باحث إسرائيلي: الفلسطينيون أفشلوا محاولات طمس هويتهم والتاريخ لا يمكن محوه

تنويه:المقال منقول عن شبكة الجزيرة بتصرف :
قال الباحث والأكاديمي البريطاني الإسرائيلي إيال وايزمان إن الفلسطينيين نجحوا في الحفاظ على هويتهم التاريخية رغم محاولات اقتلاعهم من أرضهم ومحو آثار وجودهم، مؤكدا أن قراءة المكان والعمارة تكشف جوانب أساسية من تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا تظهر بالضرورة في الروايات السياسية التقليدية.
وأوضح وايزمان، رئيس منظمة «الهندسة المعمارية الجنائية»، في مقابلة مع برنامج «المقابلة» على قناة الجزيرة، أن المباني والطرق والأنقاض والمساجد والمقابر ليست مجرد معالم عمرانية، بل تمثل شواهد يمكن من خلالها تتبع التحولات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، وفهم كيفية توظيف التخطيط العمراني في إعادة تشكيل الجغرافيا وموازين القوة.
وُلد وايزمان في مدينة حيفا عام 1970، ويتركز جانب من عمله البحثي على دراسة العلاقة بين العمارة والسلطة والنزاعات المسلحة، من خلال تحليل الأدلة البصرية والمكانية وإعادة بناء الأحداث التي تشهدها مناطق الصراع.
من حيفا بدأت رحلة اكتشاف التاريخ
استعاد وايزمان خلال المقابلة محطات من تجربته الشخصية والفكرية، موضحا أن نشأته في حيفا وعلاقته بالفلسطينيين في المدينة دفعتاه إلى التساؤل عن الكيفية التي أعيد بها تشكيل المكان، وعن آثار الطرق ومشروعات التطوير العمراني في الأحياء الفلسطينية.
وأشار إلى أن انتقاله نحو فهم مختلف للتاريخ الفلسطيني لم يحدث بصورة مفاجئة، بل جاء عبر ما وصفه بـ«تعلم كيفية الرؤية»، إذ بدأ يدرك أن المواقع والأطلال التي كان يشاهدها على الطريق بين حيفا ويافا ليست مجرد بقايا مبانٍ قديمة، وإنما آثار لقرى فلسطينية كانت قائمة قبل تهجير سكانها.
وبحسب وايزمان، فإن قراءة المكان تشبه تفكيك نص تاريخي متعدد الطبقات؛ فالمباني المتبقية، والنباتات، والأنقاض، والمساجد وغيرها من المعالم، يمكن أن تساعد الباحثين على استعادة أجزاء من تاريخ غابت تفاصيله عن الروايات التي تلقاها خلال طفولته.
وتناول الباحث الجدل داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن النكبة الفلسطينية، معتبرا أن المواقف تتراوح بين إنكار وجود الفلسطينيين في بعض الروايات، والإقرار بوجودهم مع تبرير مغادرتهم أو تصوير ما جرى باعتباره ضرورة لقيام إسرائيل.
وفي هذا السياق، رفض وايزمان اعتبار النكبة حدثا حتميا لا بد من وقوعه، مؤكدا أن ما حدث لم يكن، من وجهة نظره، أمرا ضروريا، وأن معالجة آثاره تظل مسألة أساسية في فهم الصراع وتاريخه.
العمارة والتخطيط العمراني في خدمة السيطرة
وفي كتابه «أرض جوفاء»، تناول وايزمان، بحسب عرضه، الكيفية التي تشكلت بها منظومة السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، موضحا أن الجغرافيا والتخطيط العمراني يمكن أن يؤديا دورا يتجاوز تنظيم المدن والبلدات إلى التأثير في حركة السكان وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار إلى أن المستوطنات المقامة على قمم التلال تتيح، وفق تحليله، مراقبة التجمعات الفلسطينية المحيطة بها، في حين تسهم الطرق والبنية التحتية في عزل بعض القرى والبلدات عن بعضها الآخر، بما ينعكس على حركة السكان واتصال المناطق الفلسطينية.
ويرى وايزمان أن التخطيط العمراني يمثل ساحة للصراع طويلة الأمد، إذ يمكن للطرق وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إلى جانب المدارس والمراكز المجتمعية والمباني السكنية، أن تتحول إلى عناصر مؤثرة في فرض السيطرة على الأرض.
وأضاف أن دور العمارة في مناطق النزاع لا يقتصر على تشييد المباني، بل قد يشمل إزالة آثار الوجود السابق وإعادة تشكيل المكان بما يتوافق مع منظومة سياسية جديدة.
واستشهد بما أورده بشأن إفراغ أكثر من 600 بلدة وقرية فلسطينية من سكانها بالقوة بعد عام 1948، معتبرا أن تدمير المساجد والمدارس والمقابر والمعالم الأخرى أسهم في طمس أجزاء من الذاكرة المكانية الفلسطينية.
القدس وسلوان.. صراع على الأرض والهوية
وتطرق وايزمان إلى التحولات التي شهدتها مدينة القدس بعد عام 1967، قائلا إن إعادة رسم حدود المدينة حملت، وفق قراءته، أبعادا سياسية وديمغرافية انعكست على أوضاع الفلسطينيين ومجالات توسع أحيائهم.
وأشار إلى أن القيود المفروضة على البناء في بعض المناطق الفلسطينية، إلى جانب السياسات العمرانية المعتمدة، تحد من إمكانات النمو السكاني والعمراني، وقد تدفع بعض السكان إلى مغادرة المدينة.
كما تناول الأوضاع في بلدة سلوان، حيث تتداخل الحفريات الأثرية والمشروعات الاستيطانية مع الحياة اليومية للسكان الفلسطينيين، لافتا إلى أن الحفريات الجارية أسفل بعض المنازل قد تؤثر في أساساتها، وفق ما عرضه خلال المقابلة.
وفي ما يتعلق بمستقبل الصراع، عبّر وايزمان عن موقف نقدي من حل الدولتين واتفاقات أوسلو، معتبرا أن شبكة المستوطنات والطرق والأنفاق والجسور ومنظومات السيطرة على الأرض والمياه تجعل الفصل الجغرافي بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر تعقيدا.
وبدلا من التقسيم، يدعو وايزمان، وفق رؤيته، إلى تفكيك منظومة السلطة التي تنتج الفصل والتمييز، ويرى أن عودة اللاجئين الفلسطينيين تمثل عنصرا أساسيا في تصوره لتحقيق نظام ديمقراطي.
«الهندسة المعمارية الجنائية» وتوثيق حرب غزة
وتناول الباحث دور منظمة «الهندسة المعمارية الجنائية» في توثيق الانتهاكات خلال الحروب، موضحا أن فريقه يعتمد على الصور الجوية وصور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو وشهادات الشهود، إلى جانب تحليل المباني والبيئة المحيطة بها، لإعادة بناء تسلسل الأحداث وفهم طبيعة الأضرار.
وقال إن فريقا يضم، بحسب ما ذكره، ما بين 10 و20 باحثا عمل على تحليل الأدلة المتعلقة بالحرب في غزة لصالح الفريق الجنوب أفريقي، مستعينا بمواد بصرية وشهادات من داخل القطاع.
وشملت أعمال التوثيق، وفق المقابلة، دراسة الأضرار التي لحقت بعدد من المنشآت الصحية، من بينها المستشفى الأهلي ومستشفى ناصر ومجمع الشفاء، بهدف إعادة بناء ما جرى وفهم تسلسل الأحداث وطبيعة الدمار.
وأوضح وايزمان أن هذا النوع من الأبحاث يمكن أن يسهم في توفير أدلة قابلة للاستخدام في المسارات القانونية الدولية، من خلال ربط الوقائع الميدانية بالتحليل المكاني والبصري.
تدمير الأراضي الزراعية وتفكيك مقومات الحياة
وربط وايزمان بين تدمير البيئة العمرانية في غزة واستهداف الموارد الطبيعية، ولا سيما الأراضي الزراعية ومصادر المياه، مشيرا إلى أن القطاع يمتلك أراضي زراعية خصبة في مناطقه الشرقية تعرضت أجزاء واسعة منها للتدمير خلال الحرب.
واعتبر أن تدمير الأراضي الزراعية والتحكم في وصول المساعدات يمثلان، بحسب تحليله، جانبين من الضغوط التي يتعرض لها السكان، لما لذلك من تأثير مباشر في قدرتهم على توفير الغذاء ومقومات الحياة الأساسية.
كما ربط ما يجري في غزة بالتاريخ الفلسطيني خلال النكبة، قائلا إن تهجير السكان من مناطق زراعية إلى مناطق أقل قدرة على توفير الموارد يمثل، في قراءته، جزءا من سياق تاريخي أوسع لفهم التحولات التي شهدتها الأرض الفلسطينية.
وفي معرض حديثه عن كتابه الأخير «عمارة الإبادة الجماعية»، قال وايزمان إن ما لفت انتباه فريقه في غزة لم يكن حجم الدمار الذي طال المباني فحسب، بل أيضا استهداف الأرض ذاتها.
وأوضح أن الجرافات أسهمت، وفق ما وثقه فريقه، في اقتلاع البساتين وتسوية أحياء ومناطق واسعة وتحويل مساحات من الأراضي إلى مناطق جرداء، واصفا هذه الممارسات بأنها شكل من «التصحير العسكري».
وايزمان: ما يجري في غزة يندرج ضمن الإبادة الجماعية
وعندما سُئل بصورة مباشرة عما إذا كان يعتبر ما يحدث في قطاع غزة إبادة جماعية، أجاب وايزمان بالإيجاب، مستندا إلى تحليل فريقه لما وصفه بتدمير مقومات الحياة الأساسية، بما يشمل الأراضي الزراعية والمياه والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والثقافية.
وقال إن تقييم هذه الوقائع يتطلب النظر إلى مجمل الأضرار التي تلحق بالمجتمع، وليس الاقتصار على عدد المباني المدمرة أو حجم الخسائر المادية، مشيرا إلى أن استهداف الظروف الضرورية لاستمرار الحياة يمثل، في تحليله، عنصرا أساسيا في دراسة ما يجري.
وأضاف أن إسرائيل تسعى، بحسب قراءته، إلى جعل الحياة في غزة بالغة الصعوبة، بما قد يدفع السكان إلى الرحيل، معتبرا أن المكان نفسه أصبح أداة للضغط على الفلسطينيين.
وتجدر الإشارة إلى أن وصف ما يجري بأنه إبادة جماعية هو الموقف الذي عبّر عنه وايزمان استنادا إلى تحليله وأعمال فريقه، فيما يظل التكييف القانوني للمسؤولية عن الجرائم محل بحث وإجراءات أمام الجهات القضائية الدولية المختصة.
صمود الفلسطينيين في مواجهة محاولات المحو
وفي ختام المقابلة، تحدث وايزمان عن صمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم ومدنهم وبيوتهم، معتبرا أن استمرار وجودهم في أماكنهم، رغم القصف والدمار، يمثل عاملا يحول دون محو هويتهم المكانية والتاريخية.
وأشار إلى أن بقاء مئات الآلاف في مدينة غزة، رغم الظروف القاسية، يعكس تمسكا بالحياة والمكان، ويرى أن هذا الصمود يحد من إمكانية تحويل المدينة إلى مساحة خالية من مظاهر الحياة.
وتكشف قراءة وايزمان للعمارة والجغرافيا أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من وجهة نظره، لا ينفصل عن الصراع على الذاكرة والهوية والموارد، وأن آثار التهجير والتدمير لا تتوقف عند حدود المباني المهدمة، بل تمتد إلى حياة السكان وعلاقتهم بأرضهم وتاريخهم.
وبين أطلال القرى الفلسطينية ومشاهد الدمار في غزة، يخلص الباحث إلى أن المكان يحمل ذاكرة يصعب محوها بالكامل، وأن بقاء الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم يظلان جزءا أساسيا من استمرار الرواية التاريخية الفلسطينية.








