صحة

مريضات سرطان الثدي في تعز.. رحلة علاج يثقلها المرض والحصار وصعوبة الوصول إلى المستشفيات

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

بوجه شاحب وجسد أنهكه المرض، تجلس فاطمة عوض سالم عبد الله على سريرها في مستشفى الأمل لعلاج الأورام بمحافظة تعز، جنوب غربي اليمن. تقضم أظافرها بتوتر، وتحاول استجماع قواها للحديث عن رحلة علاج استمرت ثلاث سنوات، لكن الكلمات تخذلها، فتغلبها الدموع.

ولا يقتصر ما تواجهه فاطمة على مرض السرطان، فالشابة القادمة من مدينة المخا وجدت نفسها عالقة في تعز، بعيدة عن أسرتها، بينما تستعد لبدء العلاج الكيميائي دون وجود أحد من أهلها إلى جانبها. وصلت إلى المدينة بحثا عن العلاج، وكانت تأمل العودة إلى عائلتها بعد ذلك، غير أن ظروف الحرب حالت دون رجوعها، فتحولت رحلتها الطبية إلى إقامة مفتوحة لا تعرف موعد انتهائها.

بين المرض والحصار

تقول فاطمة إن معاناتها بدأت قبل نحو ثلاث سنوات، عندما لاحظت ظهور كتل صغيرة في الثدي، لتنطلق بعدها في رحلة بين الأطباء في عدن والمخا وتعز، قبل أن يزداد حجم الورم وتخضع لعملية جراحية في المخا.

وتوضح أنها أجرت جراحتين للثديين، بعدما تبين وجود ورم حميد في أحدهما وآخر خبيث في الثاني، لكن التدخل الجراحي لم ينهِ معاناتها. فقد أظهرت الفحوصات اللاحقة استمرار وجود خلايا سرطانية في العظم ومنطقة تحت الإبط، ما استدعى مراجعات طبية إضافية وعمليات أخرى.

وبعد سلسلة من الجراحات والفحوصات، أُحيلت فاطمة إلى مركز الأمل لعلاج الأورام في تعز، حيث تستعد حاليا لبدء العلاج الكيميائي. وتقول إن نتائج الفحص الأخير أكدت استمرار وجود خلايا سرطانية، وإنها ستتلقى جرعتها الأولى، وسط ظروف نفسية ومعيشية تزيد من صعوبة المرحلة المقبلة.

وتصف معاناتها قائلة إن دموعها لم تتوقف منذ اليوم السابق، مضيفة أن السرطان «يقتل بالبطيء».

ولا تجد فاطمة في المستشفى أحدا من أفراد أسرتها لمرافقتها، كما لا تستطيع العودة إلى المخا، ما يجعلها تواجه المرض بعيدا عن الأشخاص الذين تحتاج إلى دعمهم في هذه المرحلة.

وتقول إن معاناتها لا تقتصر على شدة المرض، بل تشمل أيضا ظروف إقامتها في تعز، حيث تشعر بأنها محاصرة دون رفيق أو أهل، وتعاني التعب والسهر والضغوط من مختلف الجوانب.

وتضيف أنها أجرت الجراحتين في المخا يوم 15 يوليو/تموز 2026، قبل انتقالها إلى مستشفى الأمل في تعز خلال أغسطس/آب الماضي لاستكمال الفحوصات والاستعداد للعلاج. وبدأت رحلتها العلاجية في المدينة خلال سبتمبر/أيلول، على أن تكون الجرعة الأولى من العلاج الكيميائي بداية مرحلة جديدة في مسار علاجها.

ومن جانبه، يقول الطبيب أصيل الدبعي، المشرف على متابعة حالتها، إن فاطمة وصلت إلى المستشفى بعد اكتشاف ورم في الثدي، وأظهرت نتائج الخزعة أنه ورم خبيث.

ويوضح الدبعي أن العلاج الكيميائي قد يُستخدم قبل الجراحة أو بعدها، وفقا لحالة المريض والخطة العلاجية المعتمدة، مشيرا إلى أن فاطمة ستبدأ تلقي العلاج الكيميائي قبل الخضوع للعملية الجراحية المقبلة.

ومع اقتراب موعد العلاج، لا تشغل فاطمة المواعيد الطبية وحدها، بل تفكر أيضا في كيفية مواجهة رحلة المرض الطويلة دون وجود أسرتها أو شخص يساندها.

ابتسام.. رحلة علاج تقترب من مرحلتها الأخيرة

وعلى مقربة منها، ترقد ابتسام طالب عبد الله، البالغة من العمر 50 عاما، على أحد أسرّة مستشفى الأمل. وقدمت ابتسام من مديرية جبل حبشي غرب تعز، حاملة معها قصة أخرى مع سرطان الثدي بدأت بألم لم تعرف سببه، واعتقدت في البداية أنه ناجم عن التهاب.

وتروي للجزيرة نت أن الألم ظهر أولا، وبعد مرور عام بدأت تلاحظ ظهور الورم في الثدي والجسم بصورة أكبر، قبل أن تكشف الفحوصات الطبية إصابتها بورم خبيث. وتضيف أنها كانت تعاني ألما شديدا يحرمها النوم، في حين كانت والدتها تعتقد أن ما تشعر به مجرد التهابات.

ولم تتعرف ابتسام إلى طبيعة مرضها إلا بعد مراجعة المستشفى. وتلقت العلاج في منشأة طبية قريبة من منطقتها، ثم خضعت لعملية جراحية في مستشفى الدقاف، قبل تحويلها إلى مستشفى الأمل لمواصلة العلاج.

وتوضح أنها تناولت الأدوية لمدة شهرين قبل إجراء الجراحة، ثم بدأت جلسات العلاج الكيميائي بعدها. ووصلت حتى الآن إلى الجرعة الرابعة، ولم يتبق أمامها سوى الجرعتين الخامسة والسادسة.

وبينما تستعد فاطمة لتلقي أولى جرعات العلاج الكيميائي، تقترب ابتسام من استكمال مرحلة علاجية مهمة، لكن تجربتيهما تعكسان جوانب متعددة من رحلة المصابات بسرطان الثدي، بدءا من التشخيص والجراحة، وصولا إلى العلاج المستمر وما يصاحبه من قلق وانتظار.

ويؤكد الطبيب أصيل الدبعي أن سرطان الثدي يُعد من أكثر أنواع السرطان انتشارا في محافظة تعز وعلى مستوى العالم، مشيرا إلى أن المركز يستقبل حالات جديدة بصورة متكررة.

ويقول إنه قد لا يمر أسبوع دون تسجيل إصابة جديدة أو إصابتين بسرطان الثدي، مشددا على أهمية الكشف المبكر والمتابعة الطبية في التعامل مع المرض.

تراجع الإقبال على الكشف المبكر

ولا تبدأ معاناة المصابات بسرطان الثدي عند وصولهن إلى المستشفى، بل قد تسبق ذلك بفترة طويلة، خصوصا عندما تتأخر المرأة في إجراء الفحوصات أو تواجه صعوبات في الوصول إلى المراكز الطبية.

وفي هذا السياق، تقول امتياز الزبير، مديرة إدارة الإعلام بالمؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان في تعز، إن الأوضاع الراهنة وأزمة المشتقات النفطية وصعوبة التنقل أثرت سلبا في إقبال النساء على خدمات الكشف المبكر.

وتوضح أن المركز سجل أكثر من ألف مستفيدة من خدمات الكشف المبكر خلال سبتمبر/أيلول الماضي، قبل أن يتراجع الإقبال خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، رغم تخصيص الشهر للتوعية بسرطان الثدي.

وتضيف أن المركز اعتاد استقبال ما بين 600 و700 مستفيدة خلال أكتوبر/تشرين الأول في السنوات السابقة، إلا أن صعوبة الوصول إلى مقره الواقع وسط مدينة تعز حدّت من الإقبال خلال العام الحالي.

وبحسب الزبير، بلغ عدد حالات سرطان الثدي المسجلة منذ بداية عام 2026 وحتى أكتوبر/تشرين الأول الجاري 195 حالة، من بينها إصابتان لدى ذكور. وتشير إلى أن هذا المرض يتصدر أنواع السرطان المسجلة في المحافظة، إذ تتجاوز نسبته 20% من إجمالي الحالات، وفقا لبيانات المؤسسة.

2558 حالة مسجلة منذ افتتاح مركز الأمل

وتظهر إحصائيات مركز الأمل لعلاج الأورام أن إجمالي حالات سرطان الثدي التي سجلها منذ افتتاحه عام 2008 وحتى 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بلغ 2558 حالة، توزعت بين 2528 إصابة لدى الإناث و30 لدى الذكور.

كما سجل المركز 195 حالة جديدة منذ بداية العام الجاري وحتى 17 أكتوبر/تشرين الأول، فيما بلغ عدد المستفيدين من خدمات الكشف المبكر 983 مستفيدا.

وفي انتظار تلقي جرعتها الكيميائية الأولى، تواصل فاطمة رحلة العلاج متمسكة بالأمل في تجاوز المرض، بينما تعكس دموعها حجم معركة لا تواجه فيها السرطان وحده، بل تصارع أيضا ظروفا معيشية وإنسانية تحاصر حياتها وتبعدها عن أسرتها في وقت تحتاج فيه إلى دعمهم ومساندتهم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى