فضاء الرأي

مقطع لحجار.. هل نحن أمام نضج سياسي أم هدوء يسبق العاصفة؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

كان مشهد مقطع لحجار السياسي هذا المساء باعثاً على شيء من التفاؤل.
اتساع الحضور، وتعدد الوجوه، وغياب الخطاب الطائفي الصريح، واجتماع مختلف الفاعلين في مهرجان واحد، كلها مؤشرات تستحق أن تُقرأ بإيجابية، خصوصاً من شخص ينتمي إلى هذه المقاطعة، وولد في بيئتها، وعرف السياسة ومارس بعض أنشطتها، ويعرف أن ما يبدو في الصورة أحياناً لا يعكس بالضرورة كل ما يجري خلفها.

ولذلك، فإن الاحتفاء بهذا المشهد لا يحتاج إلى تردد، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى قدر من التحفظ.

فالنضج السياسي لا يُقاس فقط بقدرة الناس على الاجتماع في مهرجان، ولا بغياب المشهد الصدامي في لحظة معينة، وإنما يُقاس أيضاً بطريقة توزيع النفوذ، وبمدى احترام الفاعلين لبعضهم، وبقدرة من يملكون التأثير على استيعاب المختلف، لا إسكات صوته، وعلى فتح المجال أمام الكفاءات، لا حصر القرار في دائرة ضيقة.

وهنا تحديداً تكمن بعض الهنات التي تجعلني غير قادر على استكمال صورة النضج التي حملها المشهد، وإن كنت أتمنى أن تكون تلك الصورة هي بداية تحول حقيقي في ممارسة السياسة داخل المقاطعة.

حين تختزل السياسة في عدد الأصوات

من أكثر ما يثير القلق أن يصبح معيار “الأهمية” السياسية هو امتلاك الأصوات وحدها.

فالأصوات عنصر أساسي في العمل السياسي بلا شك، لكنها ليست وحدها السياسة، وإلا تحولت العملية السياسية إلى ما يشبه التداول في الأسواق: هذا يملك عدداً من الأصوات، وذاك يملك عدداً آخر، ومن يملك أكثر يصبح أحق بالحضور والتأثير.

السياسة أوسع من ذلك بكثير.

هناك التاريخ، والكفاءة، والخبرة، والحضور الاجتماعي، والقدرة على الإقناع، والاستقلالية، والأخلاق السياسية، والأهم من ذلك كله: القدرة على جمع الناس لا تقسيمهم.

وحين يصدر هذا المنطق ممن يفترض فيه أن يمثل موقعاً رسمياً، فإن الأمر لا يعود مجرد رأي شخصي، بل يصبح مؤشراً على فهم يحتاج إلى مراجعة؛ لأن مهمة ممثل السلطة أو الحزب ليست أن يختزل المشهد في ميزان أصوات، وإنما أن يساعد على بناء توازن يتيح لأكبر عدد ممكن من الفاعلين المشاركة والتعبير.

حين يصبح النفوذ أضيق من المقاطعة

المشكلة الأكبر ليست في أن يحظى بعض الشباب بفرص أو عناية من أصحاب النفوذ. فهذا أمر طبيعي، وقد تكون وراءه علاقات قديمة نشأت منذ الطفولة، أو ثقة تراكمت عبر الزمن، أو قناعة بكفاءة أصحابها.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول تلك العلاقة إلى احتكار لمساحة القرار.

فمقطع لحجار أكبر من أن تختصر طاقاته السياسية والاجتماعية في دائرة محدودة، وأغنى من أن يُنظر إلى مستقبله من خلال مجموعة قليلة من الأشخاص، مهما كانت مكانتهم أو قربهم من مراكز النفوذ.

والمفارقة أن الاحتفاظ ببعض الوجوه القديمة في المشهد لا يعني بالضرورة إشراكها فعلياً. فقد يكون إبقاء بعض الكهول في الصورة نوعاً من تحييدهم لا تمكينهم؛ أي وضع “الطين على أيديهم”، حتى لا يستطيعوا أن يشكلوا عثرة أمام صعود فتى جديد إلى الواجهة.

وهذا، إن صح، ليس تجديداً سياسياً، وإنما إعادة ترتيب للنفوذ بأسماء جديدة.

منطق الربح والخسارة لا يكفي لإدارة السياسة

ولعل المسألة الأعمق تتصل بطبيعة الثقافة التي يُدار بها النفوذ.

فالذي يدخل الحياة العامة بعقلية السوق، ويظل ينظر إلى الناس والعلاقات من خلال ثنائية الربح والخسارة، ورأس المال والعائد، قد ينجح في إدارة صفقة، أو بناء شبكة مصالح، أو تحقيق نفوذ سريع؛ لكنه يحتاج إلى شيء آخر حتى ينجح في إدارة مجتمع.

فالسياسة ليست تجارة بطاقات انتخابية.

والناس ليسوا أرقاماً في دفتر حساب.

والنفوذ السياسي ليس رأس مال شخصياً يمكن استعماله متى شاء صاحبه وكيف شاء.

السياسة، في جوهرها، فن إدارة الاختلاف، وبناء التوازن، واستيعاب الخصوم قبل الأنصار، وإعطاء كل ذي حضور حقه في أن يكون جزءاً من المشهد.

ومن هنا، فإن حصر النفوذ في يد شاب، لم تتح له ربما فرصة كافية لاكتساب أدوات السياسة خارج منطق السوق والربح والخسارة، قد ينتج نفوذاً قوياً في المدى القصير، لكنه لا ينتج بالضرورة ممارسة سياسية ناضجة.

الهدوء ليس دائماً انسجاماً

وهنا أصل إلى النقطة التي أراها أكثر أهمية.

قد يكون ما شهدته مقطع لحجار اليوم بداية انسجام سياسي حقيقي، وهذا ما أتمناه.

لكن قد يكون أيضاً مجرد هدوء يسبق العاصفة.

فالهدوء يصبح بشارة حين تكون أسبابه هي التفاهم، وتوسيع المشاركة، واحترام المختلف، والاقتناع بأن المقاطعة ملك لجميع أبنائها.

أما إذا كان سببه إسكات بعض الأصوات، وتحييد بعض الشخصيات، وإعادة توزيع النفوذ بصورة تجعل القرار محصوراً في يد واحدة أو دائرة ضيقة، فإن الهدوء لا يكون دليلاً على النضج، وإنما على تأجيل الخلاف.

ومقطع لحجار لا يحتاج إلى تأجيل الخلافات، بل يحتاج إلى إدارة خلافاته بطريقة ناضجة.

رسالة إلى من يملك النفوذ

من حق أي نافذ أن يكون له رأي، وأن يدعم من يثق بهم، وأن يسعى إلى بناء مشروع سياسي يراه مناسباً.

لكن النفوذ الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يستطيع صاحبه إسكاتهم، وإنما بعدد الأشخاص الذين يستطيع جمعهم حول رؤية مشتركة.

والقوة السياسية ليست أن تجعل الآخرين يخشون مخالفتك، وإنما أن تجعلهم يرون في اختلافهم معك أمراً ممكناً دون أن يخسروا حقهم في الحضور.

وإذا كان المقصود بناء جيل سياسي جديد في مقطع لحجار، فذلك لا يتحقق بإزاحة جيل لصالح جيل، ولا بإبقاء بعض الوجوه القديمة للزينة، ولا باختيار شاب واحد ليكون مفتاحاً لكل الأبواب.

التجديد الحقيقي هو أن تتسع الدائرة.

مقطع لحجار أكبر من الأشخاص

لقد عرفت مقطع لحجار رجالاً ونساءً مارسوا السياسة قبل أن تصبح السياسة وظيفة أو وسيلة للوصول إلى النفوذ. وعرفت أجيالاً اختلفت، وتنافست، وتحالفت، ثم عادت إلى بعضها دون أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة.

ولذلك فإن ما أراه اليوم لا ينبغي أن يكون معركة بين قديم وجديد، ولا بين كهول وشباب.

المطلوب أن يكون تزاوجاً بين الخبرة والحيوية.

أن يجد الشاب مكانه دون أن يُقصى الكبير.

وأن يستفيد الجديد من تجربة من سبقه دون أن يصبح أسيراً لها.

وأن يُعطى صاحب الكفاءة حقه ولو لم يكن من أصحاب الأصوات الكثيرة.

وأن يكون لصاحب الأصوات حضوره، دون أن يتحول عدد أصواته إلى رخصة لإلغاء الآخرين.

تلك، في تقديري، هي السياسة التي تستحق أن نسميها ناضجة.

أما أن يجتمع الناس في مهرجان واحد ثم يخرج بعضهم منه وهم يشعرون أن القرار قد حُسم في مكان آخر، وأن أسماء بعينها قد قُررت سلفاً، وأن أصواتاً أخرى لا قيمة لها إلا بقدر ما تملكه من بطاقات، فذلك ليس انسجاماً كاملاً، مهما بدا المشهد هادئاً.

لذلك أعود إلى التفاؤل الذي بدأت به، لكنني أضع إلى جانبه سؤالاً مشروعاً:

هل كان ما شهدناه اليوم بداية نضج سياسي حقيقي في مقطع لحجار، أم مجرد هدوء مؤقت يخفي أسباباً لم تُعالج بعد؟

أتمنى أن تكون الإجابة هي الأولى.

فمقطع لحجار تستحق أكثر من أن تتغير أسماء المتنفذين؛ إنها تستحق أن تتغير قواعد ممارسة النفوذ نفسها.

وهنا يبدأ النضج السياسي الحقيقي.

حمادي سيدي محمد آباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى