ثقافة

أليس الأمن أساس الحياة الكريمة للمواطن؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تبقى في حدود الشعارات العامة أو الوعود الحكومية، بل يجب أن تنطلق من حقيقة أساسية، وهي أن أمن المواطن ليس امتيازاً تمنحه الدولة، وإنما حق أصيل والتزام دستوري وأخلاقي يقع في صميم مسؤولياتها.
وفي ضوء الحوادث الأمنية التي شهدتها العاصمة نواكشوط مؤخراً، ولا سيما جريمة مقتل السيدة التي كانت تعمل في تعليم القرآن الكريم داخل منزلها بحي «سيتي بلاج» بمقاطعة تفرغ زينة، وما رافقها من صدمة وحالة قلق في أوساط المواطنين، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن حماية المواطن وتحسين ظروف حياته لا يمكن أن تتحولا إلى أولوية حقيقية ما لم تنتقلا من مستوى التصريحات والبرامج إلى مستوى السياسات العمومية القابلة للقياس والمساءلة. فالدولة لا تُقاس فقط بما تنجزه من مشاريع، ولا بما تعلنه من خطط، وإنما كذلك بقدرتها على توفير الطمأنينة لمواطنيها، وصون أرواحهم وممتلكاتهم، وضمان شعورهم بالأمن في منازلهم وشوارعهم وأماكن عملهم.
وإذا كانت موريتانيا تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متعددة، فإن ما شهدته العاصمة نواكشوط من حوادث اعتداء وسلب، وصولاً إلى الجريمة المروعة التي أودت بحياة معلمة للقرآن الكريم في حي سيتي بلاج بمقاطعة تفرغ زينة، يفرض إعادة طرح مسألة الأمن الحضري بوصفها قضية وطنية تستوجب معالجة جادة، تتجاوز ردود الفعل الظرفية.
إن خطورة هذه الجريمة لا تكمن فقط في فداحة الاعتداء على روح إنسان بريء، وإنما أيضاً في الرسالة المقلقة التي تطرحها بشأن أمن الأفراد داخل محيطهم السكني، ومدى قدرة المنظومة الأمنية على الوقاية من الجرائم قبل وقوعها، وليس الاكتفاء بملاحقة مرتكبيها بعد أن تتحول إلى مآسٍ إنسانية.
ومن الإنصاف التأكيد أن المسؤولية الأمنية لا تقع على عاتق جهاز واحد، كما أن وجود جرائم فردية لا يعني بالضرورة غياب الجهود الأمنية أو انهيار المنظومة برمتها؛ لكن ذلك لا يعفي المؤسسات المعنية من واجب مراجعة آليات الانتشار الأمني، وتعزيز الدوريات الراجلة والراجلة الليلية، وتطوير منظومة الاستجابة السريعة، وتفعيل الرقابة والتحري، والتعامل الحازم مع أصحاب السوابق والتشكيلات الإجرامية وفق القانون.
والأهم من ذلك أن الأمن لا ينبغي أن يكون متفاوتاً بحسب الموقع الجغرافي أو المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأحياء؛ فحق المواطن في الحماية لا يتغير بتغير عنوان سكنه، ولا يجوز أن يشعر سكان الأحياء الطرفية بأنهم أقل حظاً في الحصول على الحماية من سكان الأحياء المركزية، كما أن وقوع جريمة في حي راقٍ مثل تفرغ زينة يذكر بأن الأمن مسؤولية عامة لا تعرف الامتيازات الجغرافية.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال إلى مقاربة أمنية أكثر استباقية، تقوم على تشخيص بؤر الجريمة، وتحليل أنماط الاعتداءات، وتكثيف الحضور الأمني في الأوقات والأماكن الأكثر عرضة للمخاطر، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والسلطات الإدارية والمجتمع المدني.
كما أن مواجهة الجريمة لا تنفصل عن معالجة جذورها الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمتها البطالة والهشاشة الاجتماعية وتعاطي المخدرات والتفكك الأسري، دون أن يشكل أي من ذلك مبرراً للعنف أو انتهاك القانون.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الحكومة على نفسها ليس فقط: ماذا أنجزنا؟ بل أيضاً: هل أصبح المواطن أكثر أمناً؟ وهل يستطيع أن ينام مطمئناً في منزله؟ وهل تشعر المرأة والطفل وكبار السن بأن حياتهم وممتلكاتهم مصونة؟ وهل توجد آليات فعالة تضمن سرعة التدخل ومحاسبة المقصرين؟
إن حماية المواطن ليست بنداً ثانوياً في جدول أعمال الحكومة، ولا ملفاً يُستدعى عند وقوع الكوارث والجرائم، بل هي الاختبار اليومي لجدوى السياسات العامة وفاعلية مؤسسات الدولة.
فلا معنى للتنمية إذا ظل المواطن قلقاً على حياته، ولا قيمة للبرامج الحكومية إذا لم تنعكس آثارها على أمن الناس وكرامتهم وحقهم في العيش بطمأنينة.
والدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بإعلان قدرتها على فرض النظام، وإنما التي تجعل احترام القانون وحماية الأرواح والممتلكات واقعاً ملموساً يعيشه المواطن، دون خوف أو تمييز.
وفي النهاية، فإن قيمة الدولة لا تُقاس فقط بما تقدمه لمواطنيها من خدمات، وإنما أيضاً بما توفره لهم من أمان؛ لأن الأمن ليس مجرد شرط للتنمية، بل هو أساس الحياة الكريمة، وأول ما ينتظره المواطن من دولته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى