الأخبار العالمية

لاجئو دارفور في شرق تشاد.. حرارة قاتلة ومياه شحيحة وأزمة إنسانية تتفاقم

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

في مخيمات اللاجئين بشرق تشاد، يبدأ يوم مئات الآلاف من الفارين من الحرب في دارفور قبل شروق الشمس، بحثا عن الماء ومكان يوفر لهم بعض الحماية من حرارة قاسية تقترب من 50 درجة مئوية. وبين خيام متهالكة لا تمنع لهيب الشمس، وشح في المياه والغذاء، يجد اللاجئون أنفسهم أمام أزمة إنسانية تتجاوز آثار النزوح نفسها.

وتستضيف تشاد نحو 940 ألفا و612 لاجئا سودانيا منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، وفقا لبيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بينما لا تزال أعداد جديدة تصل إلى المناطق الحدودية هربا من العنف في دارفور.

وتروي فاطمة، وهي أم لخمسة أطفال نزحت من الفاشر، جانبا من المعاناة اليومية داخل المخيم، قائلة إن النوم ليلا أصبح شبه مستحيل بسبب الحرارة، بينما تتحول الخيمة خلال النهار إلى مساحة شديدة السخونة لا يستطيع الأطفال تحملها.

وأضافت أن الحصول على الظل أصبح امتيازا نادرا، في وقت يعاني فيه الأطفال من العطش والإرهاق نتيجة درجات الحرارة المرتفعة.

خيام تتحول إلى مصائد للحرارة

ويصف مصطفى بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بدارفور ومدير منظمة “يد الخير” المحلية، الظروف داخل المخيمات بأنها شديدة القسوة، مشيرا إلى أن الخيام المصنوعة من مواد خفيفة لا توفر الحماية الكافية من الحرارة.

وأوضح أن نسبة كبيرة من اللاجئين الذين وصلوا حديثا لا تتوفر لهم مواد إيواء مناسبة، ما يضطر بعضهم إلى الاحتماء تحت الأشجار، الأمر الذي يعرضهم لأشعة الشمس المباشرة، فضلا عن مخاطر الحشرات والزواحف.

وتزداد صعوبة الحياة مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ يضطر السكان إلى تنظيم تحركاتهم في ساعات الصباح الباكر قبل اشتداد الحر، خاصة عند البحث عن المياه.

الماء.. معركة يومية

تتكرر يوميا مشاهد طوابير طويلة أمام نقاط توزيع المياه، حيث تصطف النساء والأطفال منذ ساعات الصباح حاملين الجرار بحثا عن كمية تكفي أسرهم.

وبحسب بيان مشترك لمفوضية اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، يعيش لاجئون في بعض المواقع على كميات من المياه تقل عن نصف الحد الأدنى اليومي، في حين تعاني عشرات الآلاف من الأسر من نقص حاد في مواد الإيواء بسبب فجوات التمويل.

ويقول صدام أبكر الصافي، مسؤول غرفة طوارئ كرياري، إن بعض الأسر تجد نفسها أمام خيار بالغ الصعوبة بين استخدام المياه للشرب أو لغسل الأطفال، في ظل محدودية الموارد وارتفاع درجات الحرارة.

ولا يقتصر نقص المياه على الجانب المعيشي، بل يزيد أيضا من المخاطر الصحية، خصوصا في المناطق التي تعاني من الاكتظاظ وضعف خدمات الصرف الصحي.

الأمطار تزيد معاناة النازحين

ورغم أن الحرارة المرتفعة تمثل أحد أبرز التحديات خلال فترات الجفاف، فإن موسم الأمطار لا يحمل انفراجة حقيقية للاجئين، إذ تتحول المخيمات إلى مناطق شديدة الصعوبة بسبب السيول والرياح.

وفي منتصف أغسطس/آب 2026، أدت أمطار غزيرة ورياح قوية إلى تدمير عشرات المنازل في مخيمي بامي جورا وكارياري، وأسفرت، وفقا لإفادات محلية، عن وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين، بينهم حالات وصفت بالحرجة.

ويقول مصطفى بره إن الخيام المتهالكة لا تصمد أمام الرياح والأمطار، بينما يؤدي تراكم المياه والنفايات إلى انتشار الحشرات والذباب، ما يزيد مخاطر الأمراض داخل المخيمات.

فجوة المساعدات تتسع

وفي ظل استمرار وصول عائلات جديدة إلى مناطق اللجوء، تواجه المبادرات المحلية ضغوطا متزايدة لتغطية الاحتياجات الأساسية.

ويشير متطوعون في مخيم أردمي إلى أن عشرات الأسر تصل بصورة يومية، معظم أفرادها من النساء والأطفال الذين يفرون من مناطق الصراع بعد رحلات شاقة.

ويحاول المتطوعون توفير المياه والغذاء والإمدادات الأساسية وفق الإمكانات المتاحة، لكن حجم الاحتياجات يفوق قدرة المبادرات المحلية على الاستجابة.

وتشير تقديرات غرفة طوارئ أردمي إلى أن نحو 180 ألف لاجئ في المنطقة يواجهون صعوبات يومية في الحصول على مياه الشرب.

النساء الحوامل في دائرة الخطر

وتبدو النساء الحوامل والمرضعات من بين أكثر الفئات هشاشة في هذه الظروف.

ففي يوليو/تموز 2026، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن أكثر من خُمس النساء الحوامل والمرضعات في شرق تشاد يعانين من سوء التغذية الحاد.

وبين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران من العام نفسه، فحصت المنظمة 5785 امرأة حامل ومرضعة في مدينة أدري الحدودية، وتبين أن 1225 منهن، أي نحو 21.2%، يعانين من سوء التغذية المعتدل أو الشديد، وهي نسبة تتجاوز عتبة الطوارئ المحددة عند 15%.

ولا تقتصر المشكلة على اللاجئات، إذ ينتمي نحو ثلاثة أرباع النساء المتضررات إلى المجتمعات المحلية المضيفة، التي تواجه بدورها ضغوطا كبيرة نتيجة تدفق أعداد ضخمة من اللاجئين.

ويحذر عاملون ميدانيون من أن سوء تغذية الأمهات ينعكس مباشرة على الأطفال، إذ قد يؤدي إلى انخفاض أوزان المواليد وارتفاع المخاطر الصحية خلال المراحل الأولى من الحياة.

جيل مهدد بفقدان التعليم

ولا تتوقف آثار الأزمة عند الغذاء والمياه والصحة، بل تمتد إلى التعليم، إذ تواجه المدارس في مخيمات شرق تشاد اكتظاظا شديدا ونقصا في المعلمين والمواد التعليمية.

وتشير تقديرات أممية إلى أن بعض الفصول الدراسية تضم أكثر من 100 طفل لكل معلم، ما يجعل توفير تعليم منتظم وفعال أمرا بالغ الصعوبة.

وتخشى الأسر اللاجئة من أن يؤدي استمرار النزوح إلى حرمان جيل كامل من التعليم، خصوصا الأطفال الذين أمضوا سنواتهم الأولى في ظروف النزوح والاضطراب.

وتقول فاطمة إن أطفالها يكبرون من دون مدارس أو كتب أو فرص واضحة للتعلم، متسائلة عن مستقبلهم بعد سنوات إذا استمرت الظروف الحالية.

آثار نفسية لا ترى بالعين

وتتجاوز معاناة اللاجئين الجوانب المادية لتصل إلى آثار نفسية عميقة، نتيجة فقدان الأقارب والمنازل، والانفصال عن أفراد الأسرة، وعدم معرفة مصير الأشخاص الذين بقوا في دارفور.

ويقول مصطفى بره إن الخوف المستمر على الأطفال والمفقودين، إلى جانب ذكريات الحرب والنزوح، يترك آثارا نفسية متزايدة بين السكان.

وتبدو النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو أبناءهن من أكثر الفئات تعرضا للقلق والاكتئاب، في ظل محدودية خدمات الدعم النفسي وغياب المختصين عن كثير من المخيمات.

وهكذا يجد اللاجئون أنفسهم أمام أزمة متعددة الأوجه، لا تبدأ عند عبور الحدود ولا تنتهي بالوصول إلى المخيم، بل تستمر في صورة حرارة خانقة، ونقص للمياه، وسوء تغذية، وتهديدات صحية، وانقطاع عن التعليم، وصدمات نفسية.

وفي شرق تشاد، لا يزال مئات الآلاف ينتظرون ظروفا أكثر أمنا واستقرارا، بينما تكافح الأسر يوميا لتوفير أبسط مقومات الحياة وسط أزمة إنسانية تتفاقم مع استمرار النزوح وتراجع الموارد المتاحة للاستجابة لاحتياجاتهم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى