أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية.. هل تنجح مناورات نتنياهو في تأمين بقائه بالسلطة؟

تواجه الساحة السياسية الإسرائيلية أزمة في تشكيل الحكومة، في ظل عجز المعسكرين المتنافسين عن تحقيق الأغلبية البرلمانية اللازمة، وفق النتائج الأولية للانتخابات التي أظهرت تقدم معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بـ53 مقعدا، مقابل 48 مقعدا لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصدت القائمتان العربيتان 19 مقعدا، من أصل 120 مقعدا في الكنيست.
وتضع هذه النتائج القوى السياسية أمام مفاوضات معقدة لتأمين 61 مقعدا، وهي الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وسط خلافات بشأن التحالفات المحتملة، وتباين في مواقف الأحزاب من المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو أو دعم حكومة بديلة.
إرث التحالفات المنهارة
وتبرز تجربة نتنياهو في إدارة الائتلافات الحكومية السابقة بوصفها أحد العوامل المؤثرة في حسابات المعارضة، خصوصا بعد تجربته مع بيني غانتس عام 2020، حين اتفق الطرفان على تشكيل حكومة بالتناوب على رئاستها، قبل أن ينهار الاتفاق على خلفية الخلافات بشأن الموازنة العامة.
ويرى خبراء تحدثوا إلى «الجزيرة نت» أن هذه التجربة، إلى جانب خلافات سابقة مع شركاء سياسيين، أسهمت في تعميق انعدام الثقة بين نتنياهو وعدد من قادة المعارضة، ما يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق جديد يضمن تقاسم السلطة.
وأشار مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل، إمطانس شحادة، إلى أن سجل نتنياهو في التعامل مع شركائه يشمل تحولات في التحالفات منذ عام 2013، وصولا إلى الخلاف مع غانتس، معتبرا أن هذه التجارب تؤثر في استعداد الأحزاب المعارضة للدخول في شراكة معه.
من جانبه، رأى المحلل السياسي الإسرائيلي يوآف شتيرن أن تجربة التناوب مع غانتس عززت الشكوك بشأن إمكانية الالتزام بالاتفاقات السياسية، فيما اعتبر مدير المؤسسة الوطنية الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون أن قدرة نتنياهو على إعادة ترتيب التحالفات تواجه تحديا يتمثل في اتساع دائرة القوى الرافضة لاستمرار حكمه.
خمسة سيناريوهات لتشكيل الحكومة
وتتوزع السيناريوهات المطروحة للخروج من الأزمة بين استمرار حكومة تصريف الأعمال، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإقامة حكومة أقلية، ومحاولة استقطاب نواب من المعسكر المنافس، أو الاعتماد على دعم القوائم العربية.
ويتمثل السيناريو الأول في استمرار حكومة تصريف الأعمال فترة إضافية، بما يسمح لنتنياهو بمواصلة إدارة الملفات الحكومية والأمنية في ظل غياب اتفاق على ائتلاف جديد.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على تشكيل حكومة وحدة تجمع نتنياهو وآيزنكوت، مع احتمال استبعاد شخصيات من اليمين المتطرف، من بينها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. غير أن هذا الخيار يواجه خلافات سياسية وشخصية، فضلا عن صعوبة التوفيق بين مواقف المعسكرين بشأن تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب.
ويتمثل السيناريو الثالث في تشكيل حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت، تستند إلى دعم برلماني من القوائم العربية دون مشاركتها في الحكومة، بهدف تمرير تشريعات محددة، بينها إنشاء لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر 2023، قبل التوجه إلى انتخابات جديدة.
ويقوم السيناريو الرابع على محاولة نتنياهو استقطاب نواب أو كتل صغيرة من معسكر المعارضة، عبر تقديم عروض تتعلق بالمناصب الوزارية والمشاركة في صنع القرار، بما قد يغير موازين القوى داخل الكنيست.
أما السيناريو الخامس، فيتمثل في اعتماد المعارضة على دعم القوائم العربية لتأمين الأغلبية، وهو خيار تصطدم به خلافات سياسية وأيديولوجية، إلى جانب تحفظات داخل المعسكر المعارض بشأن طبيعة هذا التعاون وحدوده.
ضغوط أميركية لتجنب انتخابات جديدة
وتشكل المواقف الأميركية عاملا إضافيا في مفاوضات تشكيل الحكومة، إذ يشير التقرير إلى رغبة إدارة الرئيس دونالد ترمب في تجنب انتخابات جديدة قد تؤثر في التنسيق السياسي والأمني مع إسرائيل، وسط تصاعد التوترات الإقليمية.
وبحسب تقديرات الخبراء الذين تحدثوا إلى «الجزيرة نت»، تتجه واشنطن إلى تشجيع صيغة حكومية تضمن الاستقرار السياسي، مع إمكانية إشراك شخصيات ذات خلفيات عسكرية، في مسعى للتوفيق بين استمرار التعاون مع نتنياهو وتوسيع قاعدة الحكومة.
لكن هذه المساعي تواجه عقبات تتعلق بانعدام الثقة بين الأطراف الإسرائيلية، فضلا عن محدودية قدرة الإدارة الأميركية على فرض صيغة محددة على القوى السياسية داخل الكنيست.
وفي هذا السياق، يرى شتيرن أن الضغوط الأميركية قد تدفع باتجاه تسوية بين نتنياهو وآيزنكوت، لكنه يشير إلى أن الشكوك المتبادلة تظل عائقا أمام تقديم ضمانات بشأن الالتزام بأي اتفاق محتمل.
في المقابل، يقلل شحادة من قدرة ترمب على حسم الأزمة، معتبرا أن القرار النهائي سيظل مرتبطا بحسابات الأحزاب الإسرائيلية ومصالحها السياسية.
الحروب الإقليمية في حسابات الائتلاف
ولا تنفصل مفاوضات تشكيل الحكومة عن التطورات الأمنية في المنطقة، إذ يرى الخبراء أن المواجهة مع إيران والحرب في غزة ولبنان قد تؤثر في حسابات الأحزاب ومواقفها من تشكيل حكومة جديدة.
وبحسب شتيرن، قد يسعى نتنياهو إلى توظيف الملفات الأمنية للضغط باتجاه تشكيل حكومة طوارئ تضم أطرافا من المعارضة، مستندا إلى اعتبارات المواجهة الإقليمية والحاجة إلى تنسيق المواقف الأمنية.
في المقابل، يشير شحادة إلى أن نتنياهو يوظف العمليات العسكرية في خطابه السياسي لتأكيد ما يصفه بالإنجازات الأمنية، بينما تركز المعارضة على إخفاقات الحكومة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
كما يرى المدهون أن إشراك آيزنكوت في الحكومة قد يمنح إسرائيل فرصة لتحسين صورتها الدولية، في ظل الانتقادات المتزايدة لحربها على غزة والاتهامات المتعلقة بارتكاب جرائم إبادة، وهي اتهامات تنفيها إسرائيل.
أزمة مفتوحة على عدة احتمالات
وتعكس النتائج الأولية للانتخابات صعوبة تشكيل حكومة مستقرة في ظل غياب أغلبية واضحة لأي من المعسكرين، وتباين المواقف بشأن التحالفات الممكنة، واستمرار الخلافات بين نتنياهو وقادة المعارضة.
وبين استمرار حكومة تصريف الأعمال، ومحاولات تشكيل حكومة وحدة أو أقلية، واحتمال اللجوء إلى انتخابات جديدة، تبقى المفاوضات السياسية والضغوط الخارجية والتطورات الأمنية عوامل مؤثرة في مسار الأزمة، دون أن تحسم النتائج الأولية وحدها شكل الحكومة المقبلة.
المصدر: الجزيرة نت









