فضاء الرأي

محمد عبد الله ولد بين* يكتب :* الإنصاف أم المحاصصة؟… سؤالٌ أُحسن طرحه، ويحتاج إلى جوابٍ يكتمل/ *قراءة في مقال الأستاذ حمادي سيدي محمد آباتي*  

ليس من الإنصاف أن يُقرأ مقال الأستاذ حمادي سيدي محمد آباتي بعين الخصومة، لأنه في جوهره دعوة صادقة إلى حماية الوحدة الوطنية من الانزلاق إلى مستنقع الصراعات الهوياتية. وقد أحسن الكاتب حين انطلق من الاعتراف بالمظالم التاريخية التي عرفها المجتمع الموريتاني، وأصاب حين أكد أن بناء دولة المواطنة هو الأفق الذي ينبغي أن تتجه إليه الإرادات الوطنية جميعًا.

غير أن قيمة الأفكار لا تُقاس بصحة مقدماتها وحدها، وإنما بقدرتها على بلوغ نتائجها المنطقية. وهنا أرى أن المقال، على متانته، توقف عند تشخيص الداء، ولم يمض بعيدًا في تفكيك الآليات التي تُعيد إنتاجه، ولا في رسم الطريق العملي الذي يفضي إلى تجاوزه نهائيًا.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه النخب هو أن تعتقد أن العدالة تتحقق بمجرد إعلانها، أو أن الدولة تصبح دولة مواطنة بمجرد رفع هذا الشعار. فالدول لا تُبنى بالأماني، وإنما تُبنى بالمؤسسات، وبالقوانين العادلة، وبالإدارة النزيهة، وبالاقتصاد الذي يفتح أبواب الكرامة أمام الجميع.

لقد أثبت التاريخ أن المظالم الاجتماعية إذا تُركت دون علاج تحولت إلى وقود للغضب، كما أثبت أن علاجها على أساس الهوية يتحول، هو الآخر، إلى وقود لانقسامات جديدة. وبين هذين الطريقين يوجد طريق ثالث، هو الطريق الذي سلكته الأمم التي نجحت في تجاوز جراحها: إصلاح الدولة بدل إعادة تقسيم المجتمع.

إن المحاصصة ليست سياسة، وإنما اعتراف ضمني بفشل الدولة في تحقيق العدالة. فهي لا تعالج المرض، وإنما توزع آثاره. إنها تشبه طبيبًا يوزع المسكنات على المرضى ثم يعلن نجاح العلاج، بينما يبقى الداء ينخر الجسد.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: *كيف نوزع المناصب؟* *بل: كيف نبني مؤسسات تجعل المناصب* *تُمنح تلقائيًا لمستحقيها؟*

وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.

*سياسيًا* ، لا بد من الانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات. فالولاء ينبغي أن يكون للدستور، لا للقبيلة، ولا للحزب، ولا للمكون الاجتماعي. والديمقراطية لا تُقاس بعدد الانتخابات، وإنما بقدرة المؤسسات على حماية حقوق المواطن حتى لو تغيّر الحكام.

*قانونيًا،* لا قيمة لأي نص إذا بقي تطبيقه انتقائيًا. فالعدل لا يعرف لونًا ولا نسبًا ولا لسانًا. وحين يشعر المواطن أن القانون يقف على المسافة نفسها من الجميع، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالهويات الفرعية، لأن الدولة نفسها تصبح الحامي الأكبر.

*اقتصاديًا،* فإن الفقر هو أخطر أشكال التمييز.

وليس من قبيل المصادفة أن المناطق الأكثر هشاشة هي الأكثر قابلية لخطابات الاحتقان.

ولذلك فإن توزيع التنمية بعدل، وتوسيع الاستثمار، وربط التعليم بسوق العمل، وتمكين الشباب من وسائل الإنتاج، هي سياسات للوحدة الوطنية قبل أن تكون سياسات اقتصادية.

*اجتماعيًا،* ينبغي أن يكون التعليم هو المشروع الوطني الأكبر. فكل طفل يدخل مدرسة جيدة يغادرها أقل قابلية للتعصب وأكثر استعدادًا للمواطنة. والمدرسة ليست مكانًا لتلقين المعارف فقط، بل هي المصنع الحقيقي للهوية الوطنية المشتركة.

ومن هنا فإن معالجة آثار الرق، وكل أشكال التهميش، ينبغي أن تتم عبر تمكين الإنسان من أدوات النهوض: (تعليمًا، وتأهيلًا، وعدالةً، وفرصًا متكافئة،) لا عبر تكريس الانتماءات بوصفها أساسًا دائمًا لتوزيع الحقوق.

ولعل أهم ما ينبغي التنبيه إليه هو ضرورة احترام منطق التدرج.

إن المجتمعات لا تعرف الطفرات إلا في الثورات، والثورات كثيرًا ما تُحسن الهدم أكثر مما تُحسن البناء. أما الإصلاح العميق، فهو عمل تراكمي، يحتاج إلى رؤية، وإلى صبر، وإلى مؤسسات قادرة على الاستمرار.

وقد علمتنا تجارب الأمم ذلك بوضوح.

ففي ماليزيا عولجت الاختلالات التاريخية بسياسات تنموية وتعليمية واسعة، لا بإدامة الانقسام المجتمعي، حتى أصبح الاقتصاد مجالًا للتنافس والإنتاج أكثر منه مجالًا للصراع على الهوية

 تنموية وتعليمية واسعة، لا بإدامة الانقسام المجتمعي، حتى أصبح الاقتصاد مجالًا للتنافس والإنتاج أكثر منه مجالًا للصراع على الهوية.

وفي رواندا، بعد واحدة من أبشع المآسي الإنسانية، اختارت الدولة أن تجعل المواطنة هي الإطار الجامع، وأن تحد من توظيف التصنيفات الإثنية في الحياة العامة، مع السعي إلى بناء مؤسسات قوية وعدالة انتقالية، حفاظًا على وحدة المجتمع.

وفي جنوب إفريقيا، لم يكن إسقاط نظام الفصل العنصري نهاية الطريق، بل كانت البداية. فقد أدركت القيادة هناك أن الانتقام لا يبني وطنًا، وأن العدالة لا تعني استبدال مظلوم بظالم، وإنما إقامة نظام قانوني يحمي الجميع.

هذه التجارب لا تُستنسخ، فلكل بلد خصوصيته، لكنها تؤكد حقيقة واحدة: لا مستقبل لأمة تجعل الهوية بديلًا عن المواطنة، ولا مستقبل لدولة تجعل المحاصصة بديلًا عن العدالة.

ويبقى هنا أمر بالغ الأهمية.

إن الإنصاف ليس نقيض الكفاءة، بل الكفاءة نفسها لا تزدهر إلا في بيئة عادلة. فلا يجوز أن تُستعمل الكفاءة ذريعة لإبقاء الاختلالات، كما لا يجوز أن يُستعمل الإنصاف ذريعة لإقصاء الكفاءة. والواجب هو إزالة العوائق التي تحول بين المواطن وبين إثبات كفاءته، ثم يكون التنافس بعد ذلك على أساس الجدارة وحدها.

وأحسب أن الدولة الموريتانية ، في ظل ما تشهده من إصلاحات مؤسسية في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، مطالبة اليوم بالانتقال من مرحلة معالجة الأعراض إلى مرحلة اقتلاع الأسباب؛ وذلك بتعزيز استقلال القضاء، وإرساء إدارة مهنية، وتطبيق صارم للقانون، وإطلاق نهضة تعليمية حقيقية، واعتماد سياسات تنموية متوازنة تصل إلى كل الجهات والفئات.

عندها فقط ستصبح العدالة واقعًا لا شعارًا، والمواطنة ثقافة لا خطابًا، والوحدة الوطنية ثمرة طبيعية لدولة عادلة، لا نتيجة لتوازنات مؤقتة.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: من يمثل هذا المكون أو ذاك؟ وإنما: هل أصبح كل طفل موريتاني، مهما كان أصله أو لونه أو لغته أو منطقته، يبدأ حياته من خط انطلاق واحد في المدرسة الجمهورية، وتفتح أمامه الأبواب نفسها، ويُحاسَب بالمعيار نفسه؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي للدولة.

أما ما سوى ذلك، فليس إلا حلولًا ترقيعية تؤجل الأزمة ولا تحلها، وتُسكّن الألم ولا تستأصل سببه.

ولذلك فإن المستقبل لن تصنعه المحاصصة، ولن يصنعه إنكار المظالم، وإنما سيصنعه مشروع وطني كبير، يؤمن بأن العدالة ليست منحة من أحد، بل هي حق لكل مواطن، وأن الوحدة ليست شعارًا سياسيًا، بل هي ثمرة طبيعية لدولة يحكمها القانون، وتصونها المؤسسات، ويقودها العدل.

فالدولة القوية لا تُحصي المواطنين بحسب هوياتهم، وإنما تحصيهم بحسب حقوقهم وواجباتهم؛ ولا تسأل: من أي مكون أنت؟ بل تسأل: ماذا قدمت لوطنك، وما الذي يضمن لك وطنك من حق لا ينازعك فيه أحد؟

*وهنا يبدأ الوطن…* *وهنا تنتهي المحاصصة، ويبدأ الإنصاف.*

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى