فضاء الرأي

متى يصبح لكل مواطن حق معلوم ومضمون في الوصول إلى المسؤول، دون وساطة أو نفوذ أو إذلال؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

معالي الوزير الأول، السادة الوزراء، الرأي العام الوطني،

هل حددت حكومتكم يومًا لاستقبال المواطنين والاستماع إلى انشغالاتهم؟ وهل أصبح تقريب الإدارة من المواطن ممارسة فعلية داخل القطاعات الحكومية، أم أنه لا يزال مجرد شعار يتكرر في الخطب والتصريحات الرسمية، دون أن يجد طريقه إلى واقع المراجعين الذين يقصدون الوزارات بحثًا عن حل لمشكلاتهم وإنصافهم في قضاياهم؟

إن الحديث عن تقريب الإدارة من المواطن لا ينبغي أن يظل حبيس الخطابات، بل يجب أن يتحول إلى سلوك مؤسسي ثابت، يبدأ بفتح أبواب المسؤولين أمام المواطنين، ويترجم في تخصيص أوقات معلومة لاستقبالهم، والاستماع إلى مطالبهم، والتفاعل مع تظلماتهم بجدية وشفافية، بعيدًا عن الوساطة والمحسوبية والاعتبارات الشخصية.

وبحسب ما نعاينه وما يتداوله المراجعون، فإن أبواب عدد من الوزراء والأمناء العامين ظلت عصية على المواطنين، سواء في ظل الحكومة السابقة أو مع التشكيلة الحكومية الحالية التي يقودها معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي. وفي خضم هذه الصورة، يبرز وزير العقارات وأملاك الدولة والإصلاح العقاري، السيد أنيانغ مامودو، بوصفه نموذجًا يستحق الإشادة والتثمين، لما يُعرف عنه من تخصيص يوم لاستقبال الجمهور، دون تمييز بين المواطنين على أساس المكانة الاجتماعية أو النفوذ أو الجهة أو المستوى التعليمي.

فالمواطن الذي يحظى بفرصة لقاء هذا الوزير يستطيع عرض مشكلته وشرح انشغالاته، ويجد من يستمع إليه ويتفاعل مع ما يطرحه بوضوح وصراحة. وهذه الممارسة، وإن بدت بسيطة في نظر البعض، تحمل دلالة كبيرة على طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المسؤول بالمواطن، وتؤكد أن المنصب الوزاري ليس حاجزًا يفصل صاحب القرار عن الناس، بل مسؤولية تفرض عليه الإنصات إليهم والعمل على معالجة مشكلاتهم في حدود القانون والإمكانات المتاحة.

وإذا كان هذا النموذج قائمًا داخل أحد القطاعات الحكومية، فلماذا لا يصبح ممارسة عامة تشمل بقية الوزارات؟ ولماذا يظل المواطن مضطرًا إلى البحث عن وسيط، أو الاستعانة بنائب برلماني أو شيخ قبيلة أو شخصية نافذة، حتى يتمكن من الدخول إلى مكتب مسؤول يفترض أنه يتولى خدمة جميع المواطنين دون استثناء؟

إن من المؤسف أن يشعر المواطن البسيط، الذي لا يملك نفوذًا اجتماعيًا أو سياسيًا، بأنه أقل حظًا في الوصول إلى المسؤول من غيره، وأن تصبح العلاقات الشخصية والوساطات بوابة عبور إلى المكاتب الحكومية، بينما يُترك أصحاب المطالب المشروعة أمام أبواب مغلقة أو في دوامة من الانتظار والمراجعات التي تستنزف وقتهم وجهدهم ومالهم، وقد تزيد معاناتهم بدل أن تضع حدًا لها.

والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المواطنين يلاحظون سهولة وصول أشخاص إلى مكاتب المسؤولين، في مقابل الصعوبات التي يواجهها آخرون لا يطلبون سوى فرصة لعرض مظالمهم. وهو تفاوت يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير الاستقبال، ومدى تكافؤ الفرص في الوصول إلى المسؤولين، وحدود تأثير العلاقات الشخصية في تسيير الشأن العام.

ولا يتعلق الأمر هنا بحرمان فئة من المواطنين من حقها في لقاء الوزراء، أو بالتقليل من أهمية اللقاءات التي يجريها المسؤولون مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وإنما بالمطالبة بوضع ضوابط واضحة تضمن ألا يكون النفوذ الشخصي شرطًا للوصول إلى صاحب القرار، وألا تتحول المكاتب الحكومية إلى فضاءات مفتوحة للبعض ومغلقة أمام البعض الآخر.

إن الدولة التي تحترم مواطنيها هي التي تميز بين المطالب المشروعة والاستعراضات، وبين النقد المسؤول ومحاولات الضغط غير المقبولة، وبين المواطن الذي يأتي إلى الإدارة طلبًا للإنصاف ومن يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة على حساب الآخرين. فالمسؤول الناجح ليس من يحيط نفسه بحواجز تحول دون وصول الناس إليه، ولا من يكتفي باستقبال أصحاب النفوذ، بل من يمتلك القدرة على تنظيم عمله بما يضمن الاستماع إلى المواطنين، واحترام كرامتهم، والتعامل مع قضاياهم وفق القانون.

ومن هنا، فإننا نرى أن كل وزير يتولى حقيبة حكومية ينبغي أن يجعل من استقبال المواطنين جزءًا أساسيًا من برنامجه الإداري، وأن يعلن عن يوم أو فترة أسبوعية محددة لاستقبال المراجعين، مع وضع آلية واضحة لتسجيل الطلبات والتظلمات ومتابعتها، حتى لا يتحول اللقاء إلى مجرد إجراء شكلي ينتهي بانصراف المواطن دون نتيجة.

كما أن الأمناء العامين ومديري المؤسسات والمصالح التابعة للقطاعات الحكومية مطالبون بدورهم بتكريس هذا النهج، كل في حدود اختصاصه، لأن تقريب الإدارة من المواطن لا يتحقق بقرار يصدر عن الوزارة فحسب، بل يحتاج إلى ثقافة إدارية تقوم على المسؤولية والشفافية واحترام المرفق العام.

لقد اعتدنا، مع كل تعيين وزاري جديد، أن نسمع تأكيدات بشأن تقريب الإدارة من المواطنين، وتحسين الخدمات، وتطوير الأداء، والانفتاح على انشغالات الناس. غير أن الاختبار الحقيقي لهذه الالتزامات يبدأ عندما يقف مواطن بسيط أمام باب الوزارة، حاملًا ملفًا أو تظلمًا أو مطلبًا مشروعًا، فلا يجد من يستمع إليه، أو يُطلب منه العودة مرارًا دون أن يعرف متى يستطيع لقاء المسؤول المعني بقضيته.

فما جدوى الحديث عن الإدارة القريبة من المواطن إذا ظل الوصول إلى الوزير امتيازًا لا يناله إلا من يمتلك الوساطة؟ وما قيمة الشعارات المتعلقة بخدمة المواطن إذا كان هذا الأخير عاجزًا عن إيصال صوته إلى المسؤولين الذين يفترض أنهم يعملون من أجله؟

معالي الوزير الأول،

إن المواطن الموريتاني يتطلع إلى حكومة تلامس واقع الناس، وتدرك حجم الصعوبات التي يواجهونها في حياتهم اليومية، وتتعامل مع المسؤولية الحكومية باعتبارها تكليفًا لخدمة المجتمع، لا امتيازًا يمنح صاحبه الحق في الابتعاد عن المواطنين أو التعامل معهم من موقع التعالي.

وهو يتطلع كذلك إلى وزراء يدركون أن هيبة الدولة لا تُصان بإغلاق الأبواب في وجه الناس، وإنما بفرض احترام القانون، وحسن تسيير المرافق العامة، والإنصاف في التعامل مع المواطنين، والاستجابة لمطالبهم المشروعة وفق الإجراءات المعمول بها.

وقد سبق لفخامة رئيس الجمهورية أن دعا المسؤولين إلى احترام المواطنين، والعمل على حل مشكلاتهم، وصيانة المال العام، وتسيير موارد الدولة بنزاهة وصدق، بما يحقق المصلحة العامة ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. وهي توجيهات تستوجب أن تجد ترجمتها العملية في مختلف الإدارات والقطاعات الحكومية، بدءًا من مكاتب الوزراء أنفسهم.

إن احترام المواطن ليس منّة من المسؤول، واستقباله ليس خدمة شخصية يقدمها له الوزير، بل هو مظهر من مظاهر المسؤولية العامة، وجزء من الالتزام الأخلاقي والإداري الذي تفرضه الوظيفة العمومية.

ولذلك، فإننا ندعو معالي الوزير الأول إلى اعتماد توجيه واضح يلزم أعضاء الحكومة بتخصيص أوقات معلنة لاستقبال المواطنين، والإعلان عنها بوسائل متاحة للجمهور، ووضع آليات عملية لمتابعة التظلمات والطلبات، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص في الوصول إلى المسؤولين.

كما ندعو السادة الوزراء إلى استلهام التجارب الإيجابية داخل الحكومة، وفي مقدمتها تجربة وزير العقارات وأملاك الدولة والإصلاح العقاري في استقبال المواطنين، والعمل على تعميم الممارسات التي تعزز الثقة بين الإدارة والمجتمع.

فالحكومة لا تُقاس فقط بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا بحجم التصريحات التي تصدر عنها، وإنما تُقاس أيضًا بمدى قدرتها على تخفيف معاناة المواطنين، وحماية حقوقهم، وفتح قنوات التواصل معهم، وتحويل الإدارة من متاهة مرهقة إلى مؤسسة تستقبل المواطن وتحترمه وتساعده على الوصول إلى حقه.

إن السؤال الذي نضعه أمام معالي الوزير الأول وأعضاء الحكومة والرأي العام الوطني واضح: متى يصبح لكل مواطن حق معلوم ومضمون في الوصول إلى المسؤول، دون وساطة أو نفوذ أو إذلال؟

ذلك هو جوهر تقريب الإدارة من المواطن، وتلك هي الخطوة التي ننتظرها من حكومة تريد أن تجعل خدمة المواطن معيارًا للأداء، والمسؤولية عنوانًا للعمل، واحترام كرامة الإنسان أساسًا للعلاقة بين الدولة ومواطنيها.

محمد عبد الله محمدن

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى