حاليا، وتشمل هذه الأزمة أدوية العلاج الكيميائي والمسكنات والعلاجات المناعية.

ولا تقتصر تداعيات الحرب على المعدات والأدوية، بل امتدت إلى الكوادر الطبية المتخصصة، بعدما استشهد عدد من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، بينما غادر آخرون القطاع أو تعرضوا للاعتقال، الأمر الذي أثر في القدرة على تقديم خدمات تشخيص الأورام وعلاجها، بما في ذلك الفحوص النسيجية.

تراجع الحالات المسجلة لا يعني انخفاض انتشار المرض

كانت غزة تسجل نحو 360 إصابة جديدة بسرطان الثدي سنويا قبل الحرب، بحسب تقديرات الدكتور محمد أبو ندى، لكن الأرقام المسجلة تراجعت إلى 250 حالة خلال عام 2024، ثم ارتفعت بشكل طفيف إلى 260 حالة عام 2025.

ويربط أبو ندى هذا التراجع بصعوبة وصول النساء إلى المؤسسات الصحية والخدمات التشخيصية، إلى جانب الأضرار التي لحقت بأنظمة تسجيل المرضى ومتابعتهم، وهو ما يعني أن انخفاض الحالات المسجلة لا يعكس بالضرورة تراجعا حقيقيا في معدلات الإصابة.

وتواجه النساء اللواتي يتمكن من الوصول إلى المراكز الطبية تحديات إضافية، تبدأ بالانتظار الطويل، ولا تنتهي عند نقص الأدوية وصعوبة الحصول على الجرعات العلاجية المقررة.

جرعات العلاج الكيميائي تتعثر وسط نقص الأدوية

في مبنى صغير مؤقت داخل مجمع الشفاء الطبي، أصبحت خدمات علاج الأورام التي كانت تقدم سابقا في المستشفى التركي المتخصص موزعة على عدد محدود من الغرف الضيقة، داخل منشأة مؤقتة تعرف باسم “البركس”.

وتضم هذه المساحة المحدودة مرضى ينتظرون تلقي الجرعات الكيميائية وآخرين يخضعون للعلاج، في مشهد يعكس حجم التراجع الذي أصاب الخدمات الطبية المتخصصة في القطاع.

وهناك التقت الجزيرة نت السيدة زينب عنبر، التي كانت تتلقى جرعات العلاج الكيميائي. ورغم أن الوقت كان يشير إلى الواحدة ظهرا، فإنها أوضحت أنها غادرت مخيم الشاطئ منذ السابعة والنصف صباحا حتى تتمكن من اللحاق بالحافلة المخصصة لنقل مرضى السرطان إلى مجمع الشفاء الطبي.

وكانت زينب قد خضعت لعملية استئصال للثدي، أزيلت خلالها ثلاث عقد لمفاوية، بعدما أظهرت الفحوص إصابة إحداها بالمرض.

وتقول إن الطبيب أوصى باستئصال الثدي بالكامل في ظل عدم توافر العلاج الإشعاعي، مشيرة إلى أن تكلفة العملية بلغت نحو 5 آلاف شيكل، أي ما يعادل قرابة 1350 دولارا.

لكن انتهاء العملية الجراحية لم يكن سوى بداية مرحلة أخرى من المعاناة، إذ أكملت زينب أربع جرعات من العلاج الكيميائي الأبيض، وكان من المفترض أن تنتقل بعدها إلى أربع جرعات إضافية من العلاج الأحمر، وفقا للخطة العلاجية المحددة لها.

غير أنها فوجئت بعدم توافر الدواء المطلوب داخل القطاع، لتجد نفسها أمام احتمال تأخر استكمال الجرعات، وما قد يترتب على ذلك من تعقيدات في مسار علاجها.

مريضات يرفضن العلاج داخل غزة ويتمسكن بالتحويلات الطبية

في ظل الخيارات العلاجية المحدودة، تختلف طريقة تعامل مريضات سرطان الثدي مع الواقع الصحي في غزة، فبينما تحاول بعضهن مواصلة العلاج بالإمكانات المتاحة، تتمسك أخريات بالحصول على تحويلات طبية تتيح لهن السفر إلى الخارج.

ومن بين هؤلاء السيدة سوزان النحال، التي ترفض تلقي علاج السرطان داخل القطاع، وتصر على الحصول على تحويلة طبية تمكنها من السفر، رغم تطور المرض وانتقاله، بحسب إفادتها، من الثدي إلى الرئتين.

ولا يرتبط موقف سوزان برفض العلاج نفسه، وإنما بمخاوفها من عدم توافر الإمكانات الطبية والأدوية اللازمة لاستكمال رحلتها العلاجية داخل غزة.

وتقول إنها تنتظر منذ نحو عامين الحصول على تحويلة طبية تسمح لها بالسفر، لكنها لم تتمكن حتى الآن من مغادرة القطاع، في وقت يتقدم فيه المرض وتتفاقم معاناتها الصحية.

والتقت الجزيرة نت سوزان داخل خيمتها في مخيم “بسمة أمل” وسط غزة، وهو مخيم مخصص لمرضى السرطان، ويضم 65 عائلة يوجد في كل منها شخص واحد على الأقل مصاب بالمرض.

ورغم الظروف القاسية التي تعيشها، تحاول سوزان الحفاظ على بعض تفاصيل حياتها السابقة، من خلال الاهتمام بترتيب خيمتها وتنظيم محتوياتها، لكن هذه المحاولات لا تستطيع إخفاء حجم التحول الذي طرأ على حياتها بعد الحرب.

وتستعيد سوزان ذكريات حياتها السابقة، مشيرة إلى أن أسرتها كانت تمتلك 10 شقق سكنية موزعة بين رفح وبيت حانون، قبل أن تفقدها نتيجة تدمير بعضها ووقوع أخرى ضمن المناطق التي أصبحت تقع داخل ما يعرف بالخط الأصفر.

وترى أن التدهور الكبير الذي شهدته حالتها النفسية بعد فقدان منزلها وممتلكاتها شكل أحد العوامل التي سبقت إصابتها بالمرض، وفقا لما ترويه عن تجربتها الشخصية.

وتجد مريضات سرطان الثدي في غزة أنفسهن أمام معركة متعددة الجوانب، لا تقتصر على مواجهة المرض، بل تشمل أيضا صعوبة التشخيص، وغياب بعض العلاجات الأساسية، ونقص الأدوية، والاضطرار إلى الخضوع لعمليات جراحية أكثر صعوبة، فضلا عن الانتظار الطويل للحصول على تحويلات طبية تسمح لهن بالسفر.

وبينما تتواصل معاناة هؤلاء النساء تحت وطأة الظروف الصحية والإنسانية التي خلفتها الحرب، يبقى عامل الوقت بالغ الأهمية في مواجهة مرض يتطلب التشخيص المبكر والعلاج المنتظم، في وقت لا تزال فيه فرص الحصول على الرعاية الطبية المناسبة محدودة للغاية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى