مالذي بقي من الوعد؟

قراءة في المؤتمر الصحفي المرتقب لرئيس الجمهورية
في حياة الدول، ليست قيمة المؤتمرات الصحفية في أنها تمنح الصحفيين فرصة لطرح الأسئلة، بقدر ما تكمن في أنها تمنح الشعوب حق مساءلة الزمن.
فالزمن هو الشاهد الذي لا يجامل أحداً؛ لا تعنيه بلاغة الخطب، ولا حرارة التصفيق، ولا براعة الخطاب السياسي. إنه لا يسأل إلا سؤالاً واحداً: ماذا تغير في حياة الناس؟
ولذلك، فإن المؤتمر الصحفي المرتقب لرئيس الجمهورية لا يأتي بوصفه موعداً إعلامياً عادياً، بل بوصفه محطة سياسية فارقة. فبعد ست سنوات من توليه مسؤولية الحكم، لم يعد السؤال: ماذا ورثت الدولة؟ ولا ما هي صعوبات البدايات؟ بل أصبح السؤال الوحيد الذي يفرضه منطق الدولة: ما الذي سيتحقق قبل نهاية المأمورية؟
لقد استنفدت الأعذار الزمنية معظم رصيدها، وأصبح ما تبقى من الولاية هو الرصيد الحقيقي الذي ستُكتب به الحصيلة في ذاكرة الوطن، لا في بيانات الحكومة.
ولعل أكبر مفارقة يعيشها الموريتانيون اليوم أن بلادهم ليست فقيرة بالموارد، لكنها لم تنجح بعد في أن تكون غنية بالإنسان.
إنها مفارقة تختزل سؤال الدولة كله: كيف يمكن لوطن يختزن هذا الكم الهائل من الثروات الطبيعية أن يبقى مواطنه أسيراً للفقر، ويخشى المرض أكثر مما يخشى الفاقة، ويبحث عن العلاج خارج حدوده، بينما تتدفق من أرضه ثروات كان ينبغي أن تجعل الكرامة الإنسانية أول منتجاتها؟
ذلك هو السؤال الذي لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل بفلسفة الحكم نفسها.
لقد وعد رئيس الجمهورية، منذ اللحظة الأولى لترشحه، بأن تكون محاربة الفساد عنواناً لعهد جديد، وأن يكون العدل أساس الحكم، وأن تستعيد الدولة هيبتها من خلال قوة القانون لا من خلال قوة الأشخاص. كما اختار نهجاً تصالحياً غير مألوف في بيئة سياسية اعتادت بناء الشرعية على هدم من سبق، فشكر الرؤساء السابقين، وأثنى على اجتهادهم، وقدم صورة لرجل الدولة الذي يريد أن يفتح صفحة جديدة دون أن يمزق صفحات الماضي.
وكان لذلك الخطاب أثره في تهدئة الحياة السياسية، وإضعاف مناخ الاستقطاب، بل وفي سحب كثير من الذرائع التي كانت تتكئ عليها المعارضة الراديكالية في تعبئة الشارع.
غير أن السياسة لا تُقاس بحسن النوايا، وإنما بقدرتها على تحويل النوايا إلى مؤسسات، والخطابات إلى سياسات، والوعود إلى نتائج.
ومن هنا، فإن المؤتمر الصحفي المرتقب ينبغي ألا يكون مناسبة لاستعادة ما قيل قبل ست سنوات، وإنما للإجابة عن سؤال واحد: ما الذي بقي من ذلك الوعد؟
لقد ظل الفساد، باعتراف السلطة نفسها، أحد أكبر معوقات التنمية. وإذا كان التشخيص معروفاً منذ اليوم الأول، فإن من حق الرأي العام أن يعرف اليوم أين انتهت المعركة معه. لا بوصفها معركة إعلامية، ولا حملة ظرفية، بل بوصفها مشروعاً لإعادة بناء الدولة على أساس الكفاءة، والشفافية، وتكافؤ الفرص.
فهل أصبحت الوظيفة العامة محصنة من المحسوبية؟ وهل أصبح المال العام أكثر أمناً؟ وهل يشعر المستثمر والمواطن والموظف بأن القانون يطبق على الجميع بالمعيار نفسه؟
إن هذه الأسئلة لا تنتظر عبارات مطمئنة، وإنما تنتظر مؤشرات، وأرقاماً، والتزامات محددة.
ثم يأتي الملف الذي لا يقبل التأجيل أكثر من ذلك: الصحة.
ليس لأن المستشفيات تعاني، فهذه حقيقة لم تعد محل جدل، وإنما لأن صحة الإنسان هي أول معيار لنجاح الدولة الحديثة.
إن ازدياد أعداد المصابين بالسرطان، والفشل الكلوي، والأمراض المزمنة، يقابله عجز واضح في التجهيزات، ونقص في الكوادر، وضعف في البنية الصحية، حتى أصبح كثير من المواطنين يعتبر أن رحلة العلاج تبدأ من المطار لا من المستشفى.
وهنا يصبح السؤال واجباً:
ما الخطة الوطنية، المحددة بالزمن والتمويل والنتائج، التي ستنفذ خلال السنوات الثلاث المتبقية، حتى لا يبقى العلاج رهين القدرة المالية أو الحظ؟
إن الدولة التي تستطيع استخراج الذهب والغاز، ينبغي أن تستطيع أيضاً حماية حياة مواطنيها.
غير أن أخطر الأسئلة جميعاً قد لا يكون اقتصادياً ولا صحياً، وإنما وجودياً.
فالأمم لا تنهار حين تضعف ميزانياتها فحسب، بل حين يضعف شعور أبنائها بأنهم ينتمون إلى وطن واحد.
ولئن كانت موريتانيا قد نجحت، عبر عقود، في تجنب كثير من الهزات التي عصفت بغيرها، فإن من الخطأ أن يُفهم ذلك على أنه حصانة دائمة.
فخطابات التصنيف العرقي والشرائحي والهوياتي لم تعد همساً في المجالس المغلقة، بل أصبحت أكثر حضوراً في الفضاء العام، وفي المنابر، وفي وسائل التواصل، بل وحتى في بعض المدارس، حيث تُزرع في نفوس الأطفال بذور الانقسام قبل أن يتعلموا معنى المواطنة.
وقد تتخفى هذه الخطابات أحياناً خلف شعارات الحقوق أو المظلومية أو الدفاع عن الهوية، لكن الدولة مطالبة بأن تميز دائماً بين إنصاف المظالم الحقيقية، وبين تحويل التنوع إلى وقود لصراع دائم.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح هو:
ما المشروع الوطني الذي يحمله رئيس الجمهورية لترسيخ هوية جامعة، تجعل المواطنة هي الإطار الأعلى الذي يلتقي تحته الجميع، دون إلغاء للتنوع، ودون السماح بتحوله إلى انقسام سياسي أو اجتماعي؟
ولا يقل عن ذلك أهمية ملف الحريات العامة.
لقد تعهد الرئيس بصيانتها، غير أن النقاش الذي أثاره قانون الرموز جعل شريحة من الرأي العام تتساءل: أين ينتهي حق الدولة في حماية مؤسساتها، وأين يبدأ حق المواطن في النقد والتعبير؟
إن الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى الكلمة، لكنها في الوقت ذاته لا تسمح بأن تتحول الحرية إلى فوضى تهدم الثقة بالمؤسسات.
ولهذا فإن المطلوب ليس الدفاع عن القانون ولا مهاجمته، بل بيان الفلسفة التي تحكم العلاقة بين السلطة والحرية، والضمانات التي تكفل ألا يُساء استعمال النصوص القانونية، وألا يشعر المواطن بأن مساحة التعبير تضيق كلما اتسعت مساحة السلطة.
تبقى ثلاث سنوات.
وفي عمر السياسة، قد تبدو زمناً قصيراً، لكنها في عمر الأمم قد تكون فاصلة بين مشروع يكتمل، وفرصة تضيع.
ولذلك فإن التاريخ لن يتوقف كثيراً عند جمال الإجابات التي ستقال في المؤتمر الصحفي، وإنما سيتوقف عند قدرة تلك الإجابات على أن تتحول إلى أفعال.
فالدول لا يحفظ ذاكرتها ما قيل، وإنما ما أُنجز.
والشعوب لا تتذكر الوعود، وإنما تتذكر من وفى بها.
أما الزمن، ذلك الشاهد الذي بدأنا به، فإنه لا يمنح شهادات تقدير، ولا يجامل أحداً. إنه يسجل فقط ما إذا كانت السنوات التي أتيحت لصاحب القرار قد أضافت لبنة إلى بناء الدولة، أم أضافت رقماً جديداً إلى عمر الانتظار.
حمادي سيدي محمد آباتي






