ثقافة

المقنين الزين.. كيف خلدت أغنية جزائرية قصة شهيد أُعدم في التاسعة عشرة؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

“يا المقنين الزين، يا أصفر الجنحين، يا حمر الخدين، يا كحيل العينين”.. كلمات تبدو في ظاهرها وصفا لطائر حسون جميل، لكنها تخفي وراءها واحدة من أكثر القصص تأثيرا في الذاكرة الشعبية الجزائرية.

فالأغنية الشهيرة التي ارتبطت بأجيال متعاقبة لم تكن في أصلها مجرد وصف لطائر يغرد، بل حملت قصة بوعلام رحال، الشاب الجزائري الذي جمع بين كرة القدم والنضال في صفوف جبهة التحرير الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف في سجن سركاجي ثم أمام المقصلة وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره.

وفي أجواء السجن، التقى رحال بالشاعر والمناضل محمد الباجي، الذي استلهم مأساة الشاب وحوّلها إلى قصيدة غنائية بقيت حاضرة في الوجدان الجزائري، مستخدما طائر “المقنين” رمزا لشاب ظل متمسكا بحريته رغم وقوعه في الأسر.

بوعلام رحال.. من ملاعب الكرة إلى العمل السري

يقول الباحث في التاريخ محمد غرتيل إن استحضار قصة بوعلام رحال يعيد إلى الواجهة أسماء شباب ساهموا في مقاومة الاستعمار الفرنسي ودفعوا حياتهم ثمنا لتحرير الجزائر.

ويرى غرتيل أن حجم ما تعرض له الجزائريون خلال الحقبة الاستعمارية من قتل وتعذيب وإذلال يفوق كثيرا ما يمكن أن تختصره الروايات المتداولة، مشيرا إلى أن رحال كان واحدا من شباب اختاروا الانخراط في الثورة رغم حداثة سنهم.

وكان رحال لاعبا في فئة الأصاغر بنادي مولودية الجزائر، الذي لا يزال يخلد اسمه ضمن قائمة شهدائه. لكنه غادر الملاعب مبكرا لينخرط في صفوف جبهة التحرير الوطني، وينتقل إلى العمل السري داخل أحياء العاصمة.

وخلال ما عرف بـ”معركة الجزائر”، اعتمدت خلايا المقاومة على شبان لم يكونوا معروفين لدى أجهزة الأمن الفرنسية، بهدف تنفيذ عملياتها بعيدا عن أعين الشرطة وشبكة المخبرين التي كانت تفرض رقابة مشددة على العاصمة.

عملية ملعب الأبيار

في 10 فبراير/شباط 1957، شهد الملعب البلدي في الأبيار بالعاصمة عملية فدائية استهدفت تجمعا رياضيا.

وتشير الروايات التاريخية المرتبطة بالعملية إلى أن الفدائيتين باية حسين وجوهر عكرور تمكنتا من إدخال القنابل إلى الملعب، بينما تولى بوعلام رحال وفرحات حسين وضعها بين المدرجات وإخفاء آثار العملية.

وأسفر الانفجار، وفقا للروايات المتداولة، عن مقتل 13 شخصا وإصابة نحو 50 آخرين، قبل أن يتمكن منفذو العملية من الانسحاب باتجاه القصبة.

وأحدث الهجوم صدمة لدى السلطات الاستعمارية، التي كانت تكثف وجودها الأمني في العاصمة وتحاول إحكام السيطرة على تحركات خلايا جبهة التحرير الوطني.

وبدأت أجهزة الأمن البحث عن المسؤولين عن العملية، في محاولة لمعرفة كيفية تمكن مجموعة من الشباب من تجاوز الإجراءات الأمنية والوصول إلى مكان مكتظ وتنفيذ الهجوم ثم الانسحاب.

قصاصة صغيرة تكشف هوية رحال

لم يكن لدى المحققين في البداية سوى خيط محدود، لكنه قادهم في النهاية إلى بوعلام رحال.

وبحسب ما أوردته أرشيفات صحيفة “لوموند” الفرنسية، عثرت الشرطة على علامة لمصبنة على جزء من السترة التي استخدمها رحال لإخفاء القنبلة.

وقاد هذا الأثر المحققين إلى عامل في مجال التنظيف الجاف داخل القصبة، ومنه تمكنوا من الوصول إلى صاحب السترة.

وبعد نحو عشرة أيام من العملية، ألقت السلطات القبض على رحال، الذي كان يبلغ من العمر 19 عاما فقط.

ودخل الشاب بعدها مرحلة تحقيق اتسمت، وفقا للروايات المرتبطة بالقضية، باستخدام التعذيب على نطاق واسع من جانب أجهزة الاستعمار.

وتفيد الروايات بأن رحال تعرض لتعذيب شديد دفعه إلى الاعتراف بمشاركته في العملية والكشف عن أسماء عدد من أفراد خليته.

ثم أحيل إلى المحاكمة، حيث واجه أحكاما تصل إلى الإعدام. غير أن صغر سنه أصبح عقبة أمام تنفيذ الحكم، إذ كان دون العشرين، وهو العمر الذي كانت الرواية المتداولة تعتبره حدا قانونيا لتنفيذ الإعدام.

تغيير شهادة الميلاد قبل تنفيذ الحكم

يقول الناقد والمخرج السينمائي غلام الله خير الدين إن السلطات الاستعمارية لجأت إلى تغيير بيانات شهادة ميلاد رحال، من خلال إضافة أشهر إلى عمره، حتى يصبح بالإمكان تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه.

ويشير خير الدين إلى أن المصادر المختلفة تقدم تواريخ متباينة بشأن ميلاد رحال، إلا أن الروايات المتداولة تلتقي عند تعرض وثيقته للتغيير بما يسمح بتنفيذ الحكم.

وفي 20 يونيو/حزيران 1957، اقتيد بوعلام رحال إلى المقصلة داخل سجن سركاجي، لينتهي بذلك مشوار شاب لم يتجاوز التاسعة عشرة.

لكن قصة رحال لم تنته عند حدود السجن والمقصلة، إذ تحولت بعد ذلك إلى واحدة من أشهر الأغاني التي ارتبطت بذاكرة الجزائريين.

من سركاجي خرج “المقنين الزين”

في سجن سركاجي كان الشاعر والمناضل محمد الباجي يعيش بدوره تجربة الاعتقال بين محكومين بالإعدام ومقاومين ينتظرون مصائرهم.

وكان الباجي شاعرا وملحنا ومغنيا عصاميا، واشتهر بلقب “الباز” أو “خويا الباز”، كما ارتبط اسمه بفن الشعبي الجزائري.

وقد أثرت فيه قصة رحال، ولا سيما صغر سنه والمصير الذي انتهى إليه، فاختار أن يخلدها بطريقة مختلفة عن المراثي التقليدية.

لم يكتب الباجي قصيدة مباشرة عن المقصلة، ولم يسرد تفاصيل الاعتقال والتعذيب والمحاكمة، بل لجأ إلى صورة طائر الحسون، المعروف في الجزائر باسم “المقنين”.

وهكذا بدأ نصه بوصف يبدو بسيطا لطائر جميل:

“يا المقنين الزين، يا أصفر الجنحين، يا حمر الخدين، يا كحيل العينين”.

لكن خلف هذا الوصف تختبئ صورة إنسان حُرم من حريته قبل أن تكتمل حياته؛ طائر يغرد رغم القفص، وشاب قاوم حتى النهاية رغم الزنزانة والموت.

وبذلك تحولت الأغنية إلى أكثر من عمل فني؛ فقد أصبحت وسيلة لحفظ ذاكرة بوعلام رحال، وربطت بين الفن الشعبي وتاريخ المقاومة الجزائرية، لتبقى قصة شاب في التاسعة عشرة حاضرة في وجدان الجزائريين عبر صوت “المقنين” الذي واصل التحليق في الذاكرة، حتى بعدما غاب صاحبه عن الحياة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى