الأخبار العالمية

بريطانيا تراجع إرث بلفور.. عقوبات على المستوطنات ومواجهة جديدة مع إسرائيل

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

خلف بوابة حديدية مغلقة، وقف زوجان مسنان قدما من بروكلين، يتأملان منزلهما القديم في قرية إجزم جنوب حيفا، بعد نحو 70 عاما من مغادرته. وفي الجهة المقابلة، كان رجل على كرسي متحرك برفقة سيدة محجبة يقيمان في المكان الذي أصبح ملكا لعائلة أخرى.

تحولت هذه الصورة، التي التقطتها كاميرات الجزيرة عام 2020، إلى مشهد يلخص أحد أوجه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ عائلة فقدت منزلها، وأخرى تعيش فيه، في سياق تاريخي ارتبط بالسياسات البريطانية التي مهدت لقيام إسرائيل على أرض فلسطين.

ويرتبط هذا الإرث بوعد بلفور الصادر عام 1917، حين أعلنت بريطانيا دعمها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في مرحلة كانت البلاد فيها تحت الحكم العثماني، قبل أن تنتقل إلى الانتداب البريطاني. ومنذ ذلك الحين، تراكمت نتائج هذا المسار وصولا إلى نكبة 1948، ثم حرب 1967، وما تلاهما من تهجير واستيطان وهدم وقتل وصراع متواصل.

بريطانيا تعيد النظر في سياستها تجاه المستوطنات

بعد عقود من الدعم السياسي لإسرائيل، بدأت لندن في السنوات الأخيرة باتخاذ مواقف أكثر تشددا تجاه الاستيطان الإسرائيلي والانتهاكات بحق الفلسطينيين.

وأعلنت المملكة المتحدة الثلاثاء فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة ببناء المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية.

وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم إن بلاده “لن تصمت بعد الآن” تجاه ما يجري، مؤكدا إدانة المعاناة الفلسطينية ودعم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في قطاع غزة.

وذهب ميليباند إلى حد القول إن الحكومة البريطانية ترى أن تطهيرا عرقيا يجري في الضفة الغربية على أيدي مستوطنين، متهما الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عن هذه الممارسات، بل ودعم سياسات تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين قسرا.

المستوطنات في قلب المواجهة الأوروبية

وتأتي الخطوة البريطانية في سياق تحرك أوروبي أوسع، إذ انضمت 11 دولة غربية إلى موقف يدعو إلى فرض قيود وطنية على التجارة المرتبطة بالمستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وتضم المجموعة إسبانيا وفرنسا وكندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد.

ويعكس هذا التحول اتساع الفجوة بين المواقف الغربية التقليدية تجاه إسرائيل وبين الانتقادات المتزايدة لسياسات الاستيطان والتهجير في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية بصورة كبيرة منذ توقيع اتفاق أوسلو، إذ ارتفع من نحو 270 ألفا عام 1993 إلى قرابة 770 ألفا في عام 2026، وفقا للمعطيات الواردة في التقرير.

طوفان الأقصى غيّر المشهد السياسي

ويرى التقرير أن الهجوم الذي نفذته المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 شكل نقطة تحول في النظرة الغربية للصراع.

فمع اندلاع الحرب وما تبعها من عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة في قطاع غزة، ارتفعت حدة الانتقادات الدولية تجاه إسرائيل، خصوصا مع سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وتدمير واسع للمنازل والبنية التحتية وعمليات النزوح والتجويع.

وأدى استمرار الحرب إلى تحولات في مواقف عدد من الدول الأوروبية، حيث اعترفت إسبانيا والنرويج وأيرلندا بالدولة الفلسطينية عام 2024، ثم لحقت بها دول أخرى من بينها فرنسا وبريطانيا وسلوفينيا في مراحل لاحقة.

ولم يقتصر التغيير على أوروبا، بل ظهرت داخل الولايات المتحدة أيضا أصوات أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية، رغم استمرار الدعم الأمريكي السياسي والعسكري لإسرائيل.

اعترافات متزايدة بتغير المناخ في واشنطن

وفي سياق هذا التحول، سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن تحدث عن تغير البيئة السياسية داخل الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، مشيرا إلى أن انتقاد إسرائيل لم يعد بالضرورة سببا لإنهاء المسار السياسي للشخصية التي تنتقدها.

وتعكس مثل هذه التصريحات، بحسب التقرير، اتساع النقاش داخل المجتمع الأمريكي حول الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك قتل المدنيين وتدمير المنازل والتهجير.

وفي بريطانيا، جاء موقف ميليباند أمام مجلس العموم ليعكس اتجاها أكثر صراحة في مراجعة السياسات السابقة، عبر ربط الإجراءات الجديدة بالاستيطان والتهجير وضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

إسرائيل ترد بإغلاق القنصلية البريطانية

وفي مقابل التحرك البريطاني، أعلنت الحكومة الإسرائيلية إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، التي تؤدي دورا في إدارة العلاقات مع السلطة الفلسطينية.

وتكشف هذه الخطوة عن تصاعد التوتر بين لندن والحكومة الإسرائيلية، خصوصا مع انتقال الخلاف من التصريحات السياسية إلى إجراءات وعقوبات تمس النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات.

وبذلك تبدو قضية الاستيطان أمام مرحلة جديدة، بعدما تحولت من ملف محل خلاف داخل العواصم الغربية إلى قضية تدفع عددا متزايدا من الحكومات إلى اتخاذ إجراءات مباشرة، في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب الحرب في غزة وسياساتها في الضفة الغربية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى