حين تكون وزيرة التربية تتعاورها سهام الذباب الألكتروني متجهة صوبها أقول إن:”العدالة لا تعني الإقصاء.. والقرابة ليست دليل

محمد عبد الله ولد بين يكتب:
في كل مرحلة إصلاحية يشتد الجدل، وتتسع دائرة الاتهامات، ويصبح الرأي العام أكثر حساسية تجاه كل قرار إداري، خصوصًا إذا تعلق بالتعيينات والتحويلات والترقيات. وهذا أمر مفهوم، لأن قطاع التربية والتعليم ظل لسنوات طويلة يعاني اختلالات عميقة، حتى ترسخت لدى كثير من العاملين فيه قناعة بأن الواسطة والمحسوبية أصبحتا أقصر الطرق إلى الحقوق.
وحين جاءت معالي الوزيرة هدى بنت باباه، وجدت قطاعًا مثقلًا بإرث ثقيل من المظالم والتفاوت في الفرص، ولم يكن إصلاح هذا الواقع بالأمر اليسير. ومن الإنصاف أن يقال إن أي مسؤول يتولى إدارة مؤسسة بهذا الحجم لا يستطيع إزالة كل الاختلالات بين ليلة وضحاها، لكن يمكن الحكم عليه من خلال الاتجاه الذي يسير فيه، والإجراءات التي يرسخها.
ومن أبرز ما يحسب للإصلاحات التي شهدها القطاع إرساء منظومة رقمية للتحويلات، حدّت بصورة غير مسبوقة من التدخل البشري، وأتاحت للمدرسين تقديم طلباتهم ومتابعتها وفق معايير معلنة، دون وساطة أو نفوذ أو تكاليف خفية. وقد لمس آلاف المدرسين أثر هذه المنصة، بعد أن كانوا يعتقدون أن الوصول إلى التحويل العادل ضرب من المستحيل.
كما شهدت الترقيات اعتماد مقتضيات قانونية وتنظيمية أكثر وضوحًا، بحيث أصبحت المعايير معروفة، ولم تعد القرارات – في كثير من الحالات – رهينة المزاج الشخصي أو العلاقات الخاصة كما كان يحدث في مراحل سابقة.
وهذا لا يعني الادعاء بأن الكمال قد تحقق، أو أن الأخطاء لم تقع، أو أن كل قرار أصبح فوق النقد. فكل عمل بشري يظل عرضة للمراجعة والتصويب، وكل مسؤول يخضع للمساءلة والنقد الموضوعي. غير أن الفرق كبير بين النقد القائم على الأدلة، وبين إطلاق الاتهامات لمجرد وجود صلة قرابة أو انتماء اجتماعي.
إن مجرد كون موظف ما قريبًا لمسؤول، أو من جهته، أو من حاضنته الاجتماعية، لا يجرده من حقوقه الوظيفية، كما لا يجعله مدانًا تلقائيًا. فهل هؤلاء المعينون أو المحولون ليسوا موظفين في القطاع؟ وهل حرموا من حقهم في التعيين أو التحويل لمجرد أنهم تجمعهم قرابة أو انتماء اجتماعي بالوزيرة؟ وهل أصبح الانتماء العائلي سببًا للإقصاء بعد أن كان البعض يطالب بأن يكون سببًا للتفضيل؟
إن العدالة لا تتحقق بإقصاء الأقارب، وإنما تتحقق عندما يخضع الجميع، قريبًا كان أو بعيدًا، للمعايير نفسها. فإن استوفى الشروط استحق حقه، وإن لم يستوفها فلا تنفعه قرابة ولا جاه.
أما إذا وجدت حالة ثبت فيها أن شخصًا عُيّن أو رُقّي أو حُوّل خلافًا للقانون، فحينها يجب أن تقدم الأدلة، وأن تراجع الإدارة قرارها، وأن يحاسب المسؤول عن المخالفة. فالدولة الحديثة لا تبنى بالشائعات، ولا تسقط بالمنشورات المتداولة، وإنما تبنى بالوثائق والشفافية وسيادة القانون.
إن الرأي العام بحاجة إلى الحقيقة كاملة، لا إلى نصف الحقيقة. ويحتاج إلى ميزان واحد يزن به الجميع؛ فلا يتحول النقد إلى خصومة شخصية، ولا يصبح الدفاع تبريرًا لكل شيء.
فالإنصاف يقتضي أن نعترف بما تحقق من إصلاحات حقيقية في رقمنة التحويلات وتنظيم الترقيات، كما يقتضي أن نطالب بمزيد من الشفافية والرقابة، حتى تظل الكفاءة وحدها هي معيار التقدم، ويظل القانون فوق الجميع، دون تمييز ولا محاباة.





