تراجع المسيحية وصعود اللادينيين يعيدان تشكيل المشهد الديني في أمريكا

تشهد الخارطة الدينية في الولايات المتحدة تحولا لافتا خلال العقود الأخيرة، مع استمرار تراجع نسبة الأمريكيين الذين يعرّفون أنفسهم كمسيحيين، بالتزامن مع الارتفاع الكبير في أعداد الذين لا ينتمون إلى دين محدد. ولا يقتصر هذا التحول على تغيير الأرقام، بل يعكس إعادة تشكيل أوسع للهوية الثقافية والاجتماعية والسياسية في المجتمع الأمريكي.
وتشير بيانات مركز بيو للأبحاث إلى أن نسبة المسيحيين بين البالغين الأمريكيين انخفضت من نحو 78% عام 2007 إلى 62% عام 2024، في حين ارتفعت نسبة غير المنتمين دينيا بصورة كبيرة، لتصل إلى نحو 30% من البالغين، بعد أن كانت 7% فقط في 2007.
وتضم فئة غير المنتمين دينيا ثلاث مجموعات رئيسية هي الملحدون واللاأدريون والأشخاص الذين يصفون أنفسهم بأنهم لا ينتمون إلى دين معين. وتمثل الفئة الأخيرة الجزء الأكبر من هذه المجموعة، إذ يقول عدد كبير منهم إنهم يؤمنون بوجود قوة أو روحانية عليا، رغم عدم ارتباطهم بمؤسسة دينية تقليدية.
تحولات تتجاوز الإحصاءات
لا تعني هذه الأرقام بالضرورة اختفاء الدين من المجتمع الأمريكي، بل تكشف عن تغير الطريقة التي يتعامل بها الأمريكيون مع الإيمان والمؤسسات الدينية. فجزء من الأشخاص الذين يصنفون أنفسهم خارج الأديان المنظمة لا يرفضون بالضرورة فكرة الإيمان أو الروحانية، وإنما يفضلون ممارستها بعيدا عن الكنيسة والمؤسسات الدينية التقليدية.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في مجتمع شديد التنوع، تشكل تاريخيا من موجات متعاقبة من المهاجرين وأحفادهم القادمين من مناطق مختلفة من العالم، الأمر الذي جعل المشهد الديني الأمريكي أكثر تعددا وتعقيدا بمرور الوقت.
وكانت المسيحية تمثل في ثمانينيات القرن الماضي قرابة 90% من الخارطة الدينية في الولايات المتحدة، قبل أن يبدأ تراجع طويل المدى أوصل نسبتها إلى مستويات أدنى بكثير في الوقت الراهن.
لكن المسيحية الأمريكية نفسها ليست كتلة واحدة، إذ تنقسم إلى طوائف واتجاهات متعددة تختلف في مواقفها الدينية والاجتماعية والسياسية.
البروتستانتية أمام اختبار صعب
تمثل البروتستانتية جزءا كبيرا من المسيحية الأمريكية، لكنها تواجه بدورها تراجعا واضحا مقارنة بما كانت عليه في العقود الماضية. وتظهر آثار هذا التراجع بصورة خاصة في الكنائس التقليدية التي تواجه انخفاضا في أعداد المصلين واضطرارا متزايدا إلى إغلاق بعض مؤسساتها ودور عبادتها.
وفي المقابل، تبدو البروتستانتية الإنجيلية أكثر قدرة على الحفاظ على حضورها السياسي، رغم تعرضها هي الأخرى لضغوط ديموغرافية واجتماعية.
وتضم الحركة الإنجيلية مجموعات متعددة من البروتستانت، من بينها المعمدانيون والمستقلون والخمسينيون، وقد تمكنت خلال العقود الماضية من بناء قاعدة سياسية مؤثرة، خصوصا داخل الحزب الجمهوري.
وتبرز في هذا السياق اتفاقية المعمدانيين الجنوبيين، التي تأسست عام 1845، وتعد اليوم من أكبر التجمعات الدينية المحافظة في الولايات المتحدة، مع قاعدة عضوية تقدر بالملايين.
الدين والسياسة.. تحالف يعيد تشكيل الكنيسة
أصبح الارتباط بين المسيحية المحافظة والسياسة الأمريكية أحد أبرز مظاهر التحول في المشهد الديني. فالمواقف المتعلقة بالإجهاض والأسرة والقضايا الاجتماعية الأخرى دفعت قطاعات واسعة من الإنجيليين إلى الانخراط السياسي بصورة مباشرة.
وقد بلغ هذا النفوذ ذروة مهمة مع التحول القانوني الكبير الذي أنهى الحماية الدستورية الفدرالية للإجهاض في الولايات المتحدة، في خطوة مثلت انتصارا تاريخيا لتيارات دينية محافظة خاضت معركة سياسية وقانونية استمرت عقودا.
لكن هذا التحالف السياسي ترك في المقابل آثارا عميقة على صورة المؤسسة الدينية، إذ يرى منتقدون أن بعض الكنائس تحولت تدريجيا من مؤسسات روحية واجتماعية إلى مؤسسات شديدة الارتباط بالاستقطاب السياسي.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: فبينما تتراجع نسبة الأمريكيين الذين ينتمون إلى المسيحية، يزداد الحضور السياسي لبعض الجماعات المسيحية المحافظة.
آلاف الكنائس تغلق أبوابها
يعد إغلاق الكنائس أحد أكثر المؤشرات وضوحا على التحولات التي يشهدها المجتمع الديني الأمريكي.
وتشير بيانات مؤسسة لايف واي للأبحاث إلى أن نحو 4 آلاف كنيسة أغلقت عام 2024، مقابل تأسيس نحو 3800 كنيسة جديدة، وهو فارق يعكس، ولو بصورة محدودة، تقلصا في عدد المؤسسات الدينية القائمة.
لكن صورة الإغلاق ليست كاملة من دون النظر إلى طبيعة الكنائس التي يجري افتتاحها في المقابل.
فجزء من الكنائس الجديدة ينشأ في المناطق السكنية الحديثة ومناطق تجمع المهاجرين، ولا سيما الأمريكيين من أصول لاتينية، كما تختلف هذه المؤسسات في تصميمها ووظيفتها عن الكنائس التقليدية.
نهاية عصر الكنائس العملاقة؟
شهدت الولايات المتحدة خلال العقود الماضية انتشار ما يعرف بالكنائس العملاقة، وهي المؤسسات التي تستقبل أكثر من ألفي شخص أسبوعيا، وأصبحت رمزا للنجاح والانتشار الكبير للحركة الإنجيلية.
لكن هذا النموذج يواجه اليوم أسئلة متزايدة حول قدرته على الاستمرار.
فالمشكلة لا تكمن دائما في إغلاق المبنى نفسه، وإنما في تراجع النموذج الاجتماعي والروحي الذي قامت عليه الكنائس العملاقة. فقد تبدو بعض هذه المؤسسات أقرب إلى مجمعات ضخمة تقدم خدمات متعددة، لكنها تواجه صعوبة في توفير الشعور بالمجتمع المحلي والعلاقة المباشرة بين المؤمنين.
ويطرح ذلك سؤالا جوهريا حول وظيفة المؤسسة الدينية: هل تتمثل مهمتها في جذب أكبر عدد ممكن من الأشخاص، أم في بناء روابط اجتماعية وروحية عميقة بين أفراد المجتمع؟
من الكاتدرائية إلى الشاشة
تغيرت كذلك الطريقة التي تقدم بها الكنيسة خطابها للجمهور. فبعدما كانت العمارة الدينية، خصوصا الطراز القوطي، وسيلة أساسية لإظهار الهيبة والقوة وإثارة الشعور بالمقدس، أصبحت وسائل الإعلام والسينما والمنصات الرقمية تؤدي جزءا من هذه الوظيفة.
ويعد فيلم “Left Behind” الذي صدر عام 2000 مثالا على قدرة الإنتاج السينمائي الديني على الوصول إلى جمهور واسع، من خلال تقديم تصور درامي لنهاية العالم وعودة المسيح وصعود المؤمنين، وهي موضوعات كانت تؤدى تاريخيا داخل فضاءات الكنائس والكاتدرائيات.
وبذلك لم تعد الكنيسة مضطرة إلى الاعتماد على المبنى وحده للوصول إلى المؤمنين؛ إذ أصبحت الشاشة والمنصات الإعلامية والمنتجات الثقافية جزءا من أدواتها في التأثير والحضور.
الكنيسة الحديثة لا تختفي بالكامل
ورغم الحديث المتزايد عن انهيار الكنائس العملاقة وإغلاق آلاف دور العبادة، فإن ذلك لا يعني أن المسيحية الأمريكية تتجه بالضرورة نحو الاختفاء.
ففي مقابل الكنائس التي تغلق، تظهر مؤسسات جديدة، بعضها أصغر حجما وأكثر مرونة وأقل ارتباطا بالهندسة التقليدية للكنيسة. كما تستفيد هذه المؤسسات من التحولات الديموغرافية ونمو التجمعات السكانية الجديدة والهجرة.
وتتميز العديد من المباني الحديثة بتصميمات عملية تراعي سهولة الوصول والحركة، وتستخدم التكنولوجيا وشاشات العرض، وتوفر مساحات متعددة للأنشطة الاجتماعية والترفيهية.
لذلك قد يكون ما يحدث أقرب إلى إعادة هيكلة للمؤسسة المسيحية منه إلى اختفاء الدين نفسه.
أزمة الثقة قبل أزمة المباني
تكمن المسألة الأعمق في أن تراجع المسيحية الأمريكية لا يمكن قياسه بعدد الكنائس المغلقة فقط. فالمشكلة تتعلق أيضا بمستوى الثقة في المؤسسات الدينية، وبقدرتها على تقديم معنى اجتماعي وروحي يتجاوز السياسة والاستقطاب.
فعندما تصبح الكنيسة شديدة الارتباط بحزب أو تيار سياسي، قد تتحول الهوية الدينية تدريجيا إلى جزء من الهوية الحزبية. وفي هذه الحالة، يصبح الانتماء إلى الكنيسة مرتبطا بالموقف السياسي والاجتماعي بقدر ارتباطه بالإيمان نفسه.
وقد يكون هذا أحد أسباب اتساع المسافة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات الدينية التقليدية، خصوصا في ظل تغير القيم الاجتماعية وانتشار أشكال جديدة من الروحانية الفردية.
وتشير التقديرات إلى أن عدد الكنائس التي أغلقت في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين تجاوز 50 ألف كنيسة، بينما تكشف الفروق السنوية بين الكنائس المغلقة والجديدة عن اتجاه عام يميل إلى الانكماش في البنية المؤسسية التقليدية.
الدين الأمريكي أمام مرحلة جديدة
ما تشهده الولايات المتحدة اليوم لا يبدو مجرد تراجع عددي للمسيحيين أو إغلاق لمبانٍ دينية قديمة، وإنما تحول أعمق في علاقة الأمريكيين بالدين والمؤسسة والمجتمع والسياسة.
فالمسيحية ما زالت الديانة الأكبر في الولايات المتحدة، لكن موقعها لم يعد يشبه ما كان عليه قبل عقود. وفي المقابل، أصبحت فئة غير المنتمين دينيا قوة اجتماعية لا يمكن تجاهلها، بينما تحاول المؤسسات المسيحية التكيف مع مجتمع أكثر تنوعا وأقل ارتباطا بالمؤسسات الدينية التقليدية.
وبذلك يمكن النظر إلى المرحلة الراهنة باعتبارها إعادة تعريف للدين في المجتمع الأمريكي: من الكنيسة العملاقة إلى الجماعات الأصغر، ومن العمارة المقدسة إلى الحضور الرقمي، ومن الانتماء المؤسسي إلى الروحانية الفردية، ومن النفوذ الاجتماعي التقليدي إلى التأثير السياسي والإعلامي.
والسؤال الأهم في السنوات المقبلة لن يكون ما إذا كانت المسيحية ستختفي من أمريكا، وهو احتمال لا تدعمه المعطيات الحالية، وإنما أي شكل ستتخذه المسيحية الأمريكية في مجتمع تتراجع فيه العضوية الدينية التقليدية وتتسع فيه مساحة الأشخاص الذين يريدون الإيمان بمعزل عن المؤسسة الدينية؟









