صحة

سرطان الثدي في العراق.. رحلة علاج شاقة بين نقص الأدوية وارتفاع التكاليف

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

في إحدى العيادات الخاصة بالعاصمة العراقية بغداد، تجلس أم مصطفى، وهي امرأة في الأربعينيات من عمرها، ممسكة بحقيبتها وتراجع وصفة طبية تتضمن اسم دواء تجد صعوبة كبيرة في الحصول عليه. فقد شُخّصت إصابتها بسرطان الثدي، ومع تطور المرض وظهور مؤشرات تستدعي استخدام علاج موجّه، أصبحت رحلة تأمين الدواء تحديا إضافيا يثقل كاهلها، إلى جانب معاناتها مع المرض.

وصف الطبيب لها عقار “تراستوزوماب ديروكسيتكان”، المعروف تجاريا باسم “إنهيرتو”، وهو علاج يستهدف حالات محددة من سرطان الثدي المرتبط بمستقبل HER2، وفقا لطبيعة الورم والعلاجات التي خضعت لها المريضة سابقا.

غير أن إدراج هذا الدواء ضمن خطتها العلاجية وضعها أمام أعباء مالية كبيرة، إذ تتراوح تكلفة القارورة الواحدة، بحسب مسح أُجري في عدد من صيدليات بغداد، بين 1500 و1800 دولار.

ومع تأخر الحصول على الجرعات بسبب ارتفاع تكلفتها، تتزايد مخاوف أم مصطفى من عدم الالتزام بالمواعيد العلاجية التي حددها الطبيب. فهي لا تستطيع استبدال الدواء أو تغيير موعد تناوله من تلقاء نفسها، في حين لا تملك ضمانات بتوافره عند حلول موعد الجرعة التالية.

وتكشف هذه المعاناة الفجوة بين الخطط العلاجية التي يضعها الأطباء والإمكانات المالية والعملية المتاحة للمرضى لتنفيذها في الوقت المحدد.

ورغم المعلومات المتعلقة باستيراد وزارة الصحة العراقية عقار “إنهيرتو”، فإن توفيره لا يعني بالضرورة تلبية احتياجات جميع المرضى أو تأمين الكميات المطلوبة لكل حالة. إذ تختلف الجرعات بحسب وزن المريضة والبروتوكول العلاجي المعتمد، وقد تحتاج بعض الحالات إلى جرعات متعددة، ما يزيد الأعباء على المريضات غير القادرات على تحمل التكلفة من أموالهن الخاصة.

نقص الأدوية وتحديات العلاج في المحافظات

ولا تقتصر صعوبات الحصول على العلاجات السرطانية على العاصمة بغداد، بل تمتد إلى عدد من المحافظات العراقية، حيث يواجه المرضى تحديات تتعلق بتوافر الأدوية وتكاليف العلاج والتنقل بين المؤسسات الصحية.

وفي محافظة ديالى، تستعيد علياء سعدون، البالغة من العمر 35 عاما، تجربتها مع سرطان الثدي، موضحة أنها بدأت تلقي العلاج الكيميائي في مدينتها، قبل أن تضطر إلى مراجعة مراكز طبية خارج المحافظة للحصول على العلاج الإشعاعي.

وتسلط تجربتها الضوء على المعاناة التي يواجهها مرضى السرطان في المحافظات، خصوصا عندما لا تتوافر جميع الخدمات العلاجية والأدوية اللازمة بالقرب من أماكن إقامتهم، ما يفرض عليهم أعباء مالية إضافية مرتبطة بالسفر والتنقل ومتابعة العلاج.

التشخيص المبكر يعزز فرص العلاج

في المقابل، تقدم تجربة نورا سمير، البالغة من العمر 32 عاما والعاملة في إحدى الشركات العقارية، نموذجا مختلفا لمسار العلاج، بعدما اكتُشفت إصابتها بسرطان الثدي في مرحلة مبكرة.

وبدأت نورا رحلتها العلاجية داخل العراق، حيث خضعت لعملية جراحية ناجحة، ثم واصلت تلقي الجرعات العلاجية وفق المواعيد المحددة، من دون مواجهة تأخيرات في المستشفى أو صعوبات تتعلق بالحصول على الأدوية.

وساعدها دفترها الصحي في الحصول على العلاجات المقررة، الأمر الذي مكّنها من الالتزام بالخطة الطبية ومواصلة حياتها اليومية وعملها بالتوازي مع العلاج.

وتبرز هذه التجربة أهمية الكشف المبكر عن سرطان الثدي، إلى جانب ضرورة ضمان توافر الأدوية واستمرار العلاج وفق المواعيد التي يحددها الأطباء.

ولا يعني اختلاف تجربتي أم مصطفى ونورا أن رحلة العلاج تتكرر بالطريقة نفسها لدى جميع المريضات، إذ تتأثر النتائج بعوامل متعددة، أبرزها مرحلة اكتشاف المرض ونوع الورم وطبيعة العلاج المطلوب ومدى توافر الأدوية. لكن المقارنة بين الحالتين توضح حجم التفاوت بين مريضة تتمكن من الحصول على علاجها بانتظام وأخرى تجد نفسها أمام معركة إضافية لتأمين الجرعات اللازمة.

العلاج يتحدد وفقا لطبيعة الورم وحالة المريضة

يوضح اختصاصي الأورام السرطانية ومدير مستشفى الأورام التعليمي في مدينة الطب، الدكتور وئام عبد الفتاح، أن علاج سرطان الثدي لا يعتمد على بروتوكول موحد لجميع المريضات، بل يُحدد بناء على مجموعة من المعايير، تشمل مرحلة المرض ونوع الورم وعمر المريضة ووضعها الصحي العام.

ويشير عبد الفتاح، في حديث للجزيرة نت، إلى أن التعامل مع المرض يبدأ بالكشف المبكر وإجراء الفحوصات اللازمة للوصول إلى تشخيص دقيق، قبل وضع خطة علاجية تتناسب مع طبيعة كل حالة واحتياجاتها الطبية.

وتتعدد الخيارات العلاجية المتاحة، لتشمل التدخل الجراحي الذي قد يتضمن الاستئصال الجزئي أو الكلي للثدي والعقد اللمفاوية في منطقة الإبط، إلى جانب العلاج الإشعاعي والكيميائي والمناعي والبيولوجي والهرموني، فضلا عن العلاجات الموجّهة.

ويختلف اختيار هذه الوسائل وترتيب استخدامها من مريضة إلى أخرى، وفقا لخصائص الورم ومدى استجابته للعلاج، وهو ما يجعل توفير جميع الأدوية المستخدمة عالميا تحديا كبيرا أمام المؤسسات والأنظمة الصحية.

ويلفت عبد الفتاح إلى أن أي دولة لا تستطيع تأمين جميع أدوية السرطان لمرضاها، بسبب تعدد الخيارات العلاجية وارتفاع أسعارها، فضلا عن اختلاف استجابة المرضى للأدوية. كما أن النتائج التي تعلنها الشركات المصنعة لا تعني بالضرورة تحقيق مستويات الاستجابة نفسها لدى جميع الحالات، الأمر الذي يستوجب إخضاع كل خيار علاجي لتقييم طبي دقيق قبل اعتماده.

ويضيف أن وزارة الصحة العراقية تضع خطة سنوية لاستيراد الأدوية، في إطار جهودها لتلبية الاحتياجات العلاجية وتوفير المستلزمات الطبية اللازمة.

وفي هذا السياق، يؤدي مجلس السرطان دور حلقة الوصل بين المرضى والمؤسسات والمراكز الصحية من جهة، ووزارة الصحة وإمكاناتها من جهة أخرى، من خلال المساهمة في تحديد الخيارات العلاجية المناسبة، سواء كانت متاحة داخل العراق أو تتطلب إحالة المرضى إلى مراكز متخصصة خارج البلاد.

الدولار الدوائي لتخفيف أعباء أسعار العلاج

وفي إطار البحث عن حلول لأزمة ارتفاع أسعار الأدوية، دعا المستشار في القطاع الصحي الدكتور محمد شيرخان الحكومة العراقية إلى اعتماد ما يُعرف بـ”الدولار الدوائي”، من خلال تثبيت سعر صرف الدولار المخصص لاستيراد الأدوية، مؤكدا أن هذه الخطوة تمثل ضرورة ملحة للحد من تقلبات الأسعار وضمان استمرار توفير العلاجات للمواطنين.

ويقترح شيرخان، في تصريحات للجزيرة نت، وضع آلية تنسيق مباشرة بين البنك المركزي ووزارتي المالية والصحة، تسمح بتحويل مستحقات الموردين استنادا إلى فواتير رسمية موثقة، مع ربط الاستفادة من هذا الدعم بالالتزام بالأسعار المحددة والمعتمدة رسميا.

وتهدف هذه الآلية إلى ضمان انعكاس الدعم المقدم على السعر النهائي للأدوية، بحيث يستفيد منه المرضى بصورة مباشرة، بدلا من تحوله إلى أرباح إضافية لدى حلقات الاستيراد والتوزيع.

وفي خطوة لدعم مرضى السرطان، وافق رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي على إنشاء صندوق مخصص لمساندتهم في العراق، وسط توقعات بأن يسهم الصندوق، بعد استكمال الإجراءات اللازمة، في تعزيز برامج الرعاية وتخفيف الأعباء المالية المرتبطة بتكاليف العلاج.

ويشدد شيرخان على أن الأدوية السرطانية تتمتع بخصوصية في منظومة التسعير الرسمية، إذ لا ينبغي أن تتغير أسعارها بالنسبة إلى المرضى مع كل تقلب في أسعار صرف العملات.

وبناء على ذلك، فإن الحفاظ على الأسعار المعتمدة يتطلب توفير العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد هذه الأدوية وفق سعر صرف يتناسب مع الأسس التي جرى اعتمادها عند تحديد أسعارها، بما يضمن استقرار تكاليف العلاج ويحد من الأعباء المالية التي تواجه مرضى السرطان وأسرهم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى