صحة

لماذا تعود الإصابة بالطفيليات بعد العلاج؟ أسباب تتجاوز فشل الدواء

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

قد تختفي أعراض الإصابة بالطفيليات بعد تناول العلاج، مثل آلام البطن والإسهال والحكة، ثم تعود مجددا بعد فترة. لكن تكرار الأعراض لا يعني بالضرورة أن الدواء لم ينجح، إذ يمكن أن يكون السبب تجدد العدوى أو استمرار انتقال الطفيل من البيئة المحيطة أو من أحد أفراد الأسرة.

وتوضح الدكتورة ناهد العسيلي، أستاذة الطفيليات الطبية بكلية الطب في جامعة أسيوط بمصر، أن عودة الأعراض لا تعني حتما فشل العلاج في القضاء على الطفيل، فقد ترتبط بدورة انتقال العدوى أو العوامل البيئية والسلوكيات اليومية التي تسهّل الإصابة مجددا. كما أن عدم الالتزام بالجرعات المحددة قد يؤدي إلى عدم التخلص من العدوى بصورة كاملة.

طفيليات تختلف باختلاف طرق انتقالها

تشير العسيلي إلى أن طرق انتقال الطفيليات تتباين بحسب موضع وجودها في الجسم؛ فبعضها يعيش في الأمعاء، وبعضها يصيب الجلد، بينما تستقر أنواع أخرى في الدم أو الأوعية الليمفاوية أو أنسجة مختلفة.

ويُعد انتقال العدوى عبر الطريق البرازي الفموي من أبرز وسائل انتشار الطفيليات المعوية، مثل الديدان الدبوسية والجيارديا، إذ يمكن أن تصل بيوض الطفيل أو أطواره المعدية إلى الفم من خلال الأيدي أو الأسطح أو الطعام أو مياه الشرب الملوثة. كما قد تنتقل الأميبا والجيارديا نتيجة تناول أغذية أو مياه ملوثة.

ويمكن أن تصيب الديدان الدبوسية مختلف الفئات العمرية، لكنها أكثر شيوعا بين أطفال ما قبل المدرسة وتلاميذ المدارس، وكذلك أفراد أسر المصابين والأشخاص الذين يتولون رعايتهم، وفقا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.

وتعيش الديدان البالغة داخل الأمعاء، في حين تضع الأنثى بيوضها حول فتحة الشرج، وتُعد الحكة الليلية من أبرز العلامات المرتبطة بهذه الإصابة.

أما الجيارديا، فهي طفيل مجهري يستقر في الأمعاء الدقيقة ويمكن أن يصيب الأشخاص من مختلف الأعمار، لكنه ينتشر بسهولة بين الأطفال، خصوصا في دور الحضانة ومرافق رعاية الأطفال. كما ترتفع احتمالات الإصابة لدى الأشخاص الذين يشربون مياها غير معالجة أو يبتلعون مياه المسابح والبحيرات والأنهار.

وتلفت الدكتورة ناهد إلى أن بعض الطفيليات قد تسبب ما يُعرف بـ«العدوى الذاتية»، أي أن يعيد الشخص إصابة نفسه، نتيجة استمرار دورة حياة الطفيل أو انتقال بيوضه إلى الفم عبر اليدين بعد حك المنطقة المصابة.

وتنتقل أنواع أخرى من الطفيليات عن طريق تناول اللحوم أو الأسماك غير المطهية جيدا، في حين ينقل البعوض طفيليات مسببة لأمراض مثل الملاريا وبعض أشكال داء الفيل.

لماذا تعود الإصابة بعد العلاج؟

توضح العسيلي أن إعادة العدوى من أبرز أسباب تكرار الإصابة بالطفيليات، إذ إن نجاح العلاج لدى شخص واحد لا يمنع انتقال الطفيل إليه مجددا إذا بقي مصدر العدوى في محيطه، أو كان أحد أفراد الأسرة مصابا وينقل العدوى إلى الآخرين.

وتظهر هذه المشكلة بوضوح في حالات الديدان الدبوسية؛ فالأدوية المستخدمة في علاجها تقضي على الديدان، لكنها لا تقتل البيوض، ولذلك يُعطى العلاج عادة على جرعتين يفصل بينهما أسبوعان.

وتشير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن بيوض الديدان الدبوسية يمكن أن تظل حية على الأشياء والأسطح لمدة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، وهو ما يزيد فرص انتقالها مجددا.

وتضيف الدكتورة ناهد أن بعض بيوض الطفيليات قد تبقى عالقة بالملابس أو أغطية الأسرة، ثم تصل إلى جسم الشخص مرة أخرى. كما توجد طفيليات تستقر داخل أنسجة الجسم، وقد تتطلب معالجتها إجراءات أكثر تعقيدا أو استخدام أكثر من دواء، تبعا لنوع الإصابة.

ولا يقتصر مصدر العدوى على الأشخاص الذين تظهر عليهم الأعراض، فقد يكون بعض أفراد الأسرة حاملين للطفيل من دون علامات واضحة، ويسهمون في استمرار انتقاله.

وفي هذا السياق، أظهرت دراسة نُشرت عام 2017 في مجلة «بي إم سي للأمراض المعدية» (BMC Infectious Diseases)، وشملت 91 أسرة سُجلت فيها إصابة مؤكدة بالجيارديا، وجود حالات إضافية في 27 أسرة، أي ما يعادل 30% من العائلات المشاركة.

ورصد الباحثون 41 إصابة إضافية بين أفراد تلك الأسر، لم تظهر أعراض على 37 مصابا منهم.

كما وجدت الدراسة ارتباطا بين وجود طفل يقل عمره عن خمس سنوات في المنزل وارتفاع احتمالات اكتشاف إصابات إضافية بالجيارديا.

ولا تعني هذه النتائج ضرورة علاج جميع المخالطين تلقائيا، إذ يعتمد القرار على نوع الطفيل والأعراض والتقييم الطبي. لكن في حالات الديدان الدبوسية، توصي المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بعلاج المصاب ومقدمي الرعاية وأفراد المنزل في الوقت نفسه.

هل يمكن أن توجد الديدان رغم سلبية التحليل؟

تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي منشورات ومقاطع فيديو تزعم أن معظم الأشخاص يحملون أنواعا من الديدان من دون أن تكشفها التحاليل، وأن تناول الأدوية المضادة للديدان بصورة دورية أمر ضروري حتى في غياب التشخيص. غير أن الأدلة العلمية لا تدعم تعميم هذه الادعاءات.

فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «باراسيتولوجي ريسيرش» (Parasitology Research)، وشملت 103 مرضى ثبتت إصابتهم بطفيليات في عينة واحدة على الأقل من ثلاث عينات براز، أن الفحص الأول كشف 61.2% من الحالات، بينما أضافت العينة الثانية 24.3% من الإصابات، وكشفت العينة الثالثة 14.5% إضافية.

وتوضح هذه النتائج أن الحصول على نتيجة سلبية من عينة واحدة لا يستبعد الإصابة دائما، خصوصا عند وجود اشتباه سريري، لكنها لا تعني أن كل شخص يحمل ديداناً لا تستطيع التحاليل اكتشافها.

كذلك، لا يُعد تحليل البراز الفحص الأنسب لجميع أنواع الطفيليات. ففي حالة الديدان الدبوسية مثلا، توصي المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها باستخدام «اختبار الشريط اللاصق» حول فتحة الشرج صباحا، لمدة ثلاثة أيام متتالية، لأن بيوض هذه الديدان لا تظهر عادة في البراز بكميات كافية لتسهيل اكتشافها.

ولا توصي الجهات الصحية بتناول الجميع أدوية مضادة للديدان بصورة دورية لمجرد احتمال وجود إصابة غير مكتشفة.

وتتبنى منظمة الصحة العالمية استراتيجية للعلاج الوقائي دون تشخيص فردي في مناطق محددة تنتشر فيها الديدان المنقولة عبر التربة، وتستهدف الفئات الأكثر عرضة للإصابة، عندما تصل نسبة انتشار العدوى في المجتمع إلى 20% أو أكثر.

وتُعطى الأدوية عادة مرتين سنويا في المناطق التي تبلغ فيها نسبة الانتشار 50% أو أكثر. وتندرج هذه الإجراءات ضمن برامج الصحة العامة المخصصة لمناطق وفئات معينة، ولا تمثل توصية عامة لجميع الأشخاص الأصحاء.

متى نحتاج إلى التحاليل؟

تؤكد الدكتورة ناهد أهمية إجراء الفحوصات عند استمرار الأعراض أو تفاقمها، خصوصا في حالات آلام البطن المزمنة والإسهال المتكرر وفقدان الوزن من دون سبب واضح.

وقد تستدعي بعض العلامات العامة إجراء التحاليل أيضا، مثل فقر الدم والإرهاق المستمر، إذ يمكن أن تؤدي بعض الطفيليات إلى فقدان الدم أو التأثير في امتصاص العناصر الغذائية.

وفي حالات الإصابة بالجيارديا، قد يحتاج التشخيص إلى فحص أكثر من عينة براز مأخوذة في أيام مختلفة، بهدف زيادة فرص اكتشاف الطفيل.

وعند استمرار الأعراض بعد العلاج، توصي المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بالتحقق من عدة احتمالات قبل افتراض فشل الدواء، منها استمرار وجود الطفيل، أو حدوث إصابة جديدة من أحد أفراد المنزل أو الحضانة أو المخالطين، إلى جانب التأكد من الالتزام بالجرعات العلاجية المحددة.

كيف نكسر حلقة العدوى؟

تشدد أستاذة الطفيليات الطبية بجامعة أسيوط على أن الوقاية من تكرار الإصابة لا تعتمد على العلاج الدوائي وحده، بل تتطلب الالتزام بإجراءات النظافة الشخصية والبيئية، وفي مقدمتها غسل اليدين جيدا بالماء والصابون، خصوصا بعد استخدام الحمام وقبل تناول الطعام.

كما تشمل الإجراءات تقليم الأظافر وتنظيفها باستمرار، والعناية بنظافة الملابس وأغطية الأسرة والأسطح ودورات المياه، إلى جانب غسل الخضراوات والفواكه جيدا والتأكد من طهي اللحوم والأسماك بصورة كافية.

وفي حالات الديدان الدبوسية تحديدا، توصي المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بالاستحمام صباحا وتغيير الملابس الداخلية، وتجنب قضم الأظافر أو حك المنطقة المحيطة بفتحة الشرج.

وتشمل التوصيات أيضا غسل الملابس والمناشف وأغطية الأسرة بالماء الساخن وتجفيفها على درجات حرارة مرتفعة، مع استمرار تطبيق إجراءات النظافة على جميع أفراد المنزل لمدة أسبوعين بعد تناول آخر جرعة علاجية.

وقد ينجح الدواء في القضاء على الطفيل الموجود داخل الجسم، لكن بقاء مصدر العدوى في المنزل أو الطعام أو المياه أو لدى أحد المخالطين قد يؤدي إلى بدء دورة إصابة جديدة.

لذلك، يتطلب الحد من تكرار الطفيليات تحديد نوعها وطريقة انتقالها، واختيار الفحص والعلاج المناسبين، بالتزامن مع معالجة مصادر العدوى المحيطة بالمريض والالتزام بإجراءات الوقاية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى