تحقيقات

صوملك تحت المجهر.. إلى متى يستمر نزيف الإخفاق الإداري؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


الثروة لا تصنع التنمية وحدها.. والكهرباء مفتاح النهوض الاقتصادي
تتجدد التساؤلات حول واقع الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، في ظل استمرار معاناة المواطنين من انقطاعات التيار الكهربائي، وما تثيره هذه الوضعية من مخاوف بشأن كفاءة التسيير، وفعالية الاستثمارات العمومية، ومدى قدرة الإدارة الحالية على وضع حد للاختلالات المتراكمة في هذا المرفق الحيوي.
فعلى مدى عقود، ضخت الحكومات المتعاقبة موارد مالية معتبرة في قطاع الكهرباء، وعينت أطرًا ومسؤولين، ومنحت الإدارات المتعاقبة صلاحيات واسعة، على أمل تطوير البنية التحتية وتحسين جودة الخدمات وتوسيع التغطية الكهربائية. غير أن استمرار المشكلات المرتبطة بالإمداد الكهربائي يفرض اليوم مراجعة جادة لنتائج تلك الاستثمارات، والبحث عن الأسباب التي حالت دون انعكاسها بالصورة المطلوبة على حياة المواطنين.
أين تذهب الاستثمارات إذا كانت الخدمة لا تزال دون التطلعات؟
إن تكرار انقطاعات الكهرباء في العاصمة نواكشوط ومناطق أخرى يطرح أسئلة جوهرية تتجاوز الأعطال الفنية الظرفية إلى طبيعة التخطيط، وكفاءة الصيانة، ومدى جاهزية المنشآت والمولدات، وقدرة الشبكات على الاستجابة للطلب المتزايد على الطاقة.
وإذا كانت بعض الاختلالات مرتبطة بتهالك المعدات أو محدودية قدرات التوليد، فإن الحل لا يكمن في الاكتفاء بتبرير الأعطال، بل في وضع خطة فنية واضحة لتحديث التجهيزات، وتأهيل الشبكات، وتوفير قطع الغيار، واعتماد برامج صيانة وقائية تستجيب للمعايير الفنية المعمول بها.
فموريتانيا، بما تمتلكه من موارد وإمكانات وفرص استثمارية، تحتاج إلى إدارة رشيدة توظف هذه الإمكانات في بناء منظومة كهربائية موثوقة، بدل استمرار الاعتماد على المعالجات المؤقتة التي قد تخفف الأزمة في لحظة، لكنها لا تضمن عدم تكرارها.
أزمة صوملك.. هل المشكلة في الإمكانات أم في الإدارة؟
لا يمكن اختزال أزمة الكهرباء في موريتانيا في نقص الموارد أو تقادم المعدات وحدهما؛ إذ تظل كفاءة التسيير، وجودة التخطيط، وصرامة المتابعة، وحسن توظيف الموارد عناصر حاسمة في نجاح أي سياسة عمومية تستهدف تطوير القطاع.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تقييم موضوعي لأداء الإدارات المتعاقبة على الشركة، وقياس النتائج المحققة مقارنة بالموارد التي أتيحت لها، مع تحديد المسؤوليات عن أوجه القصور، إن ثبتت، ووضع مؤشرات واضحة لمتابعة الأداء.
كما أن إدارة قطاع استراتيجي بحجم الكهرباء تتطلب خبرات فنية متخصصة في إنتاج الطاقة ونقلها وتوزيعها، إلى جانب الكفاءة الإدارية والقدرة على إدارة الموارد البشرية والمالية. ولا يكفي شغل المناصب الإدارية ما لم يقترن ذلك بإنجازات ملموسة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
إن المرحلة الراهنة تستدعي إعطاء الأولوية لمعايير الخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، بعيدًا عن أي اعتبارات لا تخدم المصلحة العامة، مع إخضاع الأداء للمحاسبة على أساس النتائج لا الوعود.
الكهرباء ليست خدمة ثانوية.. بل شرط أساسي للتنمية
لا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية مستدامة في ظل إمداد كهربائي غير مستقر؛ فالكهرباء ترتبط مباشرة بأداء المؤسسات والمصانع والمستشفيات والمدارس والمصالح التجارية، كما تؤثر في مناخ الاستثمار وقدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص العمل وتحسين الإنتاجية.
وكلما تكررت الانقطاعات، ارتفعت الأعباء على المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، وتراجعت قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بالكفاءة المطلوبة. لذلك، فإن إصلاح قطاع الكهرباء ليس شأنًا فنيًا يخص شركة صوملك وحدها، بل أولوية وطنية تتصل بمستقبل التنمية ومصداقية السياسات العمومية.
ومن الضروري، في هذا السياق، نشر معطيات واضحة عن حجم الاستثمارات الموجهة إلى القطاع، والقدرات الإنتاجية المتاحة، ونسب الأعطال، وأسباب الانقطاعات، وخطط الصيانة والتحديث، والآجال المحددة لمعالجة الاختلالات. فإتاحة المعلومات تتيح للرأي العام تقييم الأداء على أسس موضوعية، وتساعد على تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
متى تتحول الوعود إلى إصلاح حقيقي؟
إن المطلوب اليوم ليس مجرد تغيير الأسماء أو تدوير المسؤوليات، بل مراجعة شاملة لمنظومة التسيير، تبدأ بتشخيص فني ومالي مستقل، وتمر بإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية، وتنتهي بخطة إصلاح محددة الأهداف والآجال، تخضع للمتابعة والمساءلة.
كما أن تعيين إدارة جديدة، إذا اقتضت نتائج التقييم ذلك، ينبغي أن يستند إلى معايير معلنة تشمل الخبرة في مجال الطاقة، والنزاهة، والقدرة على تنفيذ البرامج، وتحقيق تحسن قابل للقياس في جودة الخدمة.
وفي المقابل، يجب ألا تتحول المطالبة بالمحاسبة إلى أحكام مسبقة على أشخاص بعينهم، بل ينبغي أن تقوم على نتائج موثقة وتقييم مهني يحدد مكامن الخلل والمسؤوليات بدقة.
الخلاصة:
لقد آن الأوان لفتح ملف صوملك بجدية، ووضعه على طاولة الإصلاح بعيدًا عن المجاملات والحلول المؤقتة. فاستمرار الاختلالات، إن أكدته المؤشرات الفنية، يستوجب مراجعة السياسات المتبعة ومساءلة المسؤولين وفق نتائج التقييم، مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان خدمة كهربائية مستقرة وموثوقة.
فالدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من ثروات وإمكانات، بل بقدرتها على تحويل تلك الإمكانات إلى خدمات فعالة وتنمية ملموسة. والكهرباء، في بلد يتطلع إلى توسيع الاستثمار وتحريك عجلة الاقتصاد، ليست ترفًا ولا مطلبًا ثانويًا؛ إنها إحدى الركائز الأساسية لبناء المستقبل.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن الموريتاني إجابة عملية عنه: متى تنتقل معالجة أزمة الكهرباء من دائرة التبرير إلى مرحلة الإصلاح الجاد، ومن الوعود المتكررة إلى نتائج يلمسها المواطن على أرض الواقع؟

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى