فضاء الرأي

ردا على مقال الأستاذ إبراهيم رمضان: بين المطالبة بالإنصاف وصناعة القطيعة

قرأتُ مقال إبراهيم بلال رمضان الطويل، فوجدتُ فيه قدراً كبيراً من الألم الحقيقي، ممزوجاً أيضاً بقدر كبير من التعميم والتناقض ومحاولة تحميل مكوّن اجتماعي كامل مسؤولية فشل الدولة وتراكمات التاريخ.

ومن حق أي مواطن أن يطالب بالإنصاف، وأن يرفض الغبن، وأن ينتقد اختلالات التوظيف والتمثيل والعدالة الاجتماعية، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل ذلك إلى خطاب يوحي بأن مجتمعاً بأكمله يعيش على اضطهاد مجتمع آخر، وكأننا أمام شعبين متقابلين لا داخل وطن واحد.

السؤال الأساسي الذي يتجنبه المقال هو:

هل يريد أصحاب هذا الطرح إصلاح الدولة أم إعادة تعريف المجتمع؟

لأن الفرق كبير بين الأمرين.

إذا كان المقصود أن لحراطين قومية مستقلة بهوية منفصلة عن البيظان، فليُقل ذلك بوضوح. لكن هل سيكون هذا هو الحل فعلاً؟ هل سيشعر الحرطاني بالكرامة فقط إذا أُعلن أنه ليس من هذا المجتمع؟ وهل الانفصال النفسي والاجتماعي سيخلق تنمية وعدالة وفرص عمل؟ أم أنه سيفتح أبواب صراعات جديدة لا نهاية لها؟

ثم إن المقال يتحدث وكأن “البيظان” كتلة واحدة من الأثرياء والنافذين، بينما الواقع أن أغلبية البيظان أنفسهم يعيشون الفقر والبطالة والهشاشة وغياب العدالة، ويعانون من نفس الدولة الريعية التي تنتج التفاوت والزبونية والإقصاء.

فهل ساكنة الأحياء الفقيرة والقرى المنسية من البيظان يملكون المصارف والشركات والمناصب العليا؟

وهل الشاب البيظاني العاطل في الداخل يعيش في رفاه حتى يُقدَّم باعتباره جزءاً من طبقة مستفيدة؟

المشكلة في موريتانيا ليست “عرقاً ضد عرق”، بل نظام هش قائم على النفوذ والقرابة والزبونية واستغلال الدولة من طرف شبكات محدودة، وهذه الشبكات تضم من كل المكونات، بما فيها لحراطين أنفسهم.

أليس بين لحراطين وزراء وولاة وقادة عسكريون ومدراء ورجال أعمال ونواب وأطباء وأطر كبار؟

صحيح أن نسبتهم أقل من غيرهم، لكن هل السبب دائماً مؤامرة عرقية منظمة؟ أم أن هناك عوامل أخرى تتعلق بالتعليم والتراكم التاريخي والبنية الاجتماعية والثقافة الاقتصادية وضعف الولوج إلى المدرسة في فترات سابقة؟

ثم إن المقال يقع في تناقض واضح:

فهو من جهة يقول إن لحراطين تعرضوا للإقصاء الكامل، ثم يعود ليقول إن السلطة تمنح بعضهم المناصب والثروة “لشراء المواقف”.

إذاً هناك حضور داخل الدولة، لكن المشكلة ليست وجود “منع مطلق”، بل طبيعة النظام السياسي كله، الذي يصنع الولاءات ويستخدم الجميع.

أما الحديث عن “الدونية”، فهو موضوع معقد لا يُختزل في شماعة جماعية اسمها “البيظان”.

الشعور بالدونية قد تصنعه ظروف الفقر، وضعف التعليم، والهشاشة النفسية، والنظرة الاجتماعية، وحتى طبيعة الشخصية نفسها. كما أن صعود المال والنفوذ في هذا العصر كفيل بتغيير نظرة المجتمع بسرعة مذهلة؛ فكم من أشخاص لم يكن لهم وزن اجتماعي ثم فرضتهم الثروة أو العلم أو النفوذ!

ولهذا فإن علاج المشكلة لا يكون بتوسيع الجرح يومياً وتحويله إلى وقود للكراهية، بل ببناء شراكة بين المظلومين جميعاً ضد الفساد والاحتكار وغياب العدالة.

ولو تقارب الفقراء والمهمشون من كل المكونات لكان تأثيرهم على الدولة أقوى بكثير من خطاب تقسيم المجتمع إلى “سادة” و”ضحايا” بشكل دائم.

كما أن المقال يستخدم خطاباً خطيراً يقوم على الإيحاء بأن كل دعوة للوحدة الوطنية ليست سوى محاولة لإخضاع لحراطين وإبقائهم في “الدونية”.

وهذا تبسيط مخلّ.

فالناس قد تدعو للوحدة لأن البديل هو التفكك، لا لأنهم يريدون استمرار الظلم.

ثم إن صاحب المقال يهاجم التعميم حين يتعلق بلحراطين، لكنه يمارسه بشكل واسع ضد البيظان، فيحمّل ملايين البشر مسؤولية تصرفات أفراد أو نخب سياسية أو مدونين أو مستفيدين من السلطة.

وهنا يسقط الخطاب في نفس المرض الذي يدّعي مقاومته.

لا أحد ينكر أن آثار الاستعباد التاريخي تركت جروحاً عميقة، ولا أحد عاقل يرفض الإنصاف أو تكافؤ الفرص أو التنمية الموجهة للمناطق المهمشة، لكن تحويل القضية إلى مواجهة هوياتية مفتوحة لن يبني دولة ولن يصنع عدالة.

بل سيحوّل الجميع إلى قبائل خائفة من بعضها البعض.

موريتانيا لا تحتاج إلى خطاب يزرع الشك المتبادل، بل إلى دولة قانون، ومدرسة عادلة، واقتصاد يفتح الفرص، وإدارة لا تسأل المواطن عن أصله قبل حقه.

أما تحويل كل تفاوت اجتماعي إلى معركة عرقية، فهو طريق سهل للشحن العاطفي، لكنه طريق خطير على مستقبل البلد.

والأخطر من ذلك أن بعض النخب أصبحت تستثمر في الألم الاجتماعي بدل أن تبحث له عن حلول، لأن بقاء الجرح مفتوحاً يمنحها حضوراً وتأثيراً وخطاباً تعبئوياً دائماً.

لهذا يجب أن نفرّق بين من يريد الإنصاف، ومن يريد إدارة الغضب واستثماره.

فالإنصاف ضرورة.

أما صناعة الكراهية، فلن تُنتج إلا مزيداً من الخوف والانقسام.

حمادي سيدي محمد آباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى