فضاء الرأي

خرافة المبادئ.. عندما يُروَّض المثقف

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

يتحول بعض المثقفين، الذين قضوا سنوات في الحديث عن هموم الناس والدفاع عن حقوقهم والتعبير عن تطلعاتهم إلى حياة أكثر عدلاً وكرامة، إلى جزء من أبواق السلطة بمجرد أن يجدوا أنفسهم داخل دائرة القرار أو في منصب ذي شأن.

في تلك اللحظة، تتراجع الذاكرة شيئاً فشيئاً؛ تُنسى المواقف القديمة، ويخفت صوت الاحتجاج، ويصبح ما كان بالأمس قضية مبدئية مجرد خطاب محفوظ في أرشيف الماضي.

والتدجين، في جوهره، ليس سوى تحويل القوة إلى طاقة قابلة للسيطرة. فالحيوان الذي يُراد استخدامه في السباق يُغذى وفق غاية محددة، والذي يُراد تسمينه يُعزل عن ظروف البرية حتى يفقد شيئاً من قدرته على المقاومة. وفي الحالتين، تكون النتيجة كائناً جرى إعداده ليؤدي وظيفة رسمها له غيره.

وهذه الصورة تصلح، إلى حد بعيد، لوصف ما يحدث للمثقف حين يدخل دائرة الامتياز. فالتدجين السياسي أو الاجتماعي لا يبدأ عادة بأوامر مباشرة، بل يبدأ بمنصب، ثم امتياز، ثم حماية، ثم شبكة من المصالح تجعل صاحب القلم أكثر حذراً في اختيار كلماته، وأكثر ميلاً إلى الصمت أمام ما كان بالأمس يرفضه بلا تردد.

المثقف الحر يشبه الكائن الذي عاش طويلاً في البرية؛ لا ينتظر طعامه من أحد، ولا يألف القفص، ولذلك يحتفظ بقدرته على المقاومة والمواجهة. أما من اعتاد الطعام الجاهز والعيش المريح داخل الأسوار، فقد يصبح مع الوقت أقل قدرة على العودة إلى حياة الاستقلال.

فالأسد الذي يعيش في البرية يظل يقظاً، خفيف الحركة، قادراً على مطاردة فريسته ومواجهة خصومه، لأنه لم يعتد أن يأتيه الغذاء إلى مكانه. أما أسد الحديقة، مهما بدا ضخماً وقوياً، فقد يفقد كثيراً من صفات الوحش الذي تصنعه الحياة المفتوحة، لأن وفرة الطعام والأمان المستمرين يجعلان حاجته إلى الصيد والمغامرة أقل.

ومن هنا يمكن فهم التحول الذي يصيب بعض أصحاب الخطاب العام. فالشخص الذي كان يملأ المنابر حديثاً عن الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وضرورة توفير شروط الحياة الكريمة للمواطنين، قد ينتقل فجأة إلى موقع آخر، فيجد نفسه داخل دائرة السلطة، حيث تختلف قواعد اللعبة وتصبح للكلمة كلفة وللموقف ثمن.

في البداية، قد يظن أنه قادر على الاحتفاظ باستقلاله، وأن المنصب لن يغير شيئاً من قناعاته. لكن الامتيازات المتراكمة تفعل فعلها بصمت. شيئاً فشيئاً، تتغير الأولويات، وتصبح المحافظة على الموقع أكثر أهمية من المحافظة على الموقف، ويتحول النقد إلى مجاملة، والاعتراض إلى تبرير، والصمت إلى وسيلة للبقاء.

وحين يستقر هذا الوضع، يصبح المثقف شبيهاً بالكبش المربوط؛ وجوده قريباً من القطيع قد يبدو مطمئناً، لكن قدرته على الفعل تكون قد قُيدت، لأن الرباط لم يعد يسمح له بالحركة خارج المساحة المرسومة له.

والأخطر أن عملية التدجين قد تجعل صاحبها يشارك بنفسه في حماية القفص الذي أصبح يعيش داخله، فيدافع عن القيود التي كانت بالأمس تستفزه، ويبرر الممارسات التي كان يعتبرها اعتداءً على الحريات، وربما يهاجم من بقي خارج السياج لأنه اختار ألا يدخل إليه.

غير أن لكل علاقة منفعة نهاية. فإذا انتهت حاجة السلطة إلى المثقف، أو تبدلت موازين المصالح، قد يجد نفسه خارج الدائرة التي اعتادها. عندها يحاول العودة إلى لغته القديمة، وإلى مبادئه السابقة، وإلى جمهوره الأول.

لكن العودة قد تكون أصعب مما يتصور.

فالسنوات التي قضاها داخل دائرة الامتياز تكون قد تركت أثرها عليه؛ تغيرت عاداته، وتبدلت حساباته، وربما أصبح بعيداً عن الناس الذين كان يتحدث باسمهم. وقد يكتشف أن المسافة التي تفصله عنهم لم تعد تُقطع بخطاب واحد أو بمقالة واحدة.

إنها مفارقة التدجين: قد يدخل الإنسان إلى القفص وهو يظن أنه يستطيع الخروج متى شاء، لكنه بعد أن يعتاد ما يوفره له القفص من راحة وأمان وامتيازات، يكتشف أن الأبواب التي كانت واسعة أصبحت في نظره ضيقة.

وهنا تسقط خرافة المبادئ؛ فالمبدأ الحقيقي ليس ما نقوله عندما نكون خارج السلطة، وإنما ما نتمسك به عندما تصبح لدينا أسباب كثيرة للتنازل عنه.

أما المثقف، فإن قيمته الحقيقية لا تُقاس بقربه من أصحاب القرار، ولا بحجم الامتيازات التي يحصل عليها، وإنما بقدرته على الاحتفاظ باستقلاله، وعلى قول ما يراه حقاً، حتى عندما تكون الكلمة مكلفة.

فالمنصب ينتهي، والامتياز يزول، والسلطة تتغير، لكن أثر الكلمة يبقى. ومن يبيع صوته من أجل موقع مؤقت قد يربح مقعداً في السلطة، لكنه يخسر المساحة الأهم التي منحته قيمة في أعين الناس: حرية أن يقول لا عندما يكون قول «لا» هو الموقف الصحيح.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى