صحة

التنمر المدرسي والإلكتروني.. الأسباب النفسية وعوامل الخطورة وسبل الوقاية

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

كم مرة صادفنا أثناء تصفح الأخبار عناوين تتحدث عن احتجاجات نظمها أولياء أمور في ولاية جورجيا الأمريكية، للمطالبة بمحاسبة إدارة مدرسة ثانوية بعد انتحار تلميذة تبلغ 12 عاما إثر تعرضها للتنمر؟ أو عن مراهق فرنسي أنهى حياته شنقا بعد تعرضه لحملة ممنهجة من التنمر الإلكتروني؟

هذه الحوادث ليست استثناءات، بل تتكرر في مختلف أنحاء العالم، وتحتل حيزا متزايدا من التغطية الإعلامية.

وقد يعتقد البعض أن هذه السلوكيات البغيضة تعكس تفكك القيم في المجتمعات الغربية وتراجع منظومتها الأخلاقية، غير أن الواقع يؤكد أن الدول العربية ليست بمنأى عن حوادث مماثلة.

وتشير هذه الوقائع المتكررة إلى أن التنمر لم يعد مجرد خلاف عابر بين التلاميذ، بل تحول إلى إحدى القضايا المهمة في مجال الصحة العامة، بالنظر إلى اتساع نطاقه وخطورة آثاره النفسية والاجتماعية.

ومن هنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن الكشف المبكر عن الآثار النفسية والاجتماعية للتنمر المدرسي والإلكتروني، وتعزيز سبل الوقاية منه والتعامل مع تداعياته على مستوى المدرسة والأسرة، إلى جانب تأهيل الطلاب أنفسهم؟

ماذا تقول الدراسات النفسية عن المتنمر؟

يمكن فهم الآليات النفسية التي تسهم في تكوين السلوك التنمري من خلال ثلاثة مفاهيم رئيسية:

  • التعلم بالملاحظة: قد يكتسب الطفل السلوك العدواني من خلال مشاهدة الآخرين، خصوصا عندما يلاحظ أنهم يحققون مكاسب أو يحصلون على مكانة اجتماعية نتيجة تصرفاتهم.
  • التعزيز السلوكي: عندما يمنح التنمر صاحبه شعورا بالقوة أو السيطرة أو التفوق على الآخرين، فقد يتحول إلى سلوك متكرر يستخدمه لتحقيق أهداف معينة.
  • الانفصال الأخلاقي: يلجأ المتنمر أحيانا إلى تبرير أفعاله أو التقليل من خطورتها، مستخدما عبارات مثل «كنت أمزح فقط» أو «لم أقصد إيذاءه»، الأمر الذي يساعده على الاستمرار في سلوكه دون الشعور بالمسؤولية الكاملة عن الأذى الذي يسببه.

هل كل متنمر طفل سبق أن تعرض للتنمر أو العنف؟

تنتشر فكرة مفادها أن كل طفل يمارس التنمر سبق أن كان ضحية له، لكنها ليست دقيقة في جميع الحالات. فبينما قد يتحول بعض ضحايا العنف إلى أشخاص يمارسون السلوك العدواني، ينشأ آخرون في أسر تبدو مستقرة ولا يعانون بالضرورة من تجارب مماثلة.

لذلك، لا يمكن تفسير التنمر بالاعتماد على سبب واحد، بل ينبغي دراسة الظروف المحيطة بالطفل، وطريقة تعامله مع السلطة والأقران، ومدى إدراكه للآثار التي تترتب على تصرفاته.

وفي المقابل، فإن فهم الأسباب النفسية للتنمر لا يعني تبرير هذا السلوك أو التساهل معه. فمواجهته تتطلب وضع حدود واضحة، وفرض إجراءات تأديبية متناسبة، إلى جانب توفير برامج تساعد الأطفال على ضبط انفعالاتهم وتنمية التعاطف مع الآخرين وبناء علاقات صحية.

وتقدم الدنمارك نموذجا في هذا المجال، إذ تدرج دروس التعاطف ضمن الممارسات التعليمية في مؤسساتها منذ عام 1993، وفقا لما أورده المقال الأصلي.

ما المعطيات المتاحة حول انتشار ظاهرة التنمر؟

تعددت الدراسات التي حاولت قياس انتشار التنمر المدرسي والإلكتروني، ومن بينها دراسة نُشرت نتائجها في سبتمبر/أيلول 2026، وشملت أكثر من 138 ألف مراهق من مناطق مختلفة في آسيا وأمريكا وأوروبا.

وأظهرت الدراسة تفاوتا في معدلات التنمر بين البلدان، مع تسجيل نسب تجاوزت 50% في بعض الحالات، ولا سيما في دول شرق أوروبا.

وبحسب البيانات والتقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، تسجل منطقة شمال أفريقيا ثاني أعلى معدل للتنمر المدرسي عالميا، بمتوسط يبلغ 42.7%.

أما منطقة الشرق الأوسط، فتأتي في المرتبة الثالثة عالميا، بمعدل يصل إلى 41.1%، مع تفاوت النسب بين الدول، إذ تتراوح بين 17.5% و59.5%.

كما رصدت دراسة اليونسكو اختلافات في أشكال التنمر التي يتعرض لها الفتيان والفتيات في البيئة العربية؛ إذ يكون الفتيان أكثر عرضة للتنمر البدني والعنف الجسدي، في حين تواجه الفتيات بدرجة أكبر أشكالا من التنمر النفسي والاجتماعي، مثل نشر الشائعات والإقصاء، إلى جانب الاعتداءات الإلكترونية عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ما عوامل الخطورة التي تجعل المراهقين أكثر عرضة للتنمر؟

تتداخل مجموعة من العوامل الفردية والأسرية والمدرسية في تحديد مدى تعرض المراهق للتنمر، ويمكن تصنيفها ضمن أربعة مجالات رئيسية.

العوامل الفردية

تشمل الاختلافات الجسدية والثقافية التي قد تجعل الطفل هدفا للسخرية أو الإقصاء، مثل المظهر الخارجي والوزن والعرق واللهجة وأسلوب اللباس الذي يعتبره الآخرون غير مألوف.

وقد ترتبط الخطورة أيضا بوجود إعاقة جسدية أو ذهنية، أو صعوبات في التعلم، أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو اضطرابات في الكلام.

وتؤدي بعض الخصائص النفسية والاجتماعية دورا إضافيا، مثل الخجل المفرط والانطواء وانخفاض تقدير الذات والرهاب الاجتماعي. وفي المقابل، قد يصبح التفوق الدراسي أو امتلاك مواهب مميزة سببا لاستهداف بعض الطلاب من قبل أقرانهم.

العوامل الأسرية والتربوية

تؤثر أساليب التربية في قدرة الطفل على بناء علاقات متوازنة والتعامل مع المواقف الصعبة. فقد تسهم السلطة المفرطة والعقوبات الجسدية والعنف اللفظي في إضعاف شعوره بالأمان، بينما قد تحد الحماية المبالغ فيها من فرص تطوير استقلاليته واكتساب مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي.

كما أن ضعف الدعم الأسري وغياب الوالدين عن تفاصيل حياة الطفل، وقلة التواصل داخل الأسرة، واستمرار الخلافات العائلية، قد تزيد من شعوره بالعزلة وتحد من قدرته على طلب المساعدة عندما يتعرض للتنمر.

العوامل المرتبطة بالبيئة المدرسية

قد تزداد احتمالات التعرض للتنمر خلال المراحل الانتقالية، مثل الانتقال من التعليم الابتدائي إلى المرحلة الإعدادية، حيث يواجه التلاميذ بيئة جديدة وعلاقات اجتماعية مختلفة.

كما يسهم ضعف التضامن بين الأقران ووجود النزاعات داخل الفصول الدراسية في تهيئة بيئة تسمح باستمرار التنمر. ويؤدي الطاقم التربوي دورا محوريا في هذا السياق، إذ قد يؤدي نقص التأطير والدعم من جانب المعلمين والإدارة إلى تفاقم المشكلة.

الوصم المؤسسي

قد ينشأ التنمر أيضا نتيجة ممارسات مؤسسية تؤدي إلى تهميش بعض التلاميذ أو إبراز اختلافاتهم بصورة سلبية. ومن أمثلة ذلك ضعف إدماج الطلاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافي، أو التعامل مع برامج المساندة التعليمية، مثل الأقسام المتخصصة والامتحانات المكيفة، بطريقة تجعل المستفيدين منها عرضة للتمييز أو الوصم.

ما الآثار النفسية والاجتماعية للتنمر؟

قد تترتب على التنمر المدرسي والإلكتروني مجموعة من النتائج التي تتجاوز لحظة الاعتداء، لتؤثر في الصحة النفسية والحياة الاجتماعية والتحصيل الدراسي للضحايا.

ومن أبرز هذه الآثار المعاناة النفسية والعزلة الاجتماعية وتراجع تقدير الذات واضطرابات النوم، إلى جانب القلق والاكتئاب.

وفي الحالات الأكثر خطورة، قد يرفض الطفل الذهاب إلى المدرسة أو ينقطع عن الدراسة، وقد يصل الأمر إلى إيذاء النفس أو ظهور أفكار انتحارية، يمكن أن تنتهي في بعض الحالات المأساوية بالانتحار.

ويتميز التنمر الإلكتروني بخصوصية تزيد من صعوبة التعامل معه؛ إذ يمكن أن تبقى المنشورات والصور والمقاطع المسيئة متاحة عبر الإنترنت لفترات طويلة، ما يجعل الضحية تواجه آثار الاعتداء حتى بعد توقف السلوك المسيء نفسه.

ما الآليات الفعالة لمواجهة ظاهرة التنمر؟

تؤكد الدراسات الحديثة أهمية التعامل مع التنمر من خلال تدخلات متكاملة تشمل المدرسة والأسرة والطلاب، بدلا من الاكتفاء بحملات توعية مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة ولا تضمن استمرارية النتائج.

التدخلات المدرسية

تبدأ المواجهة الفعالة بوضع سياسة مؤسسية واضحة ومستمرة لمكافحة التنمر، تتضمن آليات للإبلاغ والتدخل والمتابعة، بدلا من الاكتفاء بأنشطة توعوية ظرفية.

ويشمل ذلك تدريب المعلمين والموظفين على التعرف على علامات التنمر، والاستجابة للحالات بصورة مناسبة، إلى جانب تنفيذ تدخلات تستهدف الصف الدراسي بأكمله، بما يعزز ثقافة الاحترام ويرفض السلوك العدواني.

ومن الضروري أيضا تشجيع الطلاب على التحول من متفرجين سلبيين إلى متدخلين إيجابيين، وهو ما يعرف بمفهوم «Upstanders». ويتحقق ذلك من خلال الامتناع عن الضحك على الضحية، وعدم إعادة نشر المحتوى المسيء أو التفاعل معه بالإعجاب، وتقديم الدعم للطالب المتضرر بطريقة تحفظ خصوصيته، وإبلاغ شخص بالغ موثوق عبر قنوات مؤسسية تضمن السرية والسلامة.

كما ينبغي الاهتمام بتدريب الشهود على كيفية التدخل الآمن والإبلاغ عن الحالات، مع توفير نظام بسيط وسري يتيح للطلاب الإبلاغ دون خوف من الانتقام أو التعرض لمزيد من المضايقات.

ولا يتوقف التدخل عند معالجة الحادثة الأولى، بل يتطلب متابعة مستمرة لعدة أسابيع أو أشهر، للتأكد من تحسن الوضع وعدم عودة التنمر، وضمان حصول الطالب المتضرر على الدعم اللازم.

ومن المهم كذلك أن تتعاون المدرسة مع الأسرة والجهات المختصة، وأن تتعامل مع كل حالة وفق ظروفها، مع حماية الضحية ومحاسبة المتنمر بطريقة تربوية مناسبة، تمنع تكرار الاعتداء وتساعد على تغيير السلوك.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى