إيران ترد على ضربة لارك بهجمات على مواقع تضم قوات أميركية في الأردن والإمارات

دخل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، عقب تنفيذ القوات الأميركية ضربة استهدفت منصات لإطلاق الصواريخ الإيرانية في جزيرة لارك بمضيق هرمز، قبل أن ترد طهران سريعًا بهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة طالت مواقع وتمركزات تضم قوات أميركية في الأردن والإمارات.
ويعكس هذا التطور اتساع نطاق المواجهة من مضيق هرمز إلى ساحات إقليمية أخرى، في ظل صراع متصاعد بين واشنطن وطهران حول قواعد الاشتباك ومسار العمليات العسكرية، وسط مخاوف من تحول المواجهة إلى صراع أوسع يمتد إلى عدد من دول المنطقة.
ضربة جزيرة لارك تشعل موجة جديدة من التصعيد
بدأت الجولة الأخيرة من التصعيد عندما نفذت القوات الأميركية عملية عسكرية ضد منصات إطلاق صواريخ إيرانية في جزيرة لارك الواقعة بمضيق هرمز.
وبحسب الرواية الأميركية، جاءت الضربة في إطار عملية وقائية استهدفت منع القوات الإيرانية من إعادة نشر ألغام بحرية في ممرات الملاحة الدولية، باستخدام راجمات صواريخ بعيدة المدى من طراز “فجر 5”.
ويرى محللون عسكريون أن استهداف هذه المنظومات يعكس محاولة واشنطن الحد من قدرة إيران على تهديد حركة السفن في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، خصوصًا مع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة.
وقال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد نضال أبو زيد إن الولايات المتحدة ركزت خلال العملية على تحييد تقنية إيرانية جديدة لزراعة الألغام عن بُعد، بالاعتماد على راجمات صاروخية يصل عيارها إلى 333 مليمترا.
وبحسب القراءة العسكرية، فإن الضربة الأميركية لم تكن منفصلة عن استراتيجية أوسع تعتمدها واشنطن للجمع بين الضغوط الاقتصادية والتضييق البحري والعمليات العسكرية المحدودة، في محاولة للحد من القدرات الإيرانية وإجبار طهران على تغيير حساباتها.
طهران توسع نطاق الرد
لم تنتظر إيران طويلًا للرد على الضربة الأميركية، إذ أعلن الحرس الثوري والجيش الإيراني تنفيذ هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت مواقع وقواعد تضم قوات أميركية في الأردن والإمارات.
ويشير هذا الرد إلى أن طهران تسعى إلى نقل المواجهة خارج حدود مضيق هرمز، من خلال استهداف الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، في رسالة مفادها أن أي تصعيد ضدها قد يقابله رد في مواقع مختلفة وليس بالضرورة في ساحة العمليات الأصلية.
ويرى العميد نضال أبو زيد أن اعتماد إيران على ما وصفه بـ”الرد الهجومي السريع” يعكس محاولة للحفاظ على زمام المبادرة، وتحويل الضغوط الناتجة عن الحصار الاقتصادي والتوترات الداخلية إلى مواجهة خارجية أوسع.
كما يشير هذا النهج إلى رغبة إيرانية في رفع كلفة العمليات الأميركية، من خلال تهديد القواعد والمنشآت التي تعتمد عليها واشنطن في إدارة عملياتها العسكرية بالمنطقة.
الأردن يرفض تحويل أراضيه إلى ساحة حرب
وفي الأردن، أعلن الجيش اعتراض وتدمير 8 صواريخ باليستية إيرانية دخلت الأجواء الأردنية في منطقة إربد شمالي البلاد، مؤكدًا عدم تسجيل خسائر جراء الهجوم.
وتزامن ذلك مع تحليق مكثف للطائرات العسكرية الأردنية، في خطوة اعتُبرت رسالة واضحة إلى مختلف أطراف الصراع بأن عمان ترفض استخدام أجوائها أو أراضيها ساحة للمواجهة العسكرية.
وأكدت السلطات الأردنية أن القواعد العسكرية الموجودة على أراضي المملكة تظل تحت السيادة الأردنية، وأن استضافة قوات حليفة تتم في إطار مهام محددة، بينها التدريب والتعاون العسكري.
ويضع هذا الموقف الأردن أمام معادلة شديدة الحساسية، إذ يستضيف قوات أميركية وحليفة، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى تجنب الانخراط المباشر في الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران.
إيران تتحدث عن عقيدة دفاعية جديدة
على المستوى السياسي، رفض الدبلوماسي الإيراني السابق الدكتور عباس خامه يار القراءات التي تتحدث عن وجود انقسامات داخل مؤسسة صنع القرار في طهران بشأن طريقة التعامل مع التصعيد.
وقال إن مؤسسات القرار الإيرانية تتبنى موقفًا سياسيًا وعسكريًا موحدًا يجري تنسيقه عبر المجلس الأعلى للأمن القومي.
واعتبر أن سرعة تبني وزارة الخارجية الإيرانية مواقف الجيش والحرس الثوري تعكس تحولًا في العقيدة الدفاعية الإيرانية باتجاه الرد المباشر على الهجمات، بدل الاكتفاء بالردود غير المباشرة أو المحدودة.
وترى طهران أن وجود قوات أميركية في قواعد إقليمية تُستخدم في تنفيذ عمليات عسكرية ضدها يمنحها، وفق رؤيتها، مبررًا لاستهداف تلك المواقع بهدف الردع ومنع تكرار الهجمات.
صراع على مضيق هرمز
ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية في هذه المواجهة بسبب دوره الحيوي في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ومن ثم، فإن السيطرة على حركة الملاحة أو تهديدها أصبحت أحد أبرز أوراق الضغط المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصًا مع محاولة واشنطن تعزيز إجراءات الحصار البحري، في مقابل تمسك طهران بقدرتها على التأثير في حركة السفن.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الضربات الجوية أو الصاروخية، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بحرية الملاحة، وزراعة الألغام، وتأمين الممرات البحرية، وحماية القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة.
حرب إرادات تتجاوز المضيق
وتكشف الضربات المتبادلة عن انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، إذ تحاول الولايات المتحدة الجمع بين الضغط الاقتصادي والحصار البحري والضربات العسكرية الدقيقة، بينما تعمل إيران على توسيع دائرة الرد لتشمل مواقع الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
وبذلك، بات مضيق هرمز جزءًا من صراع أوسع على قواعد الاشتباك وليس مجرد ساحة منفردة للمواجهة.
وفي ظل استمرار التصعيد، تبدو المنطقة أمام اختبار صعب، خصوصًا إذا واصلت إيران استهداف مواقع تضم قوات أميركية، أو قررت واشنطن توسيع عملياتها العسكرية ضد القدرات الإيرانية المرتبطة بالملاحة والصواريخ.
وتشير التطورات المتسارعة إلى أن الطرفين دخلا مرحلة جديدة من حرب الإرادات؛ فواشنطن تسعى إلى رفع كلفة المواجهة على طهران عبر الضغط الاقتصادي والبحري والضربات المحددة، بينما تحاول إيران إيصال رسالة مفادها أن أي هجوم عليها لن يبقى محصورًا في مضيق هرمز، بل قد يمتد إلى مختلف مواقع الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.









