فضاء الرأي

لماذا يتصدر الطلاب ساحات الإحتجاج ويصبحون شرارة التغيير السياسي؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


يتقدم الطلاب، في مختلف أنحاء العالم، صفوف الحركات الاحتجاجية، مستفيدين من خصوصية البيئة التعليمية التي توفر لهم فرص التواصل والتنظيم والتعبئة، وتجعلهم من أكثر الفئات قدرة على تحويل المطالب الاجتماعية والسياسية إلى حراك جماعي مؤثر.
وتؤكد الاحتجاجات الطلابية الأخيرة في فرنسا، إلى جانب التحركات التضامنية مع غزة داخل الجامعات الأمريكية والأوروبية، أن المؤسسات التعليمية لم تعد مجرد فضاءات للتحصيل العلمي، بل تحولت إلى ساحات لتشكيل الوعي السياسي وإطلاق المبادرات الاحتجاجية ومساءلة السياسات الحكومية.
وتفسر دراسات اجتماعية هذه الظاهرة بكون المدارس والجامعات تجمع أعدادا كبيرة من الشباب في فضاء واحد، بما يسهل التواصل وتنسيق المواقف وبناء شبكات التعبئة. كما يسهم ما يعرف بـ«تأثير الأقران» في تشجيع الطلاب على المشاركة، إذ يصبح قرار الاحتجاج أكثر سهولة عندما يرى الفرد زملاءه ينخرطون فيه.
وتشير أبحاث إلى أن المشاركة في احتجاج واحد قد تعزز استعداد الطالب لخوض تحركات مماثلة مستقبلا، خصوصا عندما يجد دعما من محيطه الاجتماعي، فيما توفر الجامعات بيئة ملائمة للنقاش الحر والتفكير النقدي، وهو ما يوسع دائرة المطالب من تحسين التعليم وظروف الدراسة إلى الدفاع عن الحريات والديمقراطية ورفض الحروب.
ومن العوامل التي تفسر الحضور الطلابي القوي أيضا انخفاض الكلفة الاجتماعية والمهنية للاحتجاج مقارنة بفئات أخرى، إذ لا يرتبط الطلاب عادة بالتزامات وظيفية وأسرية مماثلة لما يتحمله الموظفون، وإن كانوا يواجهون بدورهم مخاطر تتعلق بمستقبلهم الدراسي.
كما أن شعور الشباب بالتهديدات التي تطال مستقبلهم، بفعل البطالة والفساد والتهميش وانسداد الفرص، يدفعهم إلى اعتبار الشارع وسيلة للتعبير عن مطالبهم والدفاع عن تطلعاتهم.
ويقدم التاريخ نماذج بارزة لهذا الدور، من بينها انتفاضة طلاب جامعة تاماسات في تايلند عام 1973، التي تجددت عام 1976، احتجاجا على الفساد وعودة الدكتاتور العسكري السابق ثانوم كيتيكاتشورن من المنفى. ورغم القمع الذي واجهته الحركة، فقد أسهمت في إحداث تحول سياسي ودفع البلاد نحو تشكيل حكومة مدنية.
ولا تقتصر دوافع الاحتجاج الطلابي على المصالح المباشرة، بل تمتد إلى اعتبارات أخلاقية وإنسانية ترتبط بالهوية الجماعية والشعور بالظلم. فالتضامن مع ضحايا الحروب أو مناهضة التمييز العنصري قد يحرك الطلاب حتى عندما لا يكونون معنيين مباشرة بتلك الانتهاكات، انطلاقا من قناعتهم بأن الظلم الواقع على الآخرين يتعارض مع قيمهم ومبادئهم.
ويخلص هذا التحليل إلى أن سر الحضور الطلابي المتقدم في ساحات الاحتجاج لا يكمن بالضرورة في كونهم الأكثر غضبا، وإنما في امتلاكهم بيئة اجتماعية وتنظيمية تساعدهم على تحويل الغضب إلى فعل جماعي منظم، تتلاقى فيه الأفكار والمخاوف والطموحات، قبل أن تتجاوز أصواتهم أسوار الجامعات وتصل إلى ميادين التأثير السياسي والاجتماعي.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى