صحة

الصحة الواحدة.. مقاربة شاملة لمواجهة الأوبئة وإعادة التوازن بين الإنسان والطبيعة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تتواصل الأزمات الصحية وتتسع رقعة انتشار الأوبئة والأمراض المعدية عبر القارات، ما يضع العالم أمام تحديات تتجاوز حدود الطب التقليدي ومفهوم العلاج القائم على التعامل مع الأعراض، لتطرح تساؤلات أعمق بشأن أسباب ظهور الأمراض وقدرة الممرضات الحيوانية المنشأ على الانتقال إلى البشر والتسبب في أزمات صحية واسعة النطاق.

ولم يعد النقاش الدائر في المنظمات الدولية والمراكز البحثية مقتصرا على تحديد المصادر الجينية للفيروسات والبكتيريا، بل امتد إلى دراسة العوامل البيئية والاجتماعية التي تسهم في انتقال الأمراض من الحيوانات إلى الإنسان، وفهم الظروف التي تجعل هذا الانتقال أكثر خطورة في العصر الحديث.

وتشير بيانات المنظمة العالمية لصحة الحيوان ومنظمة الصحة العالمية إلى أن ما لا يقل عن 60% من الأمراض المعدية التي تصيب البشر تعود أصولها إلى الحيوانات، فيما تشير التقديرات إلى أن 75% من الأمراض الجديدة أو الناشئة التي ظهرت خلال العقود الثلاثة الماضية انتقلت من الحيوانات إلى الإنسان.

وتكشف التجارب الصحية الكبرى حجم التحدي، بدءا من فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (الإيدز)، الذي تسبب في وفاة أكثر من 40.1 مليون شخص منذ اكتشافه، وفقا لإحصاءات برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس الإيدز، مرورا بجائحة كوفيد-19 التي تجاوزت حصيلتها 7 ملايين وفاة مؤكدة رسميا، وألحقت بالاقتصاد العالمي خسائر قدرها البنك الدولي بأكثر من 12 تريليون دولار.

وتشمل قائمة التهديدات كذلك تفشي فيروسات إيبولا وماربورغ وإنفلونزا الطيور (H5N1)، إلى جانب مخاطر صحية أخرى ترتبط بالتغيرات المتسارعة في البيئة وتزايد التداخل بين الأنشطة البشرية والحياة البرية.

وفي خضم هذه التحديات، تبدو المنطقة العربية وشمال أفريقيا أمام واقع شديد التعقيد، تتشابك فيه الأزمات البيئية والصحية مع عوامل اجتماعية وسياسية، ما يجعل مواجهة الأمراض بحاجة إلى رؤية تتجاوز التدخلات الطبية التقليدية.

فلم يعد ممكنا التعامل مع الجائحة باعتبارها حدثا بيولوجيا منفصلا عن البيئة والمجتمع، بل بات من الضروري تبني تصور متكامل يربط صحة الإنسان بصحة الحيوان وسلامة النظم البيئية.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم «الصحة الواحدة» (One Health)، الذي لا يمثل مجرد نهج علمي حديث تتبناه المنظمات الدولية الأربع، وهي منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة العالمية لصحة الحيوان، بل يقوم أيضا على أسس أخلاقية وفلسفية تدعو إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والحد من الممارسات الاستهلاكية التي أخلت بالتوازن البيئي وأسهمت في زيادة مخاطر انتشار الأوبئة.

التطور الفلسفي والأنثروبولوجي لمفهوم الصحة الواحدة

قبل أن يتحول مفهوم «الصحة الواحدة» إلى استراتيجية دولية للوقاية من الجوائح والأمراض المشتركة، كانت المبادئ التي يقوم عليها حاضرة في جوانب من الفكر الإنساني القديم والطب العربي الإسلامي.

ففي التراث الطبي والفلسفي لدى أعلام مثل ابن سينا في كتابه «القانون في الطب»، وابن خلدون في «المقدمة»، وأحمد بن الجزار القيرواني في مؤلفاته المتعلقة بسياسة الصبيان وطب الفقراء، لم يكن الجسد البشري يُفهم باعتباره كيانا منفصلا عن محيطه، بل كان يُنظر إليه ضمن منظومة حيوية تتأثر بعوامل متعددة، تشمل الهواء والمياه وطبيعة البلدان والتغيرات المناخية وانعكاساتها على صحة الإنسان والأمراض التي تصيبه.

وقد استندت هذه الرؤية إلى فهم الصحة باعتبارها حالة من التوازن والانسجام بين الجسد والبيئة المحيطة به، مع إدراك أن أي اضطراب يصيب الوسط الطبيعي للكائنات الحية، سواء كانت حيوانات أو نباتات، يمكن أن ينعكس على صحة المجتمعات البشرية.

لكن هذه النظرة الشمولية تعرضت لتحولات كبيرة مع الثورة الصناعية في الغرب وصعود الأنماط الاقتصادية الرأسمالية، إذ تراجعت مكانة الطبيعة باعتبارها منظومة حيوية متكاملة، وتحولت في كثير من الممارسات الاقتصادية إلى مصدر للمواد الخام ووسيلة لتحقيق الأرباح.

وامتد هذا التحول إلى التعامل مع الحيوانات، التي جرى اختزال دورها في كثير من أنظمة الإنتاج المكثف إلى وحدات لإنتاج البروتين، تُربى بأعداد كبيرة داخل مزارع التسمين المكتظة، بعيدا عن التوازنات البيئية التي كانت تحكم وجودها في الطبيعة.

ووفقا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تسببت الأنشطة البشرية في تغيير أو اضطراب أكثر من 75% من البيئات البرية و60% من البيئات البحرية على مستوى العالم.

كما أسهم تدمير الغابات والواحات وتقليص المناطق الطبيعية العازلة في فقدان أكثر من 10 ملايين هكتار من الغابات سنويا على مستوى العالم.

وأدى تراجع المساحات الطبيعية إلى تقليص الحواجز التي كانت تفصل بين الحيوانات البرية والتجمعات البشرية، ما زاد فرص انتقال مسببات الأمراض غير المعروفة من الحيوانات إلى الإنسان، وهي الظاهرة التي تعرف علميا باسم «القفز بين الأنواع» (Spillover).

وتشير تقديرات واردة في هذا السياق إلى ارتفاع احتمالات انتقال الممرضات في المناطق المتضررة بيئيا بأكثر من 31% مقارنة بالمناطق التي لا تزال تتمتع باستقرار بيئي.

وبذلك، لا يمكن النظر إلى انتقال الفيروسات ومسببات الأمراض من الحيوانات البرية إلى البشر باعتباره مجرد مصادفة بيولوجية، بل ينبغي ربطه أيضا بالتغيرات التي أحدثها النشاط البشري في النظم البيئية، وما نتج عنها من تراجع للحواجز الطبيعية التي تشكلت على مدى ملايين السنين.

واقع المنطقة العربية: خصوصية بيئية وهشاشة متعددة الأبعاد

عند تطبيق هذه المقاربة على المنطقة العربية وشمال أفريقيا، تظهر مجموعة من التحديات المتداخلة، إذ تتقاطع الأزمات البيئية مع الهشاشة الاجتماعية والسياسية، وتنعكس جميعها على قدرة المجتمعات والأنظمة الصحية على مواجهة الأمراض.

وتعد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تأثرا بالتقلبات المناخية والضغوط المائية، وتشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا إلى عدد من المؤشرات المقلقة، أبرزها:

  • ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه: تسجل درجات الحرارة في المنطقة العربية معدلات ارتفاع تصل إلى ضعف المتوسط العالمي، كما تضم المنطقة 18 دولة من بين أكثر 20 دولة في العالم معاناة من الإجهاد المائي الشديد.
  • تدهور الأراضي واتساع الجفاف: يعاني أكثر من 73% من مساحة الأراضي في العالم العربي من التصحر بدرجات متفاوتة بين الشديد والمتوسط، ما يهدد النظم البيئية الهشة، بما فيها واحات جنوب تونس والجزائر والمغرب، والأغوار والمناطق الزراعية الخصبة في الأردن والعراق وسوريا ومصر.

ويؤدي انحسار الغطاء النباتي وتراجع الواحات إلى دفع الحيوانات البرية والقوارض والحشرات الناقلة للأمراض نحو التجمعات السكانية بحثا عن المياه والغذاء. ويشمل ذلك أنواع البعوض التابعة لجنسي Aedes وAnopheles، ما يزيد فرص الاحتكاك المباشر بين الإنسان والحيوان، ويوسع نطاق المناطق التي يمكن أن تنتقل فيها الممرضات.

وتزداد المخاطر مع تفاقم أزمة مياه الشرب، إذ يقدر المجلس العربي للمياه أن أكثر من 50 مليون شخص في المنطقة العربية يفتقرون إلى مصادر مياه نظيفة وآمنة.

وفي المناطق التي تعاني من شح المياه، تضطر بعض المجتمعات إلى استخدام مصادر مشتركة أو ملوثة قد تتعرض للاختلاط بمخلفات الماشية والحيوانات الضالة، وهو ما يسهم في عودة انتشار أمراض مثل الكوليرا، التي سجلت اليمن وسوريا والسودان بشأنها عشرات الآلاف من الحالات، فضلا عن العدوى الطفيلية.

ومن ناحية أخرى، تتبنى المنطقة أنماطا استهلاكية وإنتاجية متباينة، تجمع بين الضغط الشديد على المراعي الهشة نتيجة الرعي الجائر، والاعتماد المتزايد على سلاسل التوريد العالمية للحوم، إلى جانب انتشار مزارع الدواجن والماشية المكثفة.

وفي هذا السياق، تبرز مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) باعتبارها واحدة من أخطر التحديات الصحية والبيولوجية التي لا تحظى بالاهتمام الكافي.

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة إلى أن نحو 70% إلى 80% من المبيعات العالمية للمضادات الحيوية تُستخدم في القطاع الحيواني، وليس البشري، وغالبا ما يجري توظيفها لتحفيز النمو أو للوقاية من الأمراض في المزارع المكتظة.

وفي المنطقة العربية، أظهرت دراسات ميدانية ارتفاع معدلات الميكروبات المقاومة للأدوية المستخدمة في الخطين الأول والثاني من العلاج، سواء في العينات الحيوانية أو المنتجات الغذائية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن انتقال هذه الميكروبات إلى البشر.

وتقدر تقارير علمية صادرة عن تحالف «الصحة الواحدة» أن مقاومة مضادات الميكروبات تتسبب حاليا في وفاة نحو 1.27 مليون شخص سنويا بصورة مباشرة حول العالم، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 10 ملايين وفاة سنويا بحلول عام 2050 إذا لم تُتخذ تدابير فعالة للحد من الظاهرة.

ومن المتوقع أن تكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من المناطق الأكثر تأثرا بالتداعيات الصحية والاقتصادية لهذه الأزمة.

وتشكل الأسواق الشعبية المفتوحة لبيع الماشية وذبحها داخل المدن المكتظة تحديا إضافيا، إذ يمكن أن توفر ظروفا ملائمة لانتقال مسببات الأمراض، خصوصا خلال المواسم والمناسبات الدينية، في ظل ضعف الرقابة البيطرية أو ممارسة أنشطة البيع والذبح في مواقع غير خاضعة للإشراف.

وتتفاقم هذه المخاطر في مناطق النزاعات والحروب، ولا سيما اليمن وسوريا والسودان وليبيا وقطاع غزة، حيث خرجت أعداد كبيرة من المنشآت الصحية والبيطرية عن الخدمة، وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي إلى أن نسبة المرافق المتضررة أو المتوقفة تتراوح بين 50% و70% في بعض هذه المناطق.

وقد أدى تراجع البنية التحتية الصحية والبيطرية، إلى جانب النزوح القسري للسكان، إلى زيادة صعوبة السيطرة على الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان. وتضم المنطقة العربية أكثر من 35% من إجمالي اللاجئين والنازحين داخليا في العالم، ما يضاعف الضغوط على الخدمات الصحية والبيئية في المجتمعات المستضيفة ومناطق النزوح.

وفي ظل هذه الظروف، تتزايد مخاطر انتشار أمراض مثل داء الكلب (Rabies)، وحمى الوادي المتصدع (RVF)، والليشمانيا الجلدية، والفطريات الجلدية، فضلا عن الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي.

استشراف المستقبل: نحو خارطة طريق بديلة وتفكيك الجزر المعزولة

إن الانتقال إلى مستقبل صحي أكثر أمانا في المنطقة العربية يتطلب تجاوز الاستجابات الإسعافية والحلول المؤقتة التي تركز على توفير الأدوية واللقاحات المستوردة، والاتجاه نحو إصلاحات بنيوية واسعة تشمل الفكر والسياسات الصحية والبيئية.

ويستدعي ذلك تبني رؤية متكاملة تضع صحة الإنسان والحيوان وسلامة البيئة ضمن إطار واحد، بدلا من التعامل مع كل مجال باعتباره قطاعا مستقلا عن الآخر، بما يتيح بناء منظومة أكثر قدرة على الوقاية من الأوبئة والاستجابة للمخاطر الصحية قبل تحولها إلى أزمات واسعة النطاق.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى