الأخبار الوطنية

قراءة في إحدى الروايات التي تستحضر قيم النزاهة وتحمل المسؤولية في عهد الرئيس الراحل المختار ولد داداه

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

في تاريخ الدول، لا تُقاس قيمة المسؤولين بما امتلكوه من سلطات، ولا بما أتيح لهم من امتيازات، بل بما تركوه من مواقف تكشف حقيقة علاقتهم بالمال العام، ومدى احترامهم للحقوق، والتزامهم بأخلاقيات المسؤولية. وقد تكون بعض الحكايات، على بساطة تفاصيلها، أبلغ تعبيرا عن النزاهة من صفحات طويلة من الخطب والشعارات.

ومن بين الروايات التي تستحضر هذا المعنى، حكاية نقلها سالم ولد ببوط، الذي تولى حكم مقاطعة بتلميت خلال الفترة الممتدة من 1967 إلى 1977، عن الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داداه، رحمه الله، وتتمحور حول مبلغ اثني عشر ألف أوقية، لم تكن قيمته المادية هي الأهم، بقدر ما حمله من دلالات أخلاقية وإنسانية.

زيارة شخصية تكشف عن موقف استثنائي

بحسب الرواية، تلقى سالم ولد ببوط اتصالا من الرئاسة أُبلغ خلاله بأن الرئيس المختار ولد داداه يعتزم زيارة مدينة بتلميت زيارة شخصية، فاستقبله عند مدخل المدينة، قبل أن يخبره الرئيس، خلال الطريق، بأن الغرض من الزيارة هو الاطمئنان على والدته، خديجة بنت محمود ولد إبراهيم، والسلام عليها.

وعندما وصلا إلى كوخها الواقع على التل الغربي للمدينة، لاحظ الرئيس ما لحق بالمكان من أضرار، فطلب من حاكم المقاطعة إقراضه مبلغ اثني عشر ألف أوقية لإصلاحه، موضحا أن أمامة بنت بابي ستأتي في اليوم التالي لتسديد المبلغ.

وافق سالم ولد ببوط على الطلب، وفي اليوم الموالي حضرت أمامة وتسلمت منه المبلغ، لتنتهي بذلك تفاصيل المساعدة التي قدمها الحاكم للرئيس في إطار تلك الزيارة.

غير أن القصة لم تنته عند هذا الحد.

ظرف مغلق ورسالة تختصر المعنى

بعد مرور أشهر، زار سالم ولد ببوط العاصمة نواكشوط، وهناك علم أن الشرطي محمد عبد الله ولد ابريهم، الذي كان يرافق الرئيس، يبحث عنه لأمر مهم.

وعندما التقيا، سلّمه الشرطي ظرفا يحتوي على اثني عشر ألف أوقية، مرفقا بورقة كتب عليها الرئيس المختار ولد داداه العبارة الفرنسية:

Les bons comptes font les bons amis.

ومعناها: «الحسابات الواضحة تحفظ الود بين الأصدقاء»، أو أن تسوية الحقوق المالية وصونها من أسباب استمرار العلاقات الطيبة.

وبذلك، أعاد الرئيس المبلغ الذي اقترضه، مؤكدا، من خلال هذه الخطوة، أن الالتزامات المالية لا تسقط بالتقادم، ولا تتغير طبيعتها بتغير مكانة أصحابها أو مواقعهم في السلطة.

حين تكون الأمانة أعلى من المنصب

تتجاوز الدلالة الأخلاقية لهذه الرواية قيمة المبلغ الذي تدور حوله، لتطرح سؤالا جوهريا عن معنى المسؤولية العامة: هل يمنح المنصب صاحبه امتيازات تعفيه من الالتزامات، أم يفرض عليه التزامات إضافية تجعله أكثر حرصا على احترام الحقوق؟

ففي جوهر الحكاية، يظهر الفرق بين السلطة بوصفها امتيازا شخصيا، والسلطة باعتبارها مسؤولية تحكمها قواعد النزاهة والانضباط.

ولا تكمن أهمية رد المبلغ في حجمه، وإنما في الحرص على الوفاء بالدين، وعدم تركه معلقا، رغم مرور أشهر، ورغم أن صاحبه كان رئيسا للدولة.

إنها صورة تستحق التأمل؛ لأنها تذكّر بأن احترام الحقوق لا ينبغي أن يكون خاضعا للمكانة الاجتماعية أو السياسية، وأن المسؤولية الحقيقية تبدأ حين يلتزم صاحب السلطة تجاه الآخرين بما يلتزم به أي مواطن.

درس في النزاهة يتجاوز حدود الزمن

ومع أن هذه الحكاية تظل رواية منقولة عن سالم ولد ببوط، فإن ما تحمله من معانٍ يضعها في سياق أوسع يتعلق بأخلاقيات الحكم، ونظافة اليد، والفصل بين الاعتبار الشخصي والمال العام.

فالدول لا تحتاج إلى القوانين والمؤسسات وحدها لضمان النزاهة، بل تحتاج أيضا إلى ثقافة أخلاقية تجعل احترام الحقوق سلوكا أصيلا، وتمنع تحول النفوذ إلى وسيلة للإفلات من الالتزامات.

ومن هنا، فإن استحضار هذه الرواية ليس مجرد استعادة لواقعة من الماضي، بل مناسبة للتذكير بأن قيمة المسؤول تُقاس كذلك بمدى التزامه تجاه الناس، وحرصه على صيانة حقوقهم، مهما بدت صغيرة في نظر الآخرين.

لقد رحل المختار ولد داداه، كما رحل سالم ولد ببوط، وبقيت الحكاية، بما تحمله من دلالات، شاهدا روائيا على مرحلة من تاريخ موريتانيا، تستحق أن تُروى وتُناقش وتُقرأ بعين تنصف التاريخ، وتستخلص من أحداثه العبر.

فالأمانة لا تكبر بحجم المال، بل بقيمة المبدأ الذي يحرسها؛ والمنصب لا يرفع صاحبه بقدر ما يرفعه احترامه للحقوق.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى