فضاء الرأي

تعميم وزير الثقافة بشأن اعتماد العربية.. خطوة دستورية تعزز هيبة الدولة وتبرز جدية الوزي

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

بقلم: تماد إسلم أيديه

لم يكن التعميم الذي أصدره وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، محمد ولد ببانه، يوم 20 أكتوبر 2026، بشأن إلزام مسؤولي قطاعه باستخدام اللغة العربية في المراسلات والمذكرات والتقارير والوثائق الموجهة إلى ديوانه، مجرد إجراء إداري عابر، بل يمثل خطوة مهمة نحو تفعيل الدستور الموريتاني، وترسيخ سلطة القانون، وتعزيز حضور اللغة الرسمية في مؤسسات الدولة وممارساتها اليومية.

وتكمن أهمية القرار في نقله مبدأ دستوريًا من حيز النصوص إلى مجال التطبيق، والتأكيد على أن احترام الدستور لا ينبغي أن يظل التزامًا نظريًا، بل يجب أن ينعكس في القرارات والإجراءات المنظمة لعمل مؤسسات الجمهورية.

أولًا: تطبيق الدستور مسؤولية لا خيار

تنص المادة السادسة من الدستور الموريتاني على أن اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية، وأن اللغة الرسمية هي العربية. ويحدد هذا النص المكانة الرسمية للغة العربية، بما يجعل تعزيز استخدامها في المراسلات والوثائق الإدارية ترجمة عملية لمقتضى دستوري واضح.

ومن هنا، يبرز تساؤل جوهري: ما قيمة النصوص الدستورية إذا لم تجد طريقها إلى الممارسة اليومية داخل المؤسسات المعنية بتطبيقها واحترامها؟

إن الدولة التي تحترم دستورها هي التي تحرص على تحويل أحكامه إلى إجراءات عملية، كلٌّ في حدود اختصاصه، بدل الاكتفاء بالاحتفاء بها في المناسبات الرسمية. ولذلك، يستحق تعميم الوزير التثمين باعتباره مبادرة إدارية تعزز حضور اللغة الرسمية في القطاع الذي يشرف عليه، وتدفع نحو مزيد من الانسجام بين المرجعية الدستورية والممارسة الحكومية.

ثانيًا: هيبة الدولة تبدأ من احترام قراراتها

لا تُبنى هيبة الدولة بالشعارات وحدها، بل تقوم على احترام القانون، ووضوح القرارات، والجدية في تنفيذها، والتزام المؤسسات بالقواعد المنظمة لعملها.

وفي هذا السياق، يحمل تعميم وزير الثقافة رسالة مؤسسية واضحة، مفادها أن القرارات الإدارية ينبغي أن تكون قابلة للتنفيذ، وأن المقتضيات الدستورية لا يجوز أن تظل معطلة بفعل الاعتياد على ممارسات إدارية سابقة.

فحين تصدر السلطة المختصة توجيهات واضحة في مجال يدخل ضمن صلاحياتها، وتحرص على تنفيذها ومتابعتها، فإنها تعزز الانضباط الإداري، وتؤكد أن العمل داخل مؤسسات الدولة تحكمه مرجعيات قانونية ومؤسسية، لا مجرد التقاليد المتوارثة أو الاختيارات الفردية.

ولا تعني هيبة الدولة التشدد لذاته، وإنما تعني الجمع بين مشروعية القرار ووضوحه والالتزام بتطبيقه. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذا التعميم لن تتحدد بمجرد صدوره، بل بمدى الالتزام بمضمونه واستمراره وتحوله إلى ممارسة مؤسسية مستقرة.

ثالثًا: جدية الوزير ووطنيته في أداء المسؤولية

يستحق الوزير محمد ولد ببانه الإشادة بهذه الخطوة، لما تعكسه من توجه عملي نحو الاضطلاع بالمسؤوليات الموكلة إليه، وتفعيل مقتضى دستوري يرتبط مباشرة بعمل قطاعه.

فأداء الوزير لا يُقاس بالتصريحات أو الحضور في المناسبات فحسب، بل كذلك بقدرته على اتخاذ قرارات واضحة، وتنظيم العمل داخل القطاع الذي يشرف عليه، وتحويل الأهداف العامة إلى إجراءات ملموسة.

وتكتسب المبادرة أهمية إضافية لصدورها في اليوم الثاني لتولي الوزير مهامه، بما يعكس توجهًا نحو إرساء قواعد عمل واضحة منذ البداية، بدل تأجيل الملفات أو ترك الممارسات القائمة تستمر دون مراجعة.

إن الوطنية في تحمل المسؤولية ليست مجرد شعارات، بل ممارسة تتجلى في احترام الدستور، وخدمة المصلحة العامة، والعمل على تطوير أداء المؤسسات. ومن هذه الزاوية، يمثل التعميم خطوة إيجابية تستحق التنويه، وتعكس جدية في التعامل مع مقتضيات الوظيفة الوزارية.

ولا يعني ذلك إصدار حكم مسبق على مجمل أداء الوزير، وإنما تثمين إجراء محدد يحمل قيمة دستورية وإدارية واضحة، مع انتظار ما سيصاحبه من تنفيذ ومتابعة.

رابعًا: العربية الرسمية لا تتعارض مع التعدد اللغوي

قد يصور البعض اعتماد العربية في المراسلات الرسمية على أنه موقف من اللغات الوطنية الأخرى، غير أن هذا التصور يخلط بين تحديد اللغة الرسمية للدولة واحترام التعدد اللغوي الذي يشكل جزءًا من الهوية الموريتانية.

فالدستور يعترف باللغات الوطنية الأربع، ويمنح العربية صفة اللغة الرسمية. واحترام هذا التمييز لا يعني الانتقاص من البولارية أو السوننكية أو الولفية، ولا التقليل من قيمتها الثقافية والاجتماعية.

وعليه، ينبغي أن يكون تعزيز العربية في الإدارة فرصة لترسيخ احترام الدستور، بالتوازي مع دعم اللغات الوطنية الأخرى وتطوير حضورها في المجالات المناسبة، بعيدًا عن أي توظيف من شأنه إثارة التنازع بين مكونات المجتمع.

كما أن الصعوبات التي قد تواجه بعض الموظفين في التحرير بالعربية لا تستدعي تعطيل القرار، بل تقتضي توفير التدريب والمساعدة التحريرية والنماذج الإدارية اللازمة. فالتكوين والمواكبة يسهمان في تحسين التنفيذ، ويحولان دون أن تصبح الفوارق التعليمية عائقًا أمام الأداء المهني.

وبذلك، يمكن الجمع بين الالتزام باللغة الرسمية، واحترام التنوع الوطني، والمحافظة على كفاءة الإدارة واستمرارية خدماتها.

خامسًا: من وزارة الثقافة إلى ترسيخ الممارسة المؤسسية

لا تقتصر أهمية المبادرة على قطاع الثقافة، بل تفتح النقاش حول حضور اللغة الرسمية في الإدارة العمومية، ومدى قدرة المؤسسات على الانتقال من الاعتراف الدستوري إلى التطبيق الفعلي.

وإذا أثبتت التجربة نجاحها، فقد تشكل نموذجًا يمكن الاستفادة منه في قطاعات أخرى، وفق الأطر القانونية والتنظيمية المناسبة، مع مراعاة طبيعة كل قطاع ومتطلباته الفنية.

غير أن تعميم التجربة لا يتحقق بمجرد إصدار التعليمات، بل يتطلب متابعة جادة، وتوحيد المصطلحات والنماذج الإدارية، وتكوين الموظفين، وتقييم النتائج، ومعالجة الصعوبات التي قد تظهر أثناء التنفيذ.

كما تتيح أدوات الترجمة والذكاء الاصطناعي فرصًا إضافية لتسهيل الانتقال إلى استخدام العربية، شريطة إخضاع الوثائق للمراجعة البشرية، واحترام سرية المعلومات، وضمان دقة المصطلحات والمضامين.

والأهم أن تتحول المبادرة إلى ممارسة مؤسسية مستدامة لا ترتبط بشخص الوزير أو مدة توليه المنصب، بل تصبح جزءًا من ثقافة العمل الإداري واحترام المرجعية الدستورية.

الخلاصة: الدستور يُحترم بالتطبيق لا بمجرد الإعلان

يمثل تعميم وزير الثقافة محمد ولد ببانه بشأن استخدام اللغة العربية في المراسلات الإدارية خطوة تستحق التثمين، لما تحمله من دلالات دستورية ومؤسسية، وما تعكسه من جدية في مباشرة المسؤولية الوزارية.

فالعربية، باعتبارها اللغة الرسمية للدولة الموريتانية، تستحق حضورًا فعليًا في مؤسساتها، ولا يكفي أن تظل رسميتها ثابتة في النصوص، بينما تتفاوت الممارسات الإدارية في الالتزام بها.

ومن حق الدولة تنظيم عمل مؤسساتها وفق دستورها، ومن واجب المسؤولين تنفيذ مقتضياته في حدود صلاحياتهم، مع احترام الحقوق والضمانات القانونية، وصيانة التعدد اللغوي، وضمان فعالية المرفق العام.

إن قوة هذا القرار لا تكمن في تنظيم لغة المراسلات فحسب، بل في تأكيد أن احترام الدستور يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية، وأن هيبة الدولة تتعزز حين تقترن قراراتها بالجدية والتنفيذ، وأن الوطنية الحقيقية تظهر في تحمل المسؤولية والعمل على خدمة الوطن ومؤسساته.

وبهذا المعنى، فإن مبادرة الوزير تتجاوز حدود التعميم الإداري لتبعث برسالة واضحة: إن احترام الدستور يبدأ من التطبيق، وإن قوة المؤسسات تُقاس بمدى التزامها بالقانون، وإن خدمة الوطن تقتضي تحويل المبادئ الدستورية إلى ممارسات ملموسة ومستدامة.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى