ولد احويرثي وحنن ولد سيدي.. أي الرجلين يملك رصيدًا سياسيًا أكبر بعد مغادرة الحكومة؟

لم يكن خروج وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين، المعروف بولد احويرثي، ووزير الدفاع حنن ولد سيدي من الحكومة الموريتانية مجرد تغيير في شاغلي حقيبتين سياديتين؛ فقد فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل رجلين أمضيا سنوات في مواقع متقدمة من منظومة الحكم، وإن اختلفت طبيعة النفوذ الذي راكمه كل منهما.
فالأول ينتمي إلى مدرسة الإدارة المدنية، وراكم خبرة طويلة في الإدارة الإقليمية والعمل الدبلوماسي والقرب من المؤسسة الرئاسية. أما الثاني، فهو جنرال أمضى مسيرته داخل المؤسسة العسكرية، وتدرج في قيادات الجيش والأجهزة الأمنية، قبل أن يتولى وزارة الدفاع منذ أغسطس 2019.
وبين المسارين، تبرز أسئلة تتجاوز تقييم التجربة الحكومية: من يمتلك رصيدًا اجتماعيًا وسياسيًا أوسع؟ ومن يستطيع بناء حضور خارج مؤسسات الدولة؟ وهل تعني مغادرتهما الحكومة نهاية دورهما، أم أنها تفتح أمامهما مسارات جديدة؟
أولًا: المسار المهني.. إدارة الدولة في مقابل قيادة المؤسسة العسكرية
محمد أحمد ولد محمد الأمين.. نفوذ الإدارة والاتصال بمراكز القرار
يستند ولد محمد الأمين إلى مسار مهني يمتد لعقود داخل الإدارة الموريتانية. فقد شغل مناصب قيادية في الإدارة الإقليمية بين عامي 1986 و2003، ثم عمل مستشارًا فنيًا لوزير الداخلية، قبل أن يتولى الوزارة نفسها بين عامي 2005 و2007.
كما عمل سفيرًا لموريتانيا في تركيا، ثم في مالي، قبل أن يعينه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مديرًا لديوانه في أغسطس 2019، وهو الموقع الذي شغله حتى عودته إلى وزارة الداخلية عام 2022.
وتكشف هذه المحطات عن شخصية راكمت خبرة في الإدارة الترابية، والتعامل مع الفاعلين المحليين، والعمل الدبلوماسي، والاتصال المباشر بمركز القرار الرئاسي.
وتكمن إحدى نقاط قوته في معرفته بتفاصيل الإدارة الموريتانية وآليات اشتغالها، فضلًا عن اطلاعه على ملفات الدولة من موقع قريب من الرئاسة.
لكن هذا الرصيد الإداري، على أهميته، لا يتحول تلقائيًا إلى قاعدة انتخابية؛ فالقدرة على إدارة مؤسسات الدولة تختلف عن القدرة على تعبئة الناخبين أو قيادة مشروع سياسي مستقل.
حنن ولد سيدي.. خبرة عسكرية وأمنية ممتدة
أما حنن ولد سيدي، فقد التحق بالجيش الوطني عام 1978، وتدرج في الرتب العسكرية حتى أصبح فريقًا في يوليو 2016.
وتولى خلال مسيرته قيادة مناطق عسكرية ومراكز تدريب، كما شغل منصب المدير العام للأمن الخارجي والتوثيق، وعمل مفتشًا عامًا للقوات المسلحة وقوات الأمن، ثم قائدًا مساعدًا للأركان العامة للجيوش.
وفي يوليو 2018، تولى قيادة القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس، قبل تعيينه وزيرًا للدفاع في أغسطس 2019.
ويمنحه هذا المسار خبرة واسعة في الشؤون العسكرية والأمنية، ومعرفة بمؤسسات الدفاع، فضلًا عن تجربة في التنسيق الأمني الإقليمي.
غير أن طبيعة هذه الخبرة تختلف عن خبرة وزير الداخلية؛ فالمؤسسة العسكرية تعمل وفق قواعد تنظيمية وتسلسل قيادي، ولا يجوز افتراض أن العلاقات المهنية التي يكتسبها الضابط تتحول تلقائيًا إلى ولاءات سياسية شخصية تستمر بعد مغادرته المنصب.
الخلاصة المهنية: يتقدم ولد محمد الأمين في الخبرة المدنية والإدارة الإقليمية والاتصال السياسي والإداري، بينما يتقدم حنن ولد سيدي في الخبرة العسكرية والقيادة الأمنية. ولا تكفي هذه المعطيات وحدها للحكم بأن أحدهما أكثر نجاحًا أو نفوذًا على المستوى الوطني.
ثانيًا: العلاقات الاجتماعية والجهوية.. ما الذي نعرفه وما الذي لا نعرفه؟
تمثل الشبكات الاجتماعية والجهوية عاملًا مهمًا في الحياة السياسية الموريتانية، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة لا تخلط بين الانتماء الاجتماعي، والقبول المحلي، والقدرة على الحشد السياسي.
بالنسبة إلى ولد محمد الأمين، فإن مساره الطويل في الإدارة الإقليمية ووزارة الداخلية يتيح له، بحكم طبيعة المناصب التي شغلها، معرفة واسعة بالولاة والحكام والمنتخبين المحليين والأعيان والفاعلين السياسيين.
وقد تعززت هذه الشبكة خلال توليه الوزارة مجددًا، إذ تتصل حقيبة الداخلية بالإدارة الترابية والسلطات المحلية والعلاقة مع المنتخبين.
لكن معرفة هؤلاء الفاعلين أو التعامل معهم مؤسسيًا لا تعني بالضرورة أنهم يمثلون قاعدة ولاء سياسي له؛ فالعلاقات التي تنشأ أثناء تولي المسؤوليات قد تكون مهنية أو اجتماعية أو مرتبطة بمتطلبات العمل الرسمي.
أما حنن ولد سيدي، فقد راكم شبكة علاقات مهنية داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، فضلًا عن اتصالات اكتسبها من خلال قيادته العسكرية ومشاركته في التعاون الأمني الإقليمي.
وقد تمنحه خلفيته العسكرية مكانة لدى قطاعات من النخبة الإدارية والأمنية، لكن لا تتوفر معطيات منشورة كافية تسمح بقياس حجم امتداده الاجتماعي أو الشعبي خارج هذه الدوائر.
وهنا تظهر نقطة أساسية في المقارنة: يمتلك ولد محمد الأمين، بحكم طبيعة مساره، فرصًا أكبر لبناء شبكة علاقات مدنية ومحلية، فيما يرتبط رصيد حنن ولد سيدي المهني بصورة أوثق بالمؤسسة العسكرية والأمنية.
لكن تحديد أيهما أوسع حضورًا في ولايته الأصلية أو أكثر تأثيرًا في الأوساط القبلية والاجتماعية، يتطلب معلومات ميدانية موثوقة عن طبيعة علاقاتهما وحجم التأييد الفعلي الذي يتمتع به كل منهما.
ولا يصح تحويل مكان الميلاد أو الانتماء الاجتماعي إلى دليل على امتلاك قاعدة سياسية واسعة من دون شواهد مستقلة.
ثالثًا: الرصيد السياسي الوطني.. من الأقرب إلى التحول نحو العمل السياسي؟
على المستوى الوطني، يملك الرجلان رصيدًا مهمًا، لكنه ليس من النوع نفسه.
ولد محمد الأمين: رصيد سياسي محتمل
تمنح تجربة ولد محمد الأمين في وزارة الداخلية، ثم في ديوان الرئيس، ثم عودته إلى الوزارة، موقعًا متقدمًا في فهم آليات اتخاذ القرار وإدارة العلاقات بين السلطة المركزية والفاعلين المحليين.
كما أن توليه الداخلية في مرحلتين مختلفتين يوفر له خبرة سياسية وإدارية يصعب اختزالها في الجانب الأمني وحده.
وإذا قرر الانتقال إلى العمل الحزبي أو تولي مسؤولية سياسية جديدة، فقد تساعده هذه الخبرة على التواصل مع أطراف متعددة داخل النظام وخارجه.
ومع ذلك، فإن الرصيد الإداري ليس بديلًا عن الشرعية الانتخابية، كما أن القرب من الرئيس لا يكفي وحده لصناعة زعامة وطنية.
فبناء مشروع سياسي مستقل يحتاج إلى خطاب واضح، وقاعدة اجتماعية قابلة للقياس، وقدرة على استقطاب الناخبين، فضلًا عن موقع تنظيمي يسمح بتحويل العلاقات إلى فعل سياسي.
حنن ولد سيدي: رصيد مؤسسي وخبرة في إدارة الملفات السيادية
يستند رصيد حنن ولد سيدي أساسًا إلى مسيرته العسكرية والأمنية الطويلة، وإلى توليه وزارة الدفاع خلال معظم فترة حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ عام 2019.
وتمنحه هذه التجربة معرفة بملفات الدفاع والأمن والتعاون العسكري الإقليمي، فضلًا عن علاقاته المهنية التي تشكلت عبر سنوات من الخدمة.
لكن الانتقال من القيادة العسكرية إلى الزعامة السياسية يظل مسارًا مختلفًا؛ فالنجاح في إدارة مؤسسة عسكرية لا يثبت، في حد ذاته، القدرة على خوض منافسة انتخابية أو قيادة حزب أو بناء تحالف مدني واسع.
لذلك، فإن أي حديث عن مستقبله السياسي ينبغي أن يميز بين احتمال استمراره في أدوار مؤسسية أو استشارية، واحتمال دخوله المباشر إلى المنافسة السياسية.
رابعًا: هل يمثل خروجهما من الحكومة تراجعًا في النفوذ؟
لا يمكن اعتبار مغادرة الحكومة دليلًا قاطعًا على تراجع نفوذ الرجلين، كما لا يصح تفسيرها تلقائيًا باعتبارها تمهيدًا لمنحهما أدوارًا أكبر في المستقبل.
فالتعديل الوزاري قد يرتبط بإعادة توزيع المسؤوليات، أو تجديد الفريق الحكومي، أو إعادة ترتيب مراكز القرار، ولا يمكن تحديد دوافعه السياسية الدقيقة من مجرد أسماء المغادرين.
ومع ذلك، فإن خروج وزير الداخلية ووزير الدفاع في التعديل نفسه يجعل الحدث جديرًا بالقراءة ضمن سياق أوسع يتعلق بتوازنات السلطة وتجديد النخبة الحكومية.
بالنسبة إلى ولد محمد الأمين، سيكون المؤشر الأهم هو طبيعة موقعه بعد مغادرة الداخلية: هل سيبقى قريبًا من مركز القرار؟ وهل سيُسند إليه دور جديد؟ وهل سيظهر في نشاط حزبي أو سياسي منظم؟
أما بالنسبة إلى حنن ولد سيدي، فستتوقف قراءة المرحلة المقبلة على طبيعة وضعه بعد مغادرة الدفاع، ومدى استمراره في أدوار عامة أو انتقاله إلى موقع آخر داخل الدولة.
وفي الحالتين، ينبغي تجنب الاستنتاج بأن الإبعاد يعني العقاب السياسي، أو أن استمرار العلاقات مع الرئيس يعني التحضير لخلافته.
خامسًا: هل يمتلكان مستقبلًا سياسيًا في موريتانيا؟
الإجابة الأقرب إلى الموضوعية هي نعم، من حيث الإمكان، لكن ليس بالدرجة نفسها ولا بالضرورة عبر المسار ذاته.
ولد محمد الأمين يبدو، من حيث طبيعة خبرته، أكثر قابلية للانتقال إلى دور سياسي مدني مباشر. فهو إداري سابق ووزير داخلية وسفير ومدير ديوان رئاسي، وقد راكم خبرة في التعامل مع الفاعلين المحليين ومؤسسات الدولة. وإذا توفرت له قاعدة اجتماعية وتنظيمية حقيقية، فقد يستطيع استثمار هذه الخبرة في موقع حزبي أو سياسي مستقبلي.
أما حنن ولد سيدي، فيبدو أن مساره الطبيعي أقرب إلى الأدوار المرتبطة بالخبرة العسكرية والأمنية وإدارة الملفات السيادية، وإن كان دخوله إلى العمل السياسي المدني يظل ممكنًا من حيث المبدأ. غير أن إثبات قدرته على بناء قاعدة انتخابية أو قيادة مشروع سياسي يحتاج إلى مؤشرات لا توفرها سيرته العسكرية وحدها.
ولا يعني هذا أن ولد محمد الأمين أقرب حتمًا إلى الرئاسة، أو أن حنن ولد سيدي أقل قدرة على التأثير الوطني؛ فالمقارنة هنا تتعلق بنوع الخبرة والمسار، لا بحجم التأييد الشعبي أو فرص الوصول إلى منصب بعينه.
أما الحديث عن ترشيح أي منهما للانتخابات الرئاسية لعام 2029، فلا توجد في المعطيات المهنية المتاحة وحدها أدلة كافية لترجيحه. فالقرب من الرئيس، أو تولي منصب سيادي، أو مغادرة الحكومة، ليست مؤشرات حاسمة على وجود مشروع رئاسي.
سادسًا: ما المؤشرات التي ستحدد مستقبل الرجلين؟
يمكن تقييم فرصهما خلال المرحلة المقبلة من خلال خمسة مؤشرات رئيسية:
- الموقع الجديد: هل سيُسند إلى أي منهما منصب مؤسسي أو سياسي مهم، أم سيبتعدان عن واجهة المشهد؟
- الحضور الاجتماعي: هل ستتواصل الزيارات واللقاءات والأنشطة العامة بصورة طبيعية ومستدامة، أم ستتراجع بعد انتهاء موجة الاهتمام بخروجهما من الحكومة؟
- التنظيم السياسي: هل سيظهر أحدهما في نشاط حزبي منظم أو يبادر إلى بناء تحالف سياسي واضح؟
- الامتداد الجهوي والوطني: هل توجد شواهد فعلية على قدرة أي منهما على حشد التأييد خارج شبكة علاقاته المهنية والاجتماعية المباشرة؟
- طبيعة العلاقة بمركز القرار: هل سيبقيان ضمن الدائرة المقربة من السلطة، أم سيظهر لكل منهما مسار مستقل نسبيًا؟
وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من أنها تنقل النقاش من التكهنات إلى الوقائع القابلة للملاحظة والتحقق.
الخلاصة: رجلان برصيديْن مختلفين ومستقبل لم يُحسم بعد
تكشف المقارنة بين ولد محمد الأمين وحنن ولد سيدي عن نموذجين مختلفين داخل الدولة الموريتانية: الأول يستند إلى الخبرة الإدارية والاتصال بمراكز القرار وشبكات الإدارة المحلية، والثاني يستند إلى المسيرة العسكرية والأمنية والخبرة في الملفات السيادية.
ومن حيث الاستعداد المحتمل للعمل السياسي المدني، يبدو ولد محمد الأمين أقرب إلى هذا المسار بحكم طبيعة تجربته. أما حنن ولد سيدي، فيرتبط رصيده بصورة أكبر بالخبرة المؤسسية العسكرية والأمنية، مع بقاء احتمالات أخرى مفتوحة.
لكن الفارق الحاسم لن يكون في عدد السنوات التي أمضاها كل منهما في السلطة، ولا في أهمية المناصب التي شغلها، بل في قدرته على تحويل رصيده المهني والاجتماعي إلى حضور عام مستقل ومستدام.
ففي موريتانيا، قد تمنح الخبرة والقرب من السلطة صاحبهما نفوذًا مهمًا، لكنهما لا يضمنان وحدهما صناعة زعامة سياسية أو الوصول إلى الرئاسة.
وبناءً على المعطيات المتاحة، فإن الحكم الأكثر اتزانًا هو أن مستقبل الرجلين لم يُحسم بخروجهما من الحكومة؛ غير أن أي تقدير دقيق لفرصهما السياسية سيظل مشروطًا بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من مواقع جديدة، وتحركات علنية، ومؤشرات فعلية على حجم امتدادهما الاجتماعي والسياسي.
رئيس التحرير
محمد عبد الله محمدن






