دراسة تحذر من شرب الشاي والقهوة شديدَي السخونة بسبب خطر سرطان المريء

قد يكون شرب الشاي أو القهوة عادة يومية يصعب الاستغناء عنها، لكن درجة حرارة المشروب عند تناوله قد تحمل مخاطر صحية لا ينتبه إليها كثيرون. فبينما ينشغل البعض بكمية الكافيين أو السكر، تشير دراسة علمية حديثة إلى أن الاعتياد على تناول المشروبات شديدة السخونة يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بأحد أنواع سرطان المريء.
وأظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة أكسفورد البريطانية وشملت قرابة مليون شخص، أن الذين يفضلون شرب الشاي والقهوة بدرجات حرارة مرتفعة جدا كانوا أكثر عرضة بنحو 3 أضعاف للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء، مقارنة بمن يفضلون المشروبات الدافئة.
ولا تعني هذه النتائج أن الشاي أو القهوة بحد ذاتهما يسببان السرطان، بل تشير إلى أن التعرض المتكرر للحرارة المرتفعة قد يلحق أضرارا بالخلايا المبطنة للمريء، خصوصا عندما تستمر هذه العادة لسنوات طويلة.
هل تكمن المشكلة في المشروب أم في درجة حرارته؟
توضح اختصاصية التغذية العلاجية الدكتورة عائشة صقر أن الشاي والقهوة يحتويان على مجموعة متنوعة من المركبات، من بينها مضادات الأكسدة والكافيين، الذي يعمل منبها للجهاز العصبي المركزي ويساعد على زيادة اليقظة والانتباه.
ويحتوي الشاي على مركبات البوليفينولات والكاتيشينات ذات الخصائص المضادة للأكسدة، بينما تضم القهوة مركبات أخرى، من بينها أحماض الكلوروجينيك، إلى جانب الكافيين.
لكن الأبحاث المتعلقة بسرطان المريء لا تركز على هذه المكونات بقدر ما تركز على درجة حرارة المشروب عند تناوله، إذ قد يؤدي التعرض المتكرر للسوائل شديدة السخونة إلى إلحاق الضرر بالأنسجة المبطنة للمريء.
وفي عام 2016، صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، شرب المشروبات شديدة السخونة ضمن المجموعة 2A، وهي فئة العوامل التي يُحتمل أن تكون مسرطنة للبشر.
وحددت الوكالة المشروبات شديدة السخونة بأنها السوائل التي تُستهلك عند درجات حرارة تتجاوز 65 درجة مئوية، مشيرة إلى أن الأدلة العلمية ترجح ارتباط الحرارة المرتفعة، وليس نوع المشروب نفسه، بزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء.
ولا يعني هذا التصنيف أن كل من يشرب السوائل الساخنة سيصاب بالسرطان، وإنما يعكس وجود أدلة علمية تدعم احتمال ارتباط التعرض المتكرر للحرارة الشديدة بالمرض.
كيف تؤثر الحرارة المرتفعة في المريء؟
يمر الشاي والقهوة عبر المريء في طريقهما إلى المعدة، ملامسين الخلايا التي تبطن جداره الداخلي. ومع تكرار تناول السوائل شديدة السخونة، قد تتعرض هذه الخلايا لإصابات حرارية متكررة، تستدعي عمليات مستمرة لإصلاح الأنسجة.
ويُعتقد أن تكرار التلف والالتهاب وتجدد الخلايا قد يسهم، على المدى الطويل، في حدوث تغيرات تزيد احتمال نشوء السرطان.
وتشير الجمعية الأمريكية للسرطان إلى أن تناول السوائل التي تبلغ حرارتها نحو 65 درجة مئوية أو أكثر بانتظام قد يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء، وهو أحد النوعين الرئيسيين لسرطان هذا العضو.
ومع ذلك، لا يعني شرب كوب ساخن من حين إلى آخر أن الشخص سيصاب بالسرطان، إذ ينصب الاهتمام أساسا على التعرض المتكرر للحرارة المرتفعة على مدى سنوات، إلى جانب عوامل خطر أخرى، من أبرزها التدخين وتناول الكحول.
دراسة بريطانية شملت قرابة مليون شخص
قدمت دراسة بريطانية حديثة، نُشرت في 8 سبتمبر/أيلول 2026 في دورية «إنترناشونال جورنال أوف كانسر» (International Journal of Cancer)، أدلة إضافية على العلاقة بين درجة حرارة المشروبات وخطر الإصابة بسرطان المريء.
وحلل الباحثون من جامعة أكسفورد بيانات 977 ألفا و282 مشاركا ضمن دراستين بريطانيتين كبيرتين، هما دراسة المليون امرأة (Million Women Study) ومشروع البنك الحيوي البريطاني (UK Biobank).
وركز الباحثون على درجات الحرارة التي يفضل المشاركون تناول الشاي والقهوة عندها، وعدد الأكواب التي يشربونها يوميا، ثم تابعوا حالات الإصابة بسرطان المريء خلال فترات طويلة.
وبلغ متوسط المتابعة 14.2 سنة في الدراسة الأولى و11.1 سنة في الثانية، وسُجلت خلالهما 2348 إصابة بسرطان المريء، منها 1045 إصابة بسرطان الخلايا الحرشفية و1303 إصابات بالسرطان الغدي.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يفضلون تناول المشروبات «شديدة السخونة» كانوا أكثر عرضة بنحو 3.17 أضعاف للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية، مقارنة بمن يفضلون المشروبات الدافئة، حتى بعد مراعاة عدد الأكواب التي يتناولونها يوميا.
في المقابل، لم يجد الباحثون ارتباطا واضحا بين ارتفاع درجة حرارة المشروبات وخطر الإصابة بالسرطان الغدي في المريء، ما يشير إلى أن العلاقة قد تختلف باختلاف نوع الورم.
هل يؤدي شرب كميات كبيرة من المشروبات الساخنة إلى زيادة الخطر؟
لم تقتصر الدراسة على قياس تأثير درجة حرارة المشروبات، بل بحثت أيضا العلاقة بين عدد الأكواب اليومية وخطر الإصابة بسرطان المريء.
ووجد الباحثون أن تناول 6 أكواب أو أكثر من المشروبات الساخنة يوميا ارتبط بزيادة نسبية قدرها 71% في خطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية، مقارنة بتناول أقل من 6 أكواب، وذلك بعد مراعاة درجة الحرارة المفضلة للمشروبات.
ولا تعني هذه النسبة أن 71% من الأشخاص الذين يشربون 6 أكواب يوميا سيصابون بالسرطان، بل تشير إلى ارتفاع الخطر النسبي لدى هذه المجموعة مقارنة بالمجموعة المرجعية.
وتسلط النتائج الضوء على أهمية الانتباه إلى درجة حرارة المشروبات، وليس فقط إلى نوعها أو عدد الأكواب المستهلكة يوميا، إذ قد يساعد الانتظار حتى يبرد الشاي أو القهوة قبل تناولهما على تقليل التعرض للحرارة الشديدة.









