الأخبار العالمية

جفاف وانحسار النيل يهددان زراعة السودان.. مزارعون يصلّون طلبا للمطر وسط تداعيات الحرب

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

على ضفاف نهر النيل في السودان، يواجه المزارعون موسما زراعيا بالغ الصعوبة، بعدما تراجعت مستويات المياه وتأخرت الأمطار، في وقت أنهكت فيه الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام القطاع الزراعي وأجبرت أعدادا كبيرة من المزارعين على ترك أراضيهم.

وفي مناطق مختلفة من البلاد، يحاول المزارعون تأمين المياه اللازمة لري محاصيلهم، بينما لجأ آخرون إلى صلاة الاستسقاء والدعاء بهطول الأمطار بعدما تحولت الأراضي الزراعية إلى مساحات متشققة يهددها الجفاف.

وتأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه ملايين السودانيين من انعدام الأمن الغذائي، بينما تصف الأمم المتحدة الوضع الإنساني في السودان بأنه من بين الأسوأ عالميا.

النيل ينحسر والمزارعون يواجهون موسما صعبا

في مزرعته الواقعة على ضفة النيل جنوب الخرطوم، يشير المزارع التيجاني فضل الله إلى جزيرة رملية وسط النهر، مؤكدا أن ظهورها في هذا الوقت من العام يمثل مؤشرا مقلقا بالنسبة له.

وقال إن مياه النيل كانت تغمر الجزيرة عادة بحلول يوليو/تموز، لكنها ظلت ظاهرة مع دخول أغسطس/آب، وهو ما اعتبره علامة سيئة لمحاصيل تحتاج إلى المياه للبقاء.

ولا تقتصر المشكلة على منطقة واحدة، إذ يشكو مزارعون في مناطق تمتد من شمال السودان بالقرب من الحدود المصرية وصولا إلى المناطق الشرقية المحاذية لإثيوبيا من نقص المياه اللازمة للري، بالتزامن مع تأخر هطول الأمطار وانخفاض منسوب النيل.

وحذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من أن الموسم الزراعي الحالي يواجه مخاطر مناخية متزايدة، مدفوعة بتأثيرات ظاهرة النينيو التي ترتبط بتأخر الأمطار وانخفاض معدلاتها، الأمر الذي قد يؤدي إلى فترات جفاف أطول وأكثر تكرارا.

ويصف مزارعون الموسم الحالي بأنه من أصعب المواسم التي واجهوها، بعدما اجتمعت الظروف المناخية القاسية مع تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف الإنتاج.

النينيو يضاعف أزمة المياه

تربط أبحاث مناخية بين ظاهرة النينيو وتراجع مستويات مياه النيل، وهو ما يجعل تأثيرها أكثر حساسية في السودان الذي يعتمد قطاعه الزراعي بدرجة كبيرة على الأمطار ومياه النهر.

وعلى مدى نحو ثلاثة عقود، درس عالم المناخ والهيدرولوجيا الفاتح الطاهر العلاقة بين الظاهرة المناخية ونهر النيل، وأظهرت أبحاثه ارتباطا بين النينيو وانخفاض منسوب النهر.

وتزداد احتمالات الجفاف في جنوب شرق السودان وشمال غرب إثيوبيا عندما تبدأ الظاهرة المناخية في أواخر الربيع، وهي المناطق التي ترتبط بشكل مباشر بمصادر مياه النيل الأزرق.

وفي يوليو/تموز الماضي، انخفض مستوى المياه في سد النهضة الإثيوبي على منابع النيل الأزرق بنحو ستة أمتار مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وفقا لبيانات جامعة توبنغن الألمانية.

كما بلغت كميات الأمطار في حوض النيل الأزرق خلال الصيف الحالي نحو نصف المعدل المعتاد، وفقا لمركز مخاطر المناخ التابع لجامعة كاليفورنيا، بينما تشير التوقعات إلى استمرار معدلات الأمطار دون المتوسط خلال بقية الموسم.

صلاة الاستسقاء في القضارف

تبدو آثار الجفاف بوضوح في ولاية القضارف شرقي السودان، وهي منطقة زراعية مهمة تنتج محاصيل أساسية مثل السمسم والذرة الرفيعة.

وبعد مرور نصف موسم الأمطار، لا تزال مساحات واسعة من الحقول تحمل اللون البني الرملي بدلا من اللون الأخضر الذي يفترض أن تكسوه به المحاصيل.

وفي عدد من مناطق الولاية، تجمع مزارعون خلف الأئمة لأداء صلاة الاستسقاء والدعاء بهطول الأمطار، بعدما تأخر الموسم المطري الذي يعتمدون عليه في الزراعة ورعي الماشية.

وقال المزارع عبد الماجد حسين، في منطقة ود الحليو بالقضارف، إن المزارعين لجؤوا إلى صلاة الاستسقاء بعد تأخر الأمطار التي يعتمدون عليها في زراعة محاصيلهم وتوفير المراعي لحيواناتهم.

وفي مواجهة الظروف المناخية، نصحت السلطات الزراعية المزارعين بتأجيل عمليات الزراعة واختيار أصناف من المحاصيل تتمتع بقدرة أكبر على تحمل الجفاف.

تكاليف الزراعة تتضاعف وسط الحرب

لا يواجه المزارعون أزمة المياه وحدها، إذ تسببت الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في تدمير مساحات واسعة من البنية الزراعية وتعطيل الإنتاج ورفع تكاليف المدخلات.

ويزرع موسى يعقوب، البالغ من العمر 75 عاما، السمسم منذ عقود، لكنه يقول إن المواسم الزراعية الثلاثة التي خاضها خلال الحرب كانت كل واحدة منها أكثر صعوبة من سابقتها.

ويواجه يعقوب حاليا أرضا متشققة وتكاليف إنتاج ارتفعت إلى نحو أربعة أضعاف ما كانت عليه، في وقت لا يعرف فيه ما إذا كان سيتمكن من اجتياز الموسم الحالي.

وتزداد الأزمة بسبب ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، إذ يعتمد السودان على استيراد الوقود، كما يستورد الجزء الأكبر من احتياجاته من الأسمدة، التي شهدت أسعارها ارتفاعا حادا هذا العام.

ولاية الجزيرة.. عودة إلى الأراضي المحاصرة بالأزمات

وفي ولاية الجزيرة، التي تعد من أهم المناطق الزراعية في السودان، يحاول مزارعون استعادة أراضيهم بعد سنوات من الحرب والنهب والدمار.

وعاد حسن أحمد إلى قريته العام الماضي بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على المنطقة من قوات الدعم السريع، ليجد مزرعة عائلته التي تمتد ملكيتها لنحو قرن وقد تعرضت لأضرار واسعة، فيما ذبلت الأشجار والمحاصيل.

وبعد أشهر من العمل لإعادة الحياة إلى الأرض، وجد أحمد نفسه أمام مشكلة جديدة تتمثل في الانخفاض الكبير لمنسوب النيل.

ويقول المزارع، البالغ من العمر 63 عاما، إنه لم يشهد النهر بهذا الانخفاض خلال شهر أغسطس/آب طوال حياته.

وأوضح أن المزارعين كانوا في مثل هذا الوقت من العام ينقلون مضخات المياه بعدما تغمرها مياه الفيضان لمسافة عدة أمتار، لكن الوضع تغير تماما هذا الموسم، إذ بقيت المضخة في مكانها ولم يصل الفيضان إلى المستوى المعتاد.

65% من الأراضي الزراعية خارج دائرة الإنتاج

تضاف هذه الظروف إلى الانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما دفع كثيرا من المزارعين إلى التخلي عن أراضيهم.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، أصبحت نحو 65% من الأراضي الزراعية الشاسعة في السودان غير صالحة للزراعة، بينما اضطر مزارعون آخرون إلى ترك محاصيلهم بعد زراعتها بسبب عدم جدواها الاقتصادية.

ويقول المزارع محمد التيجاني، الذي يعمل في منطقة قريبة من الخرطوم، إن بعض المزارعين بدأوا زراعة محاصيلهم في بداية الموسم، لكنهم تركوها لاحقا تذبل وتموت بعدما تبين أن استمرار الإنفاق عليها لن يكون مجديا.

وهكذا يجد المزارع السوداني نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة: مياه أقل، وأرض أكثر جفافا، ومدخلات زراعية أغلى، وسوق متأثرة بالحرب والانكماش الاقتصادي.

أزمة غذاء تتسع تحت ضغط الحرب والمناخ

وتأتي أزمة الزراعة في السودان في ظل تداعيات إنسانية هائلة خلفتها الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، والتي أوقعت أكثر من 200 ألف قتيل، وفقا للأرقام الواردة في التقرير، ودفعت نحو 20 مليون شخص إلى حافة المجاعة.

كما أدى الصراع إلى نزوح أعداد ضخمة من السكان، وتعطيل سلاسل الإمداد، وتراجع القدرة على الوصول إلى الأراضي الزراعية والأسواق.

ومع تزامن هذه التداعيات مع الجفاف وانحسار مياه النيل وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، أصبحت قدرة السودان على إنتاج الغذاء محلية تواجه ضغوطا متزايدة.

وبالنسبة للمزارعين الذين بقوا في أراضيهم، لم تعد القضية مرتبطة بتحقيق الأرباح فقط، بل أصبحت محاولة للحفاظ على دورة الإنتاج والاستمرار في زراعة الأرض رغم الظروف القاسية.

ويختصر المزارع أحمد عثمان واقع الموسم الحالي بقوله إنه يدرك أنه لن يحقق ربحا، في ظل اقتصاد يعاني من الركود وفقدان معظم السكان مصادر دخلهم، لكنه يرى أن أداء العمل حتى النهاية يمثل في حد ذاته شيئا يمكن التمسك به وسط هذه الأزمات المتلاحقة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى