المدرسة الجمهورية.. رهان بناء الإنسان ومستقبل الدولة

بقلم عثمان جدو/ بتصرف في للصيانة
لم يعد إصلاح التعليم في موريتانيا مجرد نقاش حول المناهج والبرامج والامتحانات، بل أصبح قضية وطنية تتصل بمستقبل الدولة، وطبيعة المجتمع الذي نطمح إلى بنائه، ونوعية الأجيال التي ستتولى صناعة الغد. ومن هذا المنطلق، جاءت المدرسة الجمهورية بوصفها أحد أبرز المشاريع الإصلاحية التي طرحها فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، حاملةً طموحاً يتجاوز إصلاح الفضاء المدرسي إلى ترسيخ المواطنة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن.
غير أن أهمية المشروع تقتضي اليوم الانتقال من الاحتفاء بأهدافه وشعاراته إلى تقييم حصيلته، وقياس ما تحقق منه، واستجلاء العقبات التي لا تزال تعترض طريقه.
المدرسة الجمهورية.. فلسفة تتجاوز التعليم
تقوم فلسفة المدرسة الجمهورية على مبدأ جوهري، مفاده أن المدرسة فضاء وطني جامع، تتساوى فيه فرص أبناء الموريتانيين، بعيداً عن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. فهي ليست مجرد مشروع لتوحيد المؤسسات التعليمية، وإنما رهان على بناء مجتمع أكثر إنصافاً وتماسكاً، وإعداد مواطن يمتلك المعرفة والوعي وروح الانتماء والمسؤولية.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من واقع ظلت تطبعه اختلالات عميقة، في مقدمتها التفاوت بين التعليم العمومي والخصوصي، والفجوة بين مدارس المدن والأرياف، وضعف البنية التحتية والوسائل التعليمية في عدد من المناطق.
بين المكتسبات والتحديات.. أين يقف الإصلاح؟
شهد قطاع التهذيب خلال السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً، تجسد في إطلاق المدرسة الجمهورية، وتوسيع البنية المدرسية، وبناء آلاف الفصول، وتعزيز الاكتتاب، والاهتمام بتحسين ظروف المدرسين، إلى جانب مراجعة المناهج والبرامج التعليمية.
وتمثل هذه الخطوات مؤشرات إيجابية على انتقال التعليم إلى صدارة الأولويات الوطنية، كما يشكل توحيد الولوج إلى المدرسة العمومية خطوة مهمة في اتجاه تقليص الفوارق الاجتماعية داخل المؤسسات التعليمية.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الطريق لا يزال طويلاً؛ فضعف البنية التحتية في بعض المناطق، والتفاوت في جودة التعليم بين العاصمة والولايات الداخلية، ونقص المدرسين في بعض التخصصات، ومحدودية التكوين المستمر، كلها تحديات تؤثر في مستوى الأداء التربوي.
وتضاف إلى ذلك قلة التجهيزات والوسائل التعليمية والمخابر والمكتبات، وضعف الموارد الرقمية، فضلاً عن الاكتظاظ والتفويج في بعض المؤسسات، وما يصاحبهما من تراجع فرص الاستيعاب والتحصيل الجيد، واستمرار ظاهرة التسرب المدرسي.
ومن هنا، فإن نجاح المدرسة الجمهورية لا ينبغي أن يقاس بمجرد وجود التلاميذ داخل الفصول العمومية، وإنما بمدى حصولهم على تعليم ذي جودة، تتوافر له الشروط البشرية والمادية والبيداغوجية اللازمة.
المدرس.. قلب الإصلاح ومحرك التحول
لا يمكن بناء مدرسة جمهورية قوية بمدرس ضعيف التكوين أو محدود التحفيز؛ فالمعلم ليس مجرد عنصر في المنظومة التعليمية، بل هو ركيزتها الأساسية وصانع نتائجها.
ومن ثم، فإن تحسين أوضاع المدرسين ينبغي أن يتجاوز الزيادات المالية والعلاوات، على أهميتها، ليشمل تطوير التكوين الأولي والمستمر، وتحسين المسارات المهنية، وتوفير ظروف العمل والسكن اللائق، وتعزيز المكانة الاجتماعية والمهنية للمدرس.
وفي المقابل، يتعين ترسيخ ثقافة المسؤولية والانضباط، وربط التحفيز بالكفاءة وجودة الأداء، لأن الإصلاح التربوي لا يكتمل إلا بمدرس مؤهل ومحفز، يشعر بقيمة رسالته ويؤديها بكفاءة واقتدار.
المناهج والكتاب المدرسي.. صناعة عقل لا حشو ذاكرة
إن تحديث المدرسة يظل رهيناً بمدى قدرتها على الانتقال من منطق التلقين والحفظ إلى تعليم ينمي التفكير والتحليل والإبداع.
فالكتاب المدرسي ليس مجرد وعاء للمعلومات، بل أداة لتشكيل الوعي وترسيخ الهوية وتنمية المهارات. ولذلك تبرز ضرورة مراجعة المناهج بصورة دورية، وتطوير أساليب التدريس والتقييم، وتعزيز تدريس العلوم والرياضيات واللغات، وإدماج التكنولوجيا والمهارات الرقمية.
كما ينبغي أن تعكس المقررات خصوصية موريتانيا الثقافية والحضارية، دون أن تنغلق عن المعارف الإنسانية والتحولات العلمية المتسارعة، وأن تربط التكوين المدرسي بمتطلبات التنمية وحاجات سوق العمل.
من مؤشرات الالتحاق إلى جودة المخرجات
لعل التحدي الأكبر الذي تواجهه المدرسة الجمهورية اليوم هو الانتقال من قياس النجاح بعدد المدارس والفصول والتلاميذ المسجلين إلى قياسه بما يكتسبه المتعلم فعلياً من معارف وكفاءات.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كم طفلاً التحق بالمدرسة؟ بل: ماذا تعلم؟ وهل أصبح قادراً على القراءة والفهم والتحليل؟ وهل يمتلك المهارات الأساسية في الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا؟ وهل تؤهله مكتسباته للاندماج في الجامعة وسوق العمل؟
إن جودة المخرجات هي المحك النهائي لأي إصلاح تربوي، وهو ما يستدعي معالجة التسرب المدرسي، وتحسين نتائج الامتحانات الوطنية، وتطوير التعليم الفني والمهني، وتوجيه التلاميذ نحو التخصصات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.
أولويات المرحلة المقبلة
إن ترسيخ المدرسة الجمهورية يتطلب الانتقال من مرحلة إطلاق الإصلاحات إلى مرحلة تعميقها وتقييم نتائجها، عبر جملة من الأولويات، أبرزها:
- توفير الإمكانات البشرية والمادية اللازمة لضمان مدرسة عمومية تجمع بين الإنصاف والجودة.
- الاستثمار في المدرس، من خلال التكوين المستمر وتحسين الظروف المهنية والاجتماعية.
- استكمال بناء المؤسسات التعليمية وتجهيزها، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية.
- تحديث المناهج والكتب المدرسية، وتنمية التفكير النقدي والابتكار.
- تسريع التحول الرقمي وتوفير الوسائل التقنية والموارد التعليمية الحديثة.
- تطوير التعليم الفني والمهني وربطه بحاجات الاقتصاد وفرص التشغيل.
- إرساء منظومة فعالة للرقابة والتقييم والمساءلة، تستند إلى مؤشرات دقيقة لقياس الأداء.
- توسيع الشراكة مع الأسر والمجتمع المدني والمنتخبين والقطاع الخاص.
إصلاح التعليم مسؤولية وطنية مشتركة
إن المدرسة الجمهورية ليست مسؤولية وزارة التهذيب وحدها، بل مشروع وطني تتقاطع فيه مسؤوليات الدولة والأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني.
فالدولة مطالبة بالتخطيط والتمويل والمتابعة، والأسرة مسؤولة عن مواكبة الأبناء وترسيخ ثقافة التعلم والانضباط، والمدرسة مطالبة بأداء رسالتها التربوية، فيما يظل الإعلام والمجتمع المدني شريكين أساسيين في مواكبة الإصلاح والتنبيه إلى الاختلالات.
كما أن استمرارية السياسات التعليمية تمثل شرطاً جوهرياً للنجاح؛ إذ لا يجوز أن تظل الإصلاحات رهينة تغير الوزراء والمسؤولين، بل ينبغي أن تتحول إلى خيار وطني ثابت تتوارثه الحكومات والأجيال.
المدرسة الجمهورية.. رهان أمة لا مشروع حكومة
إن قراءة واقع المنظومة التربوية في ظل المدرسة الجمهورية تكشف أننا أمام مشروع وطني كبير، يحمل آفاقاً واعدة، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية مستمرة، ونفس إصلاحي طويل، وتقييم موضوعي لا يحجب المكتسبات ولا يتجاهل الاختلالات.
لقد آن الأوان للانتقال من الاحتفاء بالإعلانات إلى الاحتكام للنتائج، ومن التركيز على توسعة البنية المدرسية إلى الاهتمام بجودة التعلم، ومن النظر إلى التعليم باعتباره قطاعاً خدمياً إلى التعامل معه بوصفه استثماراً استراتيجياً في الإنسان.
فالمدرسة الجمهورية لن تبلغ غاياتها بمجرد جمع أبناء الموريتانيين تحت سقف واحد، وإنما حين تتكافأ بينهم جودة التعليم وفرص النجاح، وحين يصبح التفوق ثمرة للكفاءة والاجتهاد، لا امتيازاً تصنعه الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
إن مستقبل موريتانيا لن تصنعه الثروات الطبيعية وحدها، ولا المشاريع العمرانية والاتفاقيات الاقتصادية، وإنما يصنعه قبل كل شيء إنسان متعلم، يمتلك أدوات المعرفة والإنتاج والإبداع.
تلك هي المدرسة الجمهورية التي نريد: مدرسة تبني الإنسان، وتصون الوحدة الوطنية، وتؤسس لعدالة الفرص، وتفتح أمام موريتانيا طريق المستقبل.









