فضاء الرأي

العرب السمر بين مظلمة التاريخ ومتاجرة النخب: حين تصبح المعاناة رأسمالًا سياسيًّا

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

ليست المأساة الكبرى أن يُظلم الإنسان فحسب، بل أن يطول به الظلم حتى يفقد ثقته في عدالة الدولة، ثم يجد من يحوّل آلامه إلى رأسمال سياسي، ويستثمر في جراحه بدل أن يعمل على تضميدها. عندئذٍ يصبح الظلم سوقًا للمصالح، تتكاثر فيها الشعارات بقدر ما تتعثر الحلول.

وهذا أحد المداخل الضرورية لفهم قضية الحراطين في موريتانيا؛ قضية لها جذور تاريخية واجتماعية لا يجوز إنكارها أو التهوين منها، كما لا يجوز تركها رهينةً لمن يدّعون احتكار تمثيلها.

لقد عانت فئات من الحراطين طويلًا من الاسترقاق والتهميش والحرمان من فرص التعليم والتمكين الاقتصادي والمشاركة المتكافئة. ولم تنتهِ آثار هذه المظالم بمجرد تغير القوانين، لأن التاريخ لا يُمحى بقرار إداري، وإنما يُواجه بإصلاح جاد يترجم الاعتراف إلى حقوق وفرص ملموسة.

لكن الاعتراف بالمظلومية شيء، وتسليم مصير المظلومين إلى نخب تدّعي تمثيلهم إلى الأبد شيء آخر. فالقضية العادلة لا تمنح أصحاب الشعارات حصانةً من المساءلة، ولا تجعل نقدهم عداءً لمن يدافعون عن حقوقهم.

حين تصبح المعاناة رأسمالًا سياسيًّا

حين يستشري الفساد، وتضعف مؤسسات الرقابة، وتُوزع الفرص وفق الولاءات بدل الكفاءة، يفقد المواطن ثقته في الدولة، ويصبح أكثر استعدادًا للتعلق بمن يعده بالخلاص.

وفي هذه البيئة، يستطيع بعض الفاعلين السياسيين تحويل المظلومية إلى مصدر دائم للنفوذ؛ إذ قد يصبح استمرار المشكلة أكثر نفعًا لهم من حلها، وتغدو آلام البسطاء وقودًا للتعبئة وتجديد الولاء.

وهذه ليست تهمة للعرب السمر ولا حكمًا على نخبهم جميعًا، بل نقد لظاهرة سياسية تتجاوز موريتانيا: أن تتعارض مصلحة المجتمع في الخلاص من المظلمة مع مصلحة بعض المتحدثين باسمه في استمرارها.

فالقيادة التي تحرر الناس توسع قدرتهم على الاستغناء عنها، أما التي تحتاج إلى استمرار جراحهم لتبقى، فإنها تعيد إنتاج التبعية تحت شعارات التحرر.

ومع ذلك، فإن ظلم هذه الشريحة لا ينفصل عن خلل أوسع في بنية الدولة والمجتمع؛ فقد عانت فئات أخرى من الفقر والتهميش وغياب تكافؤ الفرص. ولا ينبغي أن يتحول الاعتراف بمظلومية جماعة إلى إنكار لمظالم غيرها، كما لا يجوز اتخاذ شمول الظلم ذريعةً لطمس خصوصية المظالم التاريخية للحراطين.

فالعدالة ليست منافسة بين الضحايا، وإنما إنصاف لكل فئة بحسب مظلمتها، في إطار مواطنة لا تميز بين الناس في الحقوق والكرامة.

حين يُساء فهم الدين ويُقدَّس العرف

ومن المفارقات المؤلمة أن يتعايش الانتساب إلى الإسلام مع بعض الممارسات الاجتماعية التي تناقض مقاصده في العدل والرحمة وصون الكرامة. فقد استقرت في تاريخنا أعراف طبقية، واكتسبت بعض الامتيازات الموروثة حصانةً اجتماعية، وكأنها حق طبيعي لا تجوز مراجعته.

والإسلام، في جوهر رسالته الأخلاقية، يرفض الاستعلاء بالنسب والمكانة، ويجعل معيار الكرامة التقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وليس من الإنصاف اختزال تاريخ معقد في تفسير واحد، لكن من المشروع التساؤل عن الكيفية التي أمكن بها لبعض الأعراف والمصالح أن تتعايش مع قيم العدل، وأن تُستحضر الرخص والاستثناءات أحيانًا بما يرسخ التفاوت بدل أن يرفع الحيف.

فلا يجوز أن يتحول الدين إلى غطاء للامتياز، ولا أن تُستخدم النصوص لتبرير ما يناقض مقاصدها في حفظ الكرامة وإقامة العدل. إن تجديد الوعي الديني يبدأ باستعادة مركزية الإنصاف في فهمنا للدين وفي سلوكنا الاجتماعي.

دولة القانون هي الحل، لا تبادل الاتهامات

لا يمكن إنهاء المظالم التاريخية بخطاب عاطفي، ولا مواجهتها بإنكارها، ولا تركها تحت رحمة الزعامات. والحل يبدأ من دولة تجعل الحقوق مضمونة بالقانون، والوظائف قائمة على الكفاءة، والمال العام خاضعًا للمساءلة.

ولكي لا يبقى الإصلاح أمنيةً عامة، فإنه يحتاج إلى خطوات محددة قابلة للمتابعة:

  • في التعليم: نشر معايير شفافة لتوزيع المدرسين والموارد المدرسية، وإعطاء الأولوية للمناطق الأشد حرمانًا، مع نشر بيانات سنوية عن الالتحاق المدرسي والتسرب والنتائج.
  • في التوظيف: إعلان مسابقات الاكتتاب وشروطها ونتائجها، وإتاحة التظلم من القرارات، ونشر تقارير دورية عن التعيينات والترقيات في الوظائف العمومية.
  • في مكافحة الفساد: تفعيل الرقابة على الصفقات العمومية، ونشر نتائج التفتيش والإحالات إلى القضاء، وضمان التحقيق في البلاغات الجدية بعيدًا عن الانتقائية والتصفية السياسية.- في معالجة التهميش: تحديد المناطق والفئات الأكثر حرمانًا ببيانات ميدانية، وتوجيه برامج محددة إليها في التعليم والتكوين المهني والتشغيل، مع تقييم سنوي معلن لما تحقق.
  • في العمل السياسي والمدني: إخضاع التمويل والممارسات التنظيمية لمعايير الشفافية والمساءلة، حتى لا يصبح من يطالب الدولة بالديمقراطية معفيًا منها داخل تنظيمه.

هذه خطوات لا تتطلب اختراع دولة جديدة، بقدر ما تتطلب تطبيق القوانين القائمة حيث تكفي، وسد الثغرات حيث يلزم، وإرادةً سياسية تسمح بمحاسبة المقصرين مهما كانت مواقعهم.

خاتمة: تحرير الإنسان من الظلم ومن المتاجرة به

إن قضية الحراطين ليست عبئًا على موريتانيا، بل اختبار لعدالتها وقدرتها على الانتقال من مجتمع تتداخل فيه الامتيازات الموروثة مع فرص الحياة إلى دولة مواطنة يتساوى فيها الناس أمام القانون.

لكن هذا الانتقال لن يتحقق بسلطة تدير التوازنات دون إصلاح، ولا بمعارضة تكتفي بتغذية الغضب، ولا بنخب تستعيد المأساة في كل مناسبة دون أن تقدم طريقًا للخروج منها.

إن إنصاف الحراطين لا يكون بإنكار مظالمهم، ولا بتسليم مصيرهم إلى من يتاجرون بها، بل بإقامة دولة قانون تنهي أسبابها، وتفتح أمامهم وأمام سائر الموريتانيين المحرومين أبواب الكرامة والفرص والعدالة.

فحين تصبح الحقوق مضمونة، لن يحتاج المظلوم إلى وسيط يمنحه ما ينبغي أن تكفله الدولة، ولن يحتاج السياسي إلى إبقاء الجرح مفتوحًا كي يظل حاضرًا.

تلك هي المعركة الحقيقية: أن نحرر الإنسان من الظلم، ومن كل من يجعل استمرار الظلم شرطًا لاستمرار نفوذه.

حمادي أباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى