الأخبار العالمية

من يرث النفوذ الأمريكي؟ أربعة مراكز عسكرية تستعد لعالم تتغير فيه موازين القوة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

داخل أربعة مكاتب شديدة التحصين، يعمل أربعة ضباط بوتيرة متواصلة على تطوير قدرات قتالية نوعية، استعدادا لتحولات محتملة في موازين القوة العسكرية، قد تعيد رسم خريطة النفوذ ومراكز التأثير على الساحة الدولية.

ويقع مكتبان من هذه المكاتب في شرق آسيا، وتفصل بينهما مسافة تقارب ألفي كيلومتر، فيما يوجد المكتب الثالث في قلب أوروبا، على بعد نحو 1700 كيلومتر من المكتب الرابع، الذي يقع في مدينة تمتد بين الشرق والغرب، وتربط قارتين وتطل على بحرين.

تراجع الهيمنة الأمريكية.. مؤشرات تاريخية متراكمة

في كتابه «صعود وهبوط القوى العظمى»، ركز المفكر بول كينيدي على التحول الذي شهدته الولايات المتحدة من أكبر دولة دائنة في العالم إلى أكبر دولة مدينة، معتبرا أن ذلك يعكس وصولها إلى نمط مألوف في تاريخ القوى المهيمنة عندما تبدأ مرحلة أفولها.

وأشار كينيدي إلى أن من أبرز الأعباء التي تهدد مكانة واشنطن اتساع التزاماتها العسكرية في مختلف القارات، إلى جانب الارتفاع المستمر في تكاليف المعدات والتجهيزات العسكرية، الأمر الذي يضيّق هامش الخيارات المتاحة أمامها لمواصلة التأثير في مصائر الدول والشعوب.

وفي كتابه الصادر عام 1987، اعتبر كينيدي أن تراجع القوة الأمريكية مسألة شبه حتمية، لكنه رأى أن مسؤولية صناع القرار خلال العقود اللاحقة تتمثل في إدارة هذا التحول بطريقة تضمن حدوث التآكل النسبي لمكانة الولايات المتحدة بصورة تدريجية وبطيئة.

وقارن المفكر الأمريكي وضع بلاده آنذاك بالتجربة البريطانية، مشيرا إلى أوجه التشابه بين انتشار القواعد العسكرية الأمريكية حول العالم وخريطة المواقع التي كانت الإمبراطورية البريطانية تتمركز فيها قبل الحرب العالمية الأولى.

وبعد مرور نحو 25 عاما على صدور كتاب كينيدي، عاد أستاذ العلاقات الدولية ستيفن والت إلى الفكرة ذاتها، من خلال مقال نشره عام 2011 في مجلة «ناشيونال إنترست» تحت عنوان «موت العصر الأمريكي».

ورأى والت أن الولايات المتحدة بدأت تفقد قدرتها السابقة على صياغة النظام العالمي وتوجيه سلوك الدول الأخرى، وهي المكانة التي تمتعت بها منذ عام 1945.

وحدد الكاتب مجموعة من المؤشرات التي اعتبرها دليلا على بداية مرحلة التراجع الأمريكي، أبرزها ظهور مراكز قوة جديدة ومستقلة، والإخفاقات العسكرية في عدد من الحروب، واستنزاف الموارد، وتفاقم أعباء الديون.

ومع وصول دونالد ترمب إلى السلطة في 20 يناير/كانون الثاني 2017، برزت رغبة شريحة واسعة من الأمريكيين في التركيز على الشؤون الداخلية وتقليص الانخراط الخارجي، تحت شعار «أمريكا أولا».

وتناول ريتشارد هاس هذه المرحلة في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» بعنوان «حاضرون عند الدمار»، معتبرا أن انسحاب ترمب المفاجئ من اتفاقيات ومنظمات دولية راسخة، وتصعيده ضد الحلفاء، وتقاربه مع حكام مستبدين رغم انتهاكات حقوق الإنسان، عوامل قد تقود إلى تراجع ملموس في النفوذ الأمريكي.

وأشار هاس إلى أن دولا صاعدة بدأت تفرض حضورها على الساحة الدولية، اقتصاديا وعسكريا، وتنفذ عمليات مسلحة في مناطق استراتيجية دون الحصول على موافقة واشنطن.

وتدفع هذه التحولات، بحسب طرحه، نحو نشوء نظام عالمي جديد لا تحتفظ فيه الولايات المتحدة بالسيطرة المطلقة التي اعتادت ممارستها خلال العقود الماضية.

الحرب على غزة وتراجع صورة واشنطن دوليا

تزايدت الضغوط على الولايات المتحدة نتيجة الدعم العسكري والسياسي الذي قدمته لإسرائيل خلال حربها على قطاع غزة، والتي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت لأكثر من عامين.

وتسببت الحرب، وفقا لما يورده المقال، في مقتل نحو 73 ألف فلسطيني، وتشريد وتجويع أعداد كبيرة من السكان، إلى جانب تدمير أحياء سكنية ومرافق خدمية واسعة النطاق.

وفي المقابل، شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اصطفاف غالبية دول العالم في تصويتات دعمت الحقوق الفلسطينية وعارضت الاحتلال، رغم الموقف الأمريكي الرافض لهذه التوجهات.

وبين عامي 2023 و2024، صوتت أعداد تراوحت بين 162 و167 دولة لمصلحة قرارات متتالية تتعلق بالحقوق الفلسطينية، في حين لم يتجاوز عدد الدول التي وقفت إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وفقا لما أورده المقال، سبع دول، هي الأرجنتين وباراغواي وناورو وبابوا غينيا الجديدة وميكرونيزيا ودولتان أخريان من جزر المحيط الهادي.

ويقدم المقال هذه التصويتات باعتبارها مؤشرا على تراجع قدرة واشنطن على حشد التأييد الدولي لمواقفها، حتى بين الدول التي اعتادت دعم توجهاتها في المحافل الدولية.

الحرب على إيران.. خسائر عسكرية وتحديات أمام الحلفاء

في محاولة لاستعادة قوة الردع وتعزيز الهيبة الأمريكية، اتجهت واشنطن إلى المواجهة العسكرية مع إيران، حيث خاضت، بالتعاون مع إسرائيل، حربين؛ الأولى استمرت 12 يوما في يونيو/حزيران 2025، والثانية اندلعت في فبراير/شباط 2026 واستمرت شهرين.

ووفقا لما يورده المقال، تمكنت الولايات المتحدة خلال المواجهة من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين والقادة في دوائر صنع القرار بطهران.

لكن الصواريخ الإيرانية استهدفت، بحسب الرواية الواردة في النص، معظم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وألحقت بها أضرارا متفاوتة عطلت بعضها بصورة كاملة أو جزئية.

ويرى المقال أن هذه الضربات لم تقتصر آثارها على الخسائر البشرية والمادية، بل امتدت إلى صورة الولايات المتحدة أمام حلفائها، الذين كانوا يتوقعون منها توفير الحماية لهم في مواجهة التهديدات الأمنية.

وفي كلمة ألقاها خلال منتدى الدوحة للأمن، أقر توم برّاك، مستشار الرئيس الأمريكي، بأن واشنطن خاضت 23 تجربة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج والقوقاز وآسيا الوسطى، دون أن تحقق أي منها النتائج التي كانت تسعى إليها، داعيا إلى مراجعة جادة لهذه السياسة.

كما أوضح أن الولايات المتحدة تريد أن تكون طرفا مساعدا، لا جهة تفرض الحلول على دول المنطقة، مطالبا حكوماتها بتحمل مسؤوليات أكبر في إدارة شؤونها الأمنية.

من جانبها، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالا رأت فيه أن الحرب التي أرادها ترمب استعراضا للقوة أدت إلى تقييد القدرات الأمريكية بدلا من تعزيزها.

واستندت الصحيفة في طرحها إلى إجلاء أفراد من قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، وسحب القاذفات الأمريكية من قاعدة فيرفورد البريطانية، خشية تعرضها لهجمات إيرانية باستخدام وسائل غير تقليدية.

أزمة الطاقة تدفع واشنطن إلى التقارب مع موسكو

لكن التداعيات الأشد، بحسب المقال، ارتبطت بإغلاق إيران مضيق هرمز ردا على الحرب الأمريكية، وما تبع ذلك من اضطراب في إمدادات الطاقة واندلاع أزمة عالمية وضعت واشنطن أمام خيارات صعبة.

وفي خضم الأزمة، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة إلى طلب المساعدة من روسيا، رغم العداء القائم بين البلدين.

وجمّد ترمب عقوبات كان قد وقعها على موسكو قبل ذلك، كما توصل إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكتوبر/تشرين الأول 2026، يقضي بتصدير كميات كبيرة من الديزل إلى الأسواق الأمريكية والعالمية.

غير أن الرئيس الأوكراني، الذي يفترض أنه حليف لواشنطن، عمل على عرقلة تنفيذ الاتفاق من خلال مواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية، في تطور يراه المقال دليلا على تراجع قدرة الولايات المتحدة على ضبط مواقف حلفائها، فضلا عن التأثير في خصومها.

ويخلص المقال إلى أن الأفكار التي طرحها بول كينيدي وستيفن والت وريتشارد هاس تتقاطع مع دروس تاريخية تتكرر عبر العصور، مفادها أن موازين القوة لا تبقى ثابتة، وأن الدول المهيمنة قد تواجه مراحل من التراجع مهما بلغت قوتها.

لكن تراجع قوة دولية كبرى لا يعني بالضرورة بقاء الساحة خالية، إذ إن طبيعة النظام الدولي تتيح لقوى أخرى فرصة التقدم وملء الفراغ، إذا امتلكت الاستعداد والإمكانات اللازمة.

النظر شرقا.. هل تستطيع أوروبا خلافة واشنطن؟

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مشروع لبناء حاملة طائرات جديدة بتكلفة تصل إلى 12 مليار دولار، وتحدث عن استعداد فرنسا لمواجهة التحولات العسكرية والاستراتيجية المقبلة في أوروبا والعالم.

لكن المقال يستبعد أن تكون باريس قادرة على خلافة الولايات المتحدة في قيادة النظام الدولي، في ظل تراجع نفوذها في أفريقيا بعد عقود من الحضور السياسي والعسكري والاقتصادي في القارة.

فعلى الرغم من امتلاك فرنسا ترسانة نووية، فإن قدراتها الجوية والبحرية لا توفر لها، بحسب المقال، الأساطيل اللازمة لنقل أعداد كبيرة من القوات إلى مناطق بعيدة، أو ضمان استمرار إمدادها ودعمها خارج حدودها.

كما تواجه باريس تحديات اقتصادية ومالية داخلية، في وقت يتجاوز فيه الدين العام 110% من الناتج المحلي الإجمالي، بالتزامن مع احتجاجات واضطرابات اجتماعية يشارك فيها الشباب للمطالبة بتحسين ظروف المعيشة.

ويشير المقال إلى أن فرنسا اضطرت خلال السنوات الأخيرة إلى إنهاء وجودها العسكري في عدد من الدول الأفريقية، من بينها السنغال ومالي وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو، بعد مطالبات برحيل قواتها وقواعدها.

ومع هذا الانسحاب، تراجع حضورها في مناطق كانت تتمتع فيها بنفوذ واسع، كما فقدت مواقع مهمة في بيئات غنية بموارد طبيعية تشمل الذهب والألمنيوم والنفط والحديد والملح والنحاس.

بريطانيا وروسيا.. قيود على الطموحات الدولية

ولا تبدو بريطانيا، وفق المقال، في وضع يسمح لها بتولي دور القيادة العالمية، إذ لا يتجاوز تعداد قواتها البرية 73 ألف جندي، فضلا عن مشكلات تتعلق بتقادم المعدات العسكرية ونقص الذخائر.

أما روسيا، فعلى الرغم من امتلاكها قدرات عسكرية تجعلها من القوى الكبرى، فإنها تواجه تحديات اقتصادية وعسكرية تحد من قدرتها على تصدر المشهد الدولي.

وتخضع موسكو لعقوبات فرضتها 49 دولة، كما لا تزال تواجه صعوبات ميدانية في الحرب الأوكرانية المستمرة منذ عام 2022.

ويضيف المقال أن روسيا تفتقر إلى نموذج أيديولوجي قادر على جذب الدول الأخرى وتقديم نفسه بوصفه بديلا قابلا للتبني والتصدير، فضلا عن أن تجاربها في التوسع وفرض النفوذ تظل مرتبطة إلى حد كبير بمحيطها الإقليمي.

وتقود هذه المعطيات إلى طرح سؤال بشأن القوى التي يمكن أن تستفيد من تراجع النفوذ الأمريكي، خصوصا في ظل محدودية قدرة القوى الأوروبية والروسية على تولي الدور الذي اضطلعت به واشنطن لعقود.

أربعة مكاتب عسكرية في قلب التحولات المقبلة

في ضوء هذه التحديات، تتجه الأنظار إلى أربعة مراكز عسكرية تعمل على تطوير قدراتها القتالية، اثنان منها في شرق آسيا، والثالث في قلب أوروبا، فيما يقع الرابع في مدينة استراتيجية تمتد بين قارتي آسيا وأوروبا وتطل على بحرين.

اليابان.. 26 قرنا و126 إمبراطورا

يقع المكتب الأول داخل مجمع عسكري كبير على تلة إتشيغايا، حيث يرتفع برج فولاذي في سماء منطقة شينجوكو بالعاصمة اليابانية طوكيو.

وتضم طوكيو 23 منطقة إدارية، ويتجاوز عدد سكانها 37 مليون نسمة، فيما يقدر حجم اقتصادها بنحو 1.1 تريليون دولار.

ولا تفصل التلة المحصنة سوى مسافة كيلومترين عن القصر الإمبراطوري، المشيد على أنقاض قلعة إيدو التاريخية التي يعود تاريخها إلى أكثر من 560 عاما.

ويمثل هذا الموقع نقطة الانطلاق في عرض المكاتب العسكرية الأربعة التي يتناولها المقال، في سياق البحث عن القوى التي قد يكون لها دور في تشكيل موازين القوة العالمية خلال المرحلة المقبلة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى