فضاء الرأي

الرق في الذاكرة الموريتانية: من استظهار الماضي إلى استكمال المواطنة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

ليس التاريخ سجلًا للأمجاد وحدها، ولا يجوز أن نفتح دفاتره لنستحضر البطولات، ثم نغلقها حين نصل إلى الصفحات المؤلمة. فالأمم لا تنضج بإنكار أخطائها، وإنما بامتلاك الشجاعة لمواجهتها، واستخلاص الدروس منها.

والرق في موريتانيا ليس مجرد واقعة من الماضي؛ إنه ظاهرة اجتماعية نشأت في ظروف تاريخية واقتصادية معينة، ثم تحولت، بفعل الأعراف والمصالح والتفاوت في القوة، إلى علاقات استغلال امتدت آثارها إلى ما بعد زوال كثير من أشكالها القديمة. وقد تفسر البيئة الصحراوية القاسية بعض أنماط العيش والعمل، لكنها لا تبرر تحويل الإنسان إلى ملكية، ولا تسوغ حرمانه من حريته وكرامته.

لقد عُرفت مجتمعات الصحراء بقيم الكرم والنجدة والتكافل، لكنها، كغيرها من المجتمعات، لم تكن بمنأى عن التناقض بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية. فقد تجتمع المروءة مع القسوة، ويصبح الموروث مقبولًا لمجرد أنه مألوف، حتى إن ناقض مقتضيات العدل والرحمة التي يدعو إليها الإسلام. فالاختبار الحقيقي للأخلاق ليس في معاملة الأقوياء والأنداد، بل في معاملة الضعفاء الذين لا يملكون الدفاع عن أنفسهم.

ومن هنا تأتي أهمية استظهار تاريخ الرق، لا لتصفية الحسابات مع الموتى، ولا لإدانة جماعات بأكملها، وإنما لفهم كيف نشأت الظاهرة، وكيف استمرت، وما الذي بقي من آثارها في واقعنا. فالمشكلة التي نرفض الاعتراف بها لا تختفي، بل قد تتحول إلى جرح مفتوح تتوارثه الأجيال.

صحيح أننا، أبناء اليوم، لا نتحمل ذنب أفعال لم نرتكبها، كما لا يجوز تحميل البيظان جميعًا مسؤولية ممارسات تاريخية ارتكبها أفراد في عصور مختلفة. لكن براءة الأحياء من ذنب الماضي لا تعفيهم من مسؤولية إصلاح آثاره. ولسنا مطالبين بتوريث الذنب، وإنما بقطع الطريق على توريث الظلم. وذلك ضرب من التكفير الأخلاقي عن خطايا الموتى، لا بإدانة أبنائهم، بل بإقامة العدل الذي افتقده ضحاياهم.

إن آثار الرق لا تقف عند حدود الذاكرة؛ فقد تستمر في صور من التهميش، وضعف تكافؤ الفرص، والوصم الاجتماعي، والتبعية الاقتصادية. وتزداد خطورتها حين تستثمر بعض دوائر النفوذ هذه الاختلالات، أو توظف الحساسيات التاريخية لإبقاء المجتمع منقسمًا، بما يسمح باستمرار المحاباة واحتكار مواقع القرار وتسخير الفئات الأضعف.

وهنا تصبح القضية أكبر من خلاف بين البيظان ولحراطين؛ إنها قضية دولة ومواطنة. فحين تُمنح الفرص على أساس الولاء والعصبية بدل الكفاءة والاستحقاق، وحين تتحول الوظائف العامة إلى مجال لتوزيع الامتيازات، يخسر الوطن بأسره، وتصبح الانقسامات الاجتماعية وقودًا لمصالح لا تعنيها وحدة الشعب بقدر ما يعنيها استمرار نفوذها.

فما السبيل إلى الخروج من هذه الدائرة؟*

أولًا، كتابة تاريخنا الاجتماعي بإنصاف، وإدراج الرق وآثاره في التعليم والبحث، من دون تزييف أو تعميم أو انتقائية.

ثانيًا، تطبيق القانون بصرامة على ممارسات الرق والاستغلال والتمييز، وضمان وصول المتضررين إلى العدالة، مع معالجة آثار الحرمان بالتعليم والتكوين وفرص العمل.

ثالثًا، ترسيخ مبدأ الكفاءة والاستحقاق في التعيينات وتسيير المال العام، ومكافحة المحاباة التي تعيد إنتاج التفاوت وتغذي الشعور بالإقصاء.

رابعًا، فتح حوار وطني مسؤول حول الذاكرة والإنصاف وجبر الضرر، بمشاركة المعنيين والخبراء، بعيدًا عن الانتقام الجماعي أو المطالبة بالصمت باسم الوحدة الوطنية.

إن الوحدة لا تُصان بإنكار المظالم، كما لا تُبنى بإحياء الأحقاد. وإنما تقوم على الاعتراف بالحقيقة، والإنصاف في معالجة آثارها، ورفض تحويل الانتماء الاجتماعي إلى امتياز أو تهمة.

لسنا مسؤولين عن كل ما فعله أسلافنا، لكننا مسؤولون عما نفعله بإرثهم. وإذا كان من حقنا أن نفتخر بأمجاد الماضي، فمن واجبنا أيضًا أن نواجه مآسيه؛ لأن التاريخ الذي لا يتذكر ضحاياه لا يستطيع أن يؤسس لمستقبل عادل.

إن التكفير عن خطايا الماضي لا يكون بتوريث الذنب، بل بقطع الطريق على وراثة الظلم.

حمادي أباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى