صحة

الميزوفونيا.. لماذا يحوّل صوت المضغ الهادئ لدى بعض الأشخاص إلى موجة من الغضب؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

قد يجتمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، فيمر صوت المضغ بالنسبة إلى معظمهم دون اهتمام، بينما قد يثير الصوت نفسه لدى شخص آخر استجابة فورية وقوية تتراوح بين الغضب والاشمئزاز والتوتر الجسدي، وقد تترافق مع تسارع ضربات القلب وشد العضلات ورغبة ملحة في مغادرة المكان أو إسكات مصدر الصوت.

ولا تبدو هذه الاستجابة، لدى من يعانون منها، مجرد ضيق عابر أو قرار واعٍ بالشعور بالغضب، بل ترتبط بطريقة مختلفة يتعامل بها الدماغ مع بعض الأصوات والمثيرات.

وتُعرف هذه الحالة باسم الميزوفونيا (Misophonia)، وهي انخفاض القدرة على تحمل أصوات محددة، وقد أعادت دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة Human Brain Mapping تسليط الضوء على الآليات العصبية المحتملة المرتبطة بها.

وربط الباحثون شدة الأعراض بنمط محدد من الاتصال الوظيفي في الجزء الأمامي من القشرة الجزيرية، وهي منطقة أساسية ضمن ما يعرف بـشبكة البروز، التي تساعد الدماغ على تحديد المثيرات الداخلية والخارجية التي تستحق توجيه الانتباه إليها.

لكن السؤال: هل توصل العلماء أخيرا إلى السبب الذي يجعل صوتا عاديا مثل المضغ شديد الاستفزاز لدى بعض الأشخاص؟

الإجابة الأدق هي أن الدراسة كشفت جزءا مهما من الآلية المحتملة، لكنها لم تثبت سببا نهائيا للميزوفونيا.

ما الميزوفونيا؟

بحسب تعريف توافقي أعده خبراء دوليون عام 2022، تشير الميزوفونيا إلى اضطراب في تحمل أصوات محددة أو المثيرات المرتبطة بها، بحيث تنتج عنها استجابات انفعالية وجسدية وسلوكية شديدة لا تظهر عادة لدى معظم الأشخاص عند سماع الصوت نفسه.

وتشمل المحفزات الأكثر شيوعا أصوات المضغ والبلع والتنفس وتحريك الشفتين والتنحنح والشم، إلى جانب أصوات النقر بالقلم أو الأصابع والكتابة على لوحة المفاتيح وغيرها من الأصوات المتكررة.

ولا ترتبط المشكلة بالضرورة بقوة الصوت أو ارتفاعه، إذ يمكن لصوت منخفض للغاية أن يثير استجابة شديدة، في حين يستطيع الشخص نفسه تحمل أصوات أعلى بكثير إذا لم تكن ضمن قائمة الأصوات المحفزة لديه.

كما يمكن أن يتغير رد الفعل وفقا لمصدر الصوت والسياق المحيط به ومعنى الموقف. فقد يكون الصوت نفسه أقل إزعاجا عندما يصدر عن الشخص ذاته مقارنة بسماعه من شخص آخر.

وهذا يعني أن الميزوفونيا لا تتمثل في أن الأذن تسمع الأصوات جميعها بدرجة أعلى، وإنما في أن الدماغ يمنح أنماطا صوتية معينة أهمية انفعالية استثنائية.

الميزوفونيا ليست فرط السمع

يختلف هذا الاضطراب عن فرط السمع، الذي يرتبط عادة بإدراك الأصوات على أنها شديدة الارتفاع أو مؤلمة بصورة غير طبيعية.

وقد يعاني الشخص من الحالتين في الوقت نفسه، لكنهما لا تمثلان المشكلة ذاتها؛ فالميزوفونيا ترتبط بصورة أكبر برد فعل انتقائي تجاه أصوات أو محفزات محددة، وليس بمجرد ارتفاع شدة الصوت.

كذلك، فإن الشعور بالانزعاج أحيانا من صوت شخص يأكل أو ينقر بالقلم لا يعني بالضرورة وجود ميزوفونيا. وتصبح الحالة ذات أهمية سريرية عندما تكون الاستجابة شديدة ومتكررة، وتبدأ في التأثير على الدراسة أو العمل أو العلاقات أو المشاركة في الأنشطة اليومية.

كيف أجرى الباحثون الدراسة؟

اعتمد الباحثون على بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أثناء الراحة من قاعدة ويلز المتقدمة للتصوير العصبي، وشملت مجموعة التصوير 162 بالغا من عامة السكان.

ولم يستمع المشاركون إلى أصوات المضغ داخل جهاز التصوير، بل درس الباحثون درجة التزامن بين نشاط مناطق الدماغ المختلفة أثناء حالة الراحة، وهو ما يعرف باسم الاتصال الوظيفي.

وهنا تظهر نقطة منهجية مهمة؛ إذ لم تكن مجموعة التصوير قد خضعت في الأصل لتقييم سريري مباشر ومخصص للميزوفونيا. ولذلك استخدم الباحثون بيانات الحساسية الحسية المتاحة لحساب درجة تقديرية لشدة أعراض الميزوفونيا لدى كل مشارك.

وبُني النموذج الإحصائي المستخدم لهذا الغرض اعتمادا على عينة مستقلة ضمت 777 بالغا في ولاية أوكلاهوما الأميركية.

وبالتالي، فإن الدراسة اعتمدت بيانات 939 شخصا إجمالا، لكن 162 منهم فقط خضعوا للتصوير، كما أن وجود الميزوفونيا في مجموعة التصوير لم يحدد من خلال مقابلات تشخيصية سريرية، بل قُدّر بواسطة نموذج إحصائي.

مناطق سمعية وحركية في دائرة واحدة

انطلق الباحثون من الجزء الأمامي للقشرة الجزيرية، ثم بحثوا عن المناطق الدماغية التي يتغير مستوى اتصالها بهذه المنطقة بالتزامن مع ارتفاع درجة الميزوفونيا المقدرة.

وأظهرت النتائج ارتباطا بين شدة الأعراض وأنماط اتصال تشمل مناطق من السطح الصدغي، الذي يضم أجزاء من القشرة السمعية العليا المشاركة في معالجة الأصوات المعقدة.

كما ظهر ارتباط مع الغطاء القشري والتلفيف أمام المركزي والمنطقة الحركية التكميلية، وهي مناطق تشارك، بدرجات متفاوتة، في دمج المعلومات الحسية وتمثيل الأفعال والاستعداد للحركة.

واللافت أن النمط المرتبط بدرجات الميزوفونيا كان مميزا للجزء الأمامي من القشرة الجزيرية ضمن شبكة البروز، في حين لم يظهر النمط نفسه عند تحليل البيانات وفقا لدرجات القلق أو الاكتئاب أو السمات التوحدية.

كما ظهرت العلاقة بصورة أوضح عندما تعامل الباحثون مع الأعراض باعتبارها طيفا متدرجا، بدلا من تقسيم الأشخاص ببساطة إلى مجموعتين: مصابين وغير مصابين.

وقد يدعم ذلك احتمال أن الحساسية تجاه هذه الأصوات لا تظهر كظاهرة ثنائية واضحة، وإنما يمكن أن تتدرج من مستويات خفيفة لدى بعض الأشخاص إلى أعراض شديدة ومؤثرة في الحياة اليومية لدى آخرين.

ماذا تفعل القشرة الجزيرية؟

تقع القشرة الجزيرية في منطقة عميقة من الدماغ خلف أجزاء من الفصين الجبهي والصدغي، ولا يمكن اختزال وظيفتها في كونها مركزا للغضب أو الانفعال.

بل تشارك هذه المنطقة في مجموعة واسعة من العمليات، من بينها دمج المعلومات القادمة من البيئة الخارجية مع الإشارات التي تعكس حالة الجسم الداخلية، مثل نبض القلب والتنفس والتوتر العضلي والشعور بالغثيان أو الانقباض.

ويُعرف إدراك هذه الإشارات الداخلية باسم الإحساس الباطني.

أما القشرة الجزيرية الأمامية، باعتبارها إحدى العقد الرئيسية في شبكة البروز، فتشارك في تحديد المعلومات التي ينبغي أن تحصل على أولوية في الانتباه.

كيف يتحول الصوت إلى استجابة قوية؟

تشير نتائج الدراسة إلى مسار محتمل يمكن من خلاله فهم الظاهرة.

في البداية، تعمل المناطق السمعية على تحليل نمط الصوت والتعامل مع خصائصه ومعناه. ثم يمكن أن تمنحه القشرة الجزيرية وشبكة البروز درجة غير معتادة من الأهمية، فينتقل من كونه صوتا هامشيا في البيئة إلى مثير يحتل مركز الانتباه.

بعد ذلك، قد تنخرط المناطق الحركية والجهاز العصبي الذاتي في الاستعداد للاستجابة، وهو ما يمكن أن يفسر ظهور أعراض جسدية وانفعالية مثل التوتر وتسارع ضربات القلب والرغبة في الابتعاد عن مصدر الصوت.

وبهذا التصور، لا يكون الشخص الذي يعاني من الميزوفونيا مجرد شخص يسمع صوتا مزعجا، وإنما قد يتعامل دماغه مع الصوت باعتباره مثيرا ذا أهمية عالية يستدعي استجابة فورية.

ومع ذلك، يؤكد الطابع الارتباطي للدراسة ضرورة الحذر في تفسير النتائج؛ فالباحثون وجدوا نمطا في الاتصال الوظيفي يرتبط بشدة الأعراض، لكن ذلك لا يثبت أن هذا النمط هو السبب المباشر للميزوفونيا، ولا يثبت أن التسلسل العصبي المقترح يحدث بالضرورة بالطريقة نفسها لدى كل شخص يعاني من الحالة.

وبالتالي، تبدو الدراسة خطوة مهمة نحو فهم الميزوفونيا، لكنها لا تمثل نهاية البحث عن تفسير كامل لكيفية تحول أصوات يومية بسيطة إلى محفزات شديدة التأثير في الدماغ والجسم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى