إيران تنقل معركتها إلى باطن الأرض.. الحرس الثوري يبني تحصيناته العسكرية لمواجهة الضربات المستقبلية

لم تعد المواجهة العسكرية بين إيران وخصومها محصورة في سباق التسلح التقليدي، أو في تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، بل أخذت تتجه بصورة متزايدة نحو معركة أخرى أقل ظهوراً وأكثر تعقيداً: معركة السيطرة على البنية التحتية العسكرية المحصنة تحت الأرض.
ففي تطور يعكس طبيعة التحولات التي تشهدها العقيدة الدفاعية الإيرانية، كشفت صور حديثة للأقمار الصناعية، نشرتها وسائل إعلام دولية، عن أعمال حفر وإنشاءات جديدة قرب عدد من المنشآت العسكرية والصاروخية الإيرانية، وسط تقديرات بأن الحرس الثوري يسعى إلى نقل مزيد من الأنشطة الإنتاجية والعسكرية إلى منشآت تحت الأرض، تفادياً لتكرار الأضرار التي لحقت بالبنية العسكرية الإيرانية خلال المواجهات الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأعاد تحقيق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في السادس من نوفمبر الجاري تسليط الضوء على هذه التحركات، مشيراً إلى رصد أعمال حفر وبناء في محيط قاعدتي غرمدره قرب طهران وشاهرود شمالي البلاد، فضلاً عن مؤشرات على إعادة تأهيل منشآت عسكرية أخرى، بينها قواعد صاروخية ومجمعات دفاعية.
ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على حجم الإنشاءات الجديدة، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة التحول الذي قد تكون إيران بصدد إحداثه في طريقة إدارة قدراتها العسكرية، من خلال تقليل اعتمادها على المنشآت المكشوفة، وتوسيع شبكة المرافق المحصنة التي يصعب تحديد محتوياتها أو تقدير قدرتها التشغيلية من خلال المراقبة الجوية والأقمار الصناعية.
منشآت تحت الجبال.. استراتيجية تتجاوز الحماية التقليدية
تدرك المؤسسة العسكرية الإيرانية أن التفوق الجوي الأميركي والإسرائيلي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه قدرتها على حماية منشآتها الاستراتيجية، خصوصاً في ظل امتلاك الطرفين وسائل متطورة للاستطلاع والتعقب والاستهداف الدقيق.
ومن هذا المنطلق، اكتسبت المنشآت العسكرية تحت الأرض أهمية متزايدة في الحسابات الدفاعية الإيرانية.
فبدلاً من تركيز الصواريخ والمعدات والذخائر ووسائل الإنتاج في منشآت ظاهرة يسهل رصدها، يوفر نقل بعض هذه الأنشطة إلى مجمعات محصنة داخل الجبال أو تحت طبقات خرسانية وترابية مستويات إضافية من الحماية.
وتسمح هذه المنشآت، من حيث المبدأ، بتوزيع المعدات والموارد على مساحات متعددة، وتقليل انكشافها أمام الاستطلاع الجوي، فضلاً عن توفير قدر من الاستمرارية للأنشطة العسكرية حتى في حال تعرض المنشآت الخارجية المحيطة بها للقصف.
وقد سبق لإيران أن كشفت عن نماذج من هذه المنشآت، أبرزها قاعدة «عقاب 44» الجوية تحت الأرض، التي أعلنت عنها عام 2023، وتضم حظائر وممرات محصنة لاستيعاب الطائرات والمعدات العسكرية.
ويكشف هذا النموذج أن التفكير في بناء قواعد عسكرية تحت الأرض ليس توجهاً طارئاً فرضته الضربات الأخيرة، وإنما جزء من مسار عسكري إيراني ممتد، يبدو أنه يتجه الآن إلى مزيد من التوسع والتطوير.
الحرس الثوري وإعادة بناء القوة الصاروخية
يحتل الحرس الثوري موقعاً محورياً في هذه الاستراتيجية، بالنظر إلى مسؤوليته عن جانب أساسي من البرنامج الصاروخي الإيراني، ودوره في إدارة منظومات عسكرية وصناعات دفاعية ذات طبيعة استراتيجية.
وتشير التقديرات التي أوردها التحقيق البريطاني إلى احتمال سعي الحرس الثوري إلى نقل بعض منشآت الإنتاج الصاروخي إلى مواقع أكثر تحصيناً، خصوصاً في المناطق التي تعرضت منشآتها العسكرية لضربات متكررة.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن استهداف قاعدة صاروخية لا يعني بالضرورة تدمير القدرة الإنتاجية أو المخزون العسكري المرتبط بها، إذا كانت أجزاء أساسية من هذه المنظومة موجودة داخل منشآت عميقة أو موزعة على مواقع متعددة.
كما أن إعادة بناء المداخل والأنفاق والمنشآت المساندة يمكن أن تسمح باستعادة جزء من القدرة التشغيلية التي تعطلت بفعل الضربات الجوية.
وهنا يظهر الفرق بين تدمير منشأة عسكرية وتعطيل منظومة عسكرية متكاملة؛ فالأول قد يتحقق بضربة جوية، أما الثاني فيتطلب استهداف حلقات متعددة تشمل الإنتاج والتخزين والاتصالات والنقل والقيادة والإمداد.
درس الضربات الجوية.. لماذا تراهن طهران على الأنفاق؟
أظهرت المواجهات العسكرية الأخيرة أن التفوق الجوي قادر على إلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت العسكرية المكشوفة، لكنه لا يضمن بالضرورة القضاء على جميع القدرات الموجودة داخل المنشآت المحصنة.
وتقدم تجربة المنشآت الإيرانية المحفورة في الجبال مثالاً على هذه الإشكالية.
فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية، في مناسبات متعددة، أن بعض مداخل الأنفاق العسكرية تعرضت للردم أو التدمير، بينما بقيت طبيعة الأضرار التي لحقت بالأجزاء العميقة من تلك المنشآت غير محسومة.
وفي يوليو الماضي، تحدثت تقارير عن تسارع أعمال إعادة بناء مداخل قواعد صاروخية إيرانية، بعد أن كشفت صور الأقمار الصناعية عن ترميم طرق الوصول وإزالة آثار الضربات وإعادة تأهيل بعض المرافق.
وتشير هذه الوقائع إلى أن إيران لا تراهن فقط على منع تدمير منشآتها، بل تسعى أيضاً إلى تقليص المدة الزمنية اللازمة لاستعادة نشاطها بعد تعرضها للهجمات.
معركة استخباراتية جديدة
لا تقتصر أهمية المنشآت تحت الأرض على قيمتها العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى تأثيرها على موازين المعلومات والاستخبارات.
فالمنشأة العسكرية المكشوفة تتيح للأقمار الصناعية ووسائل الاستطلاع تحديد طبيعة النشاط فيها، ورصد حركة المعدات والمركبات، ومتابعة مراحل البناء والتشغيل بدرجات متفاوتة من الدقة.
أما المنشآت المدفونة تحت الجبال أو المحاطة بتحصينات متعددة، فتجعل عملية تحديد محتوياتها ووظيفتها وحجم نشاطها أكثر صعوبة.
وهذا يعني أن نقل البنية العسكرية إلى باطن الأرض قد يفرض على أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية تطوير وسائل أكثر تعقيداً لتحديد طبيعة المنشآت الجديدة، والتمييز بين المرافق العسكرية والإنتاجية ومراكز التخزين.
كما أن الغموض المحيط بهذه المنشآت يضيف تحدياً إلى حسابات التخطيط العسكري، إذ يصبح تقدير حجم القدرات الإيرانية المتبقية أكثر صعوبة، حتى مع استمرار عمليات الاستطلاع والمراقبة.
هل تستطيع الأنفاق تحييد التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي؟
رغم المزايا التي توفرها المنشآت المحصنة، فإنها لا تمثل ضمانة مطلقة ضد الاستهداف.
فالمنشآت تحت الأرض تظل مرتبطة بشبكة من المرافق الخارجية، تشمل مداخل الأنفاق والطرق ومراكز الإمداد والطاقة والاتصالات والتهوية والمنشآت اللوجستية.
وبالتالي، فإن تحصين الجزء الداخلي لا يلغي نقاط الضعف المرتبطة بالبنية الخارجية، كما أن تعرض المداخل أو طرق الوصول للتدمير قد يؤدي إلى تعطيل المنشأة أو عزل المعدات الموجودة داخلها، حتى دون تدميرها بالكامل.
كذلك، فإن بناء هذه المجمعات وتشغيلها يتطلب موارد مالية وتقنية وبشرية كبيرة، فضلاً عن الحاجة إلى صيانة مستمرة وإمدادات منتظمة.
ومن ثم، فإن الرهان الإيراني على الأنفاق يمثل محاولة لرفع كلفة المواجهة وإطالة قدرة المنشآت العسكرية على الصمود، وليس وسيلة لإلغاء التفوق الجوي والتكنولوجي الأميركي والإسرائيلي.
البعد الاقتصادي.. كلفة التحصين في مواجهة أعباء إعادة الإعمار
ثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالكلفة الاقتصادية لهذه الاستراتيجية.
فإنشاء مجمعات عسكرية عميقة، وتجهيزها بأنظمة الحماية والطاقة والاتصالات والتخزين، يتطلب استثمارات ضخمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنشآت قادرة على استيعاب خطوط إنتاج أو معدات عسكرية ثقيلة.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات وتكاليف إعادة إعمار المنشآت المتضررة، تواجه طهران معادلة صعبة بين ضرورة إعادة بناء قدراتها العسكرية ومتطلبات معالجة الاختلالات الاقتصادية الداخلية.
وتثير هذه المعادلة تساؤلات حول حجم الموارد التي ستخصصها إيران لتطوير بنيتها العسكرية المحصنة، ومدى تأثير ذلك على أولويات الإنفاق العام والاستثمار في القطاعات المدنية.
فكلما اتجهت الدولة إلى توسيع الإنفاق العسكري والتحصينات الاستراتيجية، ازدادت أهمية الموازنة بين متطلبات الأمن القومي والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من سباق التحصينات
لا تنفصل التحركات الإيرانية عن طبيعة التنافس العسكري في الشرق الأوسط، حيث تتزايد أهمية الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والقدرات الاستخباراتية.
ومن المرجح أن يؤدي توسيع المنشآت العسكرية تحت الأرض إلى دفع خصوم إيران نحو تطوير وسائل أكثر تقدماً لاكتشاف هذه المنشآت وتعطيلها، بما يفتح الباب أمام سباق متجدد بين تقنيات التحصين ووسائل الاختراق والاستهداف.
كما أن استمرار إيران في تطوير هذه البنية قد يؤثر على حسابات الردع الإقليمي، لأن القدرة على الاحتفاظ بجزء من الترسانة العسكرية ومواصلة الإنتاج بعد الضربات تمنح طهران هامشاً إضافياً في إدارة الأزمات والمواجهات.
وفي المقابل، قد يدفع ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التركيز بصورة أكبر على استهداف البنية اللوجستية والإنتاجية، بدلاً من الاقتصار على ضرب منصات الإطلاق والمنشآت الظاهرة.
الخلاصة: إيران تعيد هندسة دفاعاتها لمواجهة حرب المستقبل
ما تكشفه صور الأقمار الصناعية والتحليلات العسكرية الأخيرة يتجاوز مجرد أعمال بناء متفرقة قرب قواعد صاروخية إيرانية.
إنه مؤشر على توجه نحو إعادة هندسة جزء من البنية العسكرية الإيرانية، بما يجعلها أكثر تحصيناً وأقل انكشافاً أمام الضربات الجوية، ويمنح الحرس الثوري خيارات إضافية للحفاظ على قدراته الإنتاجية والتشغيلية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما تثبته الصور من أعمال حفر وبناء وترميم، وبين التقديرات المتعلقة بالوظائف العسكرية الدقيقة للمنشآت الجديدة؛ إذ لا تتوفر حتى الآن معلومات علنية كافية لتأكيد أن جميع هذه المشاريع عبارة عن مجمعات إنتاج صاروخي تحت الأرض.
لكن المؤكد أن معركة إيران مع خصومها لم تعد تدور فوق الأرض وحدها؛ فجزء متزايد من حسابات القوة والردع والاستمرارية العسكرية بات يرتبط بما يمكن بناؤه وإخفاؤه وحمايته في أعماق الجبال.
وهكذا، يبدو أن طهران تحاول الانتقال من استراتيجية حماية الأسلحة إلى استراتيجية حماية المنظومة التي تنتجها وتخزنها وتديرها، وهو تحول قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، لتطال مستقبل التوازنات العسكرية والأمنية في المنطقة بأسرها.









