كلمة المدير العام لشبكة الجزيرة الإعلامية الشيخ ناصر بن فيصل بن خليفة آل ثاني في احتفال مرور ثلاثين عامًا على انطلاق الشبكة

حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى،
أصحاب السعادة، السيدات والسادة،
الزملاء والزميلات في الجزيرة،
جمهورنا الذي منحنا ثقته على مدى ثلاثين عامًا،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لا نقف اليوم أمام ذكرى عابرة، بل أمام محطة تأمل ومسؤولية. ثلاثون عامًا مضت منذ أن انطلقت الجزيرة من الدوحة بفكرة آمنت بأن صوت هذه المنطقة قادر على الوصول إلى العالم، وبأن الحقيقة تستحق أن تُطلب، وبأن الإنسان يستحق أن يُرى ويُسمع، مهما كانت مواقعه وظروفه.
لقد كانت الجزيرة منذ 1996 أكثر من شاشة تنقل الأخبار؛ كانت وعدًا بأن تبقى الصحافة حرة ومسؤولة، وأن يتحول مبدأ الرأي والرأي الآخر إلى ممارسة يومية، وأن يكون للناس حق في المعرفة لا تزيّفه الضغوط ولا تُغيبه الحسابات.
واليوم، ونحن نحتفي بثلاثين عامًا من العمل، لا يكفي أن نستعيد ما تحقق. فالوفاء الحقيقي لبدايات الجزيرة لا يكون بالحنين إلى الماضي، بل بالشجاعة على التجدد. إن الاحتفاء بالماضي وحده لا يضمن استمرار المؤسسة؛ وإنما يضمنها أن تمتلك إرادة التطوير، وأن تواجه تحولات صناعة الإعلام وتغيّر الجمهور بأدوات جديدة وروح متجددة، من دون أن تمس ثوابتها.
من هنا، تمضي الجزيرة في تنفيذ «رؤية الجزيرة 2030»، وهي رؤية تحفظ ما قامت عليه الشبكة: القيم، والاستقلالية، والمصداقية، وتغيّر الأدوات والهياكل التي تحتاج إلى تطوير، حتى تظل هذه القيم حاضرة وفاعلة ومؤثرة.
إننا نعيد تنظيم حضورنا الإخباري تلفزيونيًا حول رحلة الخبر ذاتها: من اللحظة إلى المعنى، ومن المعنى إلى الحقيقة كما هي. فتتولى «الجزيرة الآن» قيادة اللحظة ومواكبة الحدث، وتقدم «الجزيرة الإخبارية» الصورة الكاملة بالفهم والتفسير، وتفتح «الجزيرة مباشر» نافذة الوصول المباشر إلى الأحداث من دون وسيط. إنها أدوار تتكامل ولا تتنافس، لأن غايتها واحدة: أن يصل الجمهور إلى خبر أدق، وفهم أعمق، وصورة أقرب إلى الحقيقة.
وعلى المستوى الرقمي، نعمل على مشاريع تربط الميدان بغرف الأخبار والجمهور. «مشروع النواة» ليس مجرد تحديث تقني، بل أكبر مشروع تحول ذكي متكامل لمؤسسة إعلامية؛ يضم أنظمة وتطبيقات من بينها «أوربت»، و«اسأل الجزيرة»، و«المراسل الذكي»، و«بحيرة بيانات الجزيرة»، وغيرها من المشاريع التي تعزز قدرة الصحفيين والجمهور وغرف الأخبار على الوصول إلى المعلومات والتحقق منها وفهمها.
أما على المستوى المؤسسي، فإننا نمضي في إعادة تنظيم حضورنا العالمي واللغوي، وإعادة هيكلة انتشارنا الخارجي، بما يعزز قدرتنا على فهم خصوصيات المجتمعات المختلفة، وتمكين منصاتنا ومشاريعنا المقبلة من العمل بكفاءة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. هدفنا أن تكون الجزيرة شريكًا في صناعة مستقبل الإعلام، لا منتظرًا لمستقبل تصوغه مؤسسات أخرى.
ونقولها بصراحة: لقد نفذنا هذه المشاريع ونحن نعمل في ظل حروب وتغطيات عاجلة، وفي ظروف خطرة يحمل فيها صحفيونا أمانة الكلمة والصورة، وفي مواجهة ضغوط وتهديدات. لكن الجزيرة لم تسمح لضغوط اللحظة بأن تعطل مسؤوليتها تجاه المستقبل، ولم تختر بين واجب تغطية الأحداث وواجب تطوير أدوات الصحافة المقبلة، بل واصلت المهمتين بالتوازي.
وإننا نستذكر، بامتنان وعرفان، مؤسس الجزيرة، المغفور له بإذن الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، صاحب الفكرة الأولى، الذي منحها أهم شروط بقائها: الاستقلالية والحرية. وأصدق الوفاء له أن تبقى الجزيرة أمينة للفكرة التي آمن بها.
كما نتوقف بإجلال أمام شهداء الجزيرة، والصحفيين الذين فقدوا حياتهم وهم يؤدون واجبهم. إنهم جزء من معنى الشبكة وضميرها وعهدها المهني. وتحيتنا إلى صحفيي الجزيرة وموظفيها في كل مكان، إلى مهنيتهم وصبرهم وقدرتهم على مواصلة العمل حين تتداخل الحقيقة والزيف، ويصعب الوصول، وتتعارض الروايات.
إلى شباب الجزيرة، أقول: تعلّموا من تاريخ الجزيرة، لكن لا ترتهنوا إليه. احترموا تقاليد المهنة، ولا تخافوا من تطويرها. اسألوا وجرّبوا وابتكروا، واحفظوا العمق والدقة والمعنى.
وإلى جمهورنا، أقول: أنتم شريك في مسيرتنا. وثقتكم ليست مضمونة ولا دائمة؛ إنها تُكتسب كل يوم، بكل خبر، وكل صورة، وكل قرار تحريري، وكل موقف تاريخي وإنساني. ونحن نلتزم بحقكم في المعرفة، وبالحرص على الدقة، وبأن يبقى الإنسان محور العمل الإعلامي والحكاية الصحفية.
بعد ثلاثين عامًا، ما زالت الجزيرة تؤمن بأن الحقيقة تستحق الطريق الطويل، وأن صوت الإنسان هو نقطة البداية والغاية. نحتفل اليوم بما تحقق، لكننا نستعد أكثر لما ينبغي أن نصنعه في الغد. فالجزيرة التي انطلقت من الدوحة بفكرة، تمضي اليوم بثقة في هويتها وشجاعة في تحديد وجهتها.
إن الإعلام حين يكون إلى جانب الإنسان، يتحول من مهنة إلى رسالة. والجزيرة كانت وستبقى رسالة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.









