الأخصائي، محمد عالي عز العرب: أمراض الأدوية البيولوجية تفتح آفاقا جديدة لعلاج أمراض القولون المناعية

تفتح التطورات المتسارعة في مجال الأدوية البيولوجية والعلاجات المناعية الموجهة آفاقا جديدة أمام المصابين بأمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة، وفي مقدمتها داء كرون والتهاب القولون التقرحي، بعدما أسهمت هذه العلاجات في تحسين السيطرة على الالتهاب، وتعزيز فرص تعافي بطانة الأمعاء، والحد من المضاعفات التي قد تستدعي تدخلا جراحيا.
وفي مقال نشرته شبكة الجزيرة، اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026، تناول أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي المصري محمد علي عز العرب التحولات التي شهدها التعامل الطبي مع هذه الأمراض، مستعرضا أحدث الخيارات العلاجية، والتحديات التشخيصية والاقتصادية التي تواجه المرضى، خصوصا في العالم العربي.
أمراض مناعية تختلف عن القولون العصبي
وأوضح المقال أن أمراض الأمعاء الالتهابية تنشأ نتيجة اضطراب في الاستجابة المناعية يؤدي إلى التهاب مزمن في الجهاز الهضمي، مشيرا إلى أن أبرز أشكالها داء كرون والتهاب القولون التقرحي، وهما مرضان يختلفان عن متلازمة القولون العصبي التي تعد اضطرابا وظيفيا ولا تتسبب في الالتهاب والتقرحات المعوية بالطريقة نفسها.
وتظهر هذه الأمراض بأعراض متفاوتة، تشمل الإسهال المتكرر، وآلام البطن، وفقدان الوزن، والإرهاق، وقد يصاحبها نزيف شرجي وارتفاع في درجة الحرارة خلال فترات نشاط الالتهاب.
وأشار الكاتب إلى أن التغيرات الغذائية والبيئية، إلى جانب عوامل أخرى تتداخل في نشأة المرض، تستدعي اهتماما أكبر في المجتمعات العربية، مع ضرورة عدم اختزال أسباب الإصابة في الضغوط النفسية أو استهلاك الأطعمة المصنعة وحدهما.
التشخيص المبكر مفتاح الحد من المضاعفات
وشدد المقال على أهمية التشخيص الدقيق للتمييز بين الأمراض الالتهابية العضوية والاضطرابات الوظيفية، مؤكدا أن تحديد طبيعة المرض ودرجة نشاطه يتطلب تقييما طبيا متخصصا، يجمع بين الأعراض السريرية والفحوص المخبرية والتنظير والتصوير عند الحاجة.
ويبرز تحليل الكالبروتكتين في البراز ضمن الفحوص المستخدمة للكشف عن الالتهاب المعوي، إلى جانب مؤشرات الالتهاب في الدم، وتقييم فقر الدم ونقص الحديد والحالة التغذوية.
كما يمثل تنظير القولون وأخذ الخزعات النسيجية من الأدوات الأساسية لتأكيد التشخيص وتحديد مدى انتشار الالتهاب، فيما يساعد التصوير بالرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي للأمعاء على تقييم الأجزاء التي يصعب الوصول إليها بالمنظار، والكشف عن التضيقات والنواسير والتجمعات الصديدية.
وتتيح تقنيات التصوير بالموجات فوق الصوتية المتخصصة وكبسولات التنظير، في حالات مختارة، توسيع نطاق التقييم ومتابعة تطور المرض، بما يدعم اتخاذ القرارات العلاجية المناسبة.
وحذر المقال من تجاهل العلامات الخطرة، مثل النزيف الشديد، والألم البطني الحاد المصحوب بانتفاخ واضح، والحمى المستمرة، والقيء المتكرر، وعلامات الجفاف أو فقدان الوعي، مؤكدا ضرورة التوجه العاجل إلى المستشفى عند ظهورها.
الأدوية البيولوجية.. تحول في مسار العلاج
ووفق المقال، تمثل الأدوية البيولوجية أحد أبرز التطورات في علاج أمراض الأمعاء الالتهابية، إذ تستهدف مكونات محددة من الاستجابة المناعية المسؤولة عن استمرار الالتهاب، بدلا من الاكتفاء بتخفيف الأعراض.
وتشمل هذه العلاجات مثبطات عامل النخر الورمي ألفا، مثل إنفليكسيماب وأداليموماب، ومثبطات الإنتجرين، مثل فيدوليزوماب، إلى جانب أدوية تستهدف مسارات الإنترلوكين، ومنها أوستيكينوماب.
وتسهم هذه الأدوية، لدى المرضى الذين تناسبهم، في تحقيق هدأة المرض وتقليل نشاط الالتهاب، وقد تساعد على التئام الغشاء المخاطي للأمعاء وخفض احتمالات اللجوء إلى الجراحة، مع اختلاف الاستجابة من مريض إلى آخر.
كما شهدت السنوات الأخيرة توسعا في استخدام العلاجات الفموية المستهدفة، ومنها مثبطات إنزيمات «JAK»، مثل توفاسيتينيب وأوباداسيتينيب، ومعدلات مستقبلات «S1P»، مثل أوزانيمود، وفق نوع المرض وخصائص المريض والتوصيات الطبية المعتمدة.
وأكد المقال أن اختيار العلاج لا يعتمد على حداثته وحدها، بل يتطلب تقييما دقيقا لدرجة نشاط المرض، والعلاجات السابقة، والحالة الصحية العامة، والمخاطر المحتملة، تحت إشراف طبي متخصص.
فريق طبي متكامل لتجنب المضاعفات
وأشار الكاتب إلى أن التعامل الفعال مع هذه الأمراض لا يقتصر على وصف الأدوية، بل يتطلب تنسيقا بين اختصاصيي الجهاز الهضمي والجراحة والأشعة والتغذية العلاجية، مع توفير الدعم النفسي عند الحاجة.
ويساعد هذا النهج المتكامل على متابعة نشاط الالتهاب، وتقييم الاستجابة للعلاج، والتعامل المبكر مع المضاعفات، وتحديد الحالات التي قد تستدعي تدخلا جراحيا.
كما تناول المقال الأبحاث المتعلقة بالميكروبيوتا المعوية، التي تدرس دور التوازن الميكروبي في صحة الأمعاء، بما في ذلك البروبيوتيك وزراعة الميكروبيوتا البرازية. غير أن هذه المقاربات لا تزال متفاوتة من حيث الأدلة والاعتمادات العلاجية، ولا يمكن اعتبارها بديلا عاما مثبتا للعلاجات المعتمدة لأمراض الأمعاء الالتهابية.
تحذير من الوصفات غير المثبتة علميا
وحذر المقال من الاعتماد على الخلطات العشبية والوصفات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها علاجات نهائية لأمراض القولون المناعية، مشيرا إلى مخاطر المنتجات مجهولة المصدر، واحتمال احتوائها على ملوثات أو مواد دوائية غير معلنة.
كما نبه إلى أن إيقاف الأدوية الموصوفة أو استبدالها بوصفات غير مثبتة قد يؤدي إلى عودة الالتهاب وتفاقم المرض، بما يرفع خطر حدوث مضاعفات خطرة، مثل الانسداد المعوي والنواسير والتسمم الدموي.
ويؤكد هذا التحذير ضرورة عدم تعديل العلاج أو إيقافه دون استشارة الطبيب المعالج، حتى عندما تتحسن الأعراض، لأن هدوءها لا يعني بالضرورة زوال الالتهاب بصورة كاملة.
ارتفاع الأسعار يهدد فرص الاستفادة من العلاج
وفي الجانب الاقتصادي، سلط المقال الضوء على ارتفاع تكلفة الأدوية البيولوجية، التي قد تحول دون حصول عدد من المرضى في الدول العربية على العلاج المناسب، خصوصا في ظل محدودية التغطية التأمينية وضعف القدرة الشرائية.
واقترح الكاتب توسيع الاعتماد على المثائل الحيوية، وهي أدوية شديدة التشابه مع الأدوية البيولوجية المرجعية، ثبت تكافؤها من حيث الجودة والفعالية والسلامة وفق متطلبات الجهات التنظيمية المختصة.
كما دعا إلى تعزيز الشراء الموحد للأدوية، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، وإنشاء برامج دعم للمرضى غير القادرين، بما يخفف الأعباء المالية ويضمن استمرارية العلاج.
وطرح كذلك توطين الصناعات الدوائية الحيوية في الدول العربية بوصفه خيارا استراتيجيا طويل الأمد، من خلال تعزيز الشراكات بين الجامعات والمراكز البحثية والشركات الدوائية، والاستثمار في البنية التحتية والتأهيل العلمي ونقل التكنولوجيا.
آفاق علاجية واعدة دون ضمان الشفاء النهائي
وخلص المقال إلى أن التطور في الأدوية البيولوجية والعلاجات الموجهة غيّر بصورة ملموسة خيارات التعامل مع أمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة، ورفع فرص السيطرة على المرض وتحسين جودة حياة المصابين به.
غير أن هذه التطورات لا تعني التوصل إلى علاج نهائي لجميع الحالات؛ إذ تظل الاستجابة متفاوتة، وقد يحتاج بعض المرضى إلى تغيير العلاج أو التدخل الجراحي عند حدوث مضاعفات.
وتبقى الأولوية للتشخيص المبكر، والمتابعة المنتظمة، والالتزام بالخطة العلاجية، وتوفير الأدوية الفعالة بأسعار مناسبة، بما يمنح المرضى فرصا أفضل للسيطرة على المرض والحد من آثاره الصحية والاجتماعية.









