الأخبار العالمية

من هو جينتاو إلى شي جين بينغ.. كيف أنهى الزعيم الصيني نفوذ الحرس القديم؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

شكّل المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي الصيني، الذي عقد في أكتوبر/تشرين الأول 2022، محطة مفصلية في تاريخ القيادة الصينية الحديثة. ففي يومه الختامي، ظهر الرئيس الصيني السابق هو جينتاو في مشهد أثار اهتماما عالميا، عندما اقترب منه موظفان واقتاداه خارج قاعة الشعب بينما كان يجلس إلى جوار خلفه شي جين بينغ.

قالت وكالة الأنباء الصينية الرسمية آنذاك إن هو جينتاو تعرض لوعكة صحية خلال المؤتمر، وإنه أصر على الحضور رغم حالته الصحية. لكن المشهد اكتسب دلالة سياسية أوسع لدى كثير من المراقبين، إذ جاء في نهاية مؤتمر رسخ فيه شي قبضته على الحزب وأعاد تشكيل قيادته، في خطوة اعتُبرت إيذانا بانتهاء نفوذ جيل من القيادات التي ارتبطت بمرحلة ما بعد ماو تسي تونغ.

ولاية ثالثة كسرت تقاليد حقبة الإصلاح

كان أبرز ما خرج به المؤتمر العشرون هو تثبيت شي جين بينغ في منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني لولاية ثالثة، بعدما كان التداول على قيادة الحزب قد أصبح أحد أبرز ملامح النظام السياسي خلال حقبة الإصلاح.

فقد تولى جيانغ زيمين منصب الأمين العام بين عامي 1989 و2002، ثم خلفه هو جينتاو بين عامي 2002 و2012. وكان الاتجاه السائد منذ إصلاحات دينغ شياو بينغ يقوم على الحد من بقاء القيادات في مواقعها لفترات طويلة، بهدف منع عودة الحكم الشخصي الذي طبع عهد ماو.

وفي عام 2018، ألغى شي القيد الدستوري الذي كان يحدد بقاء رئيس الجمهورية في منصبه بفترتين، فاتحا الطريق أمام استمرار طويل في السلطة. ومع المؤتمر العشرين، لم يعد شي مجرد قائد لمرحلة انتقالية، بل أصبح مركز الثقل الأساسي في النظام السياسي الصيني.

نهاية نفوذ الحرس القديم

لم يقتصر المؤتمر على تثبيت ولاية شي الثالثة، بل شهد أيضا تغييرا كبيرا في تركيبة القيادة العليا للحزب. فقد غاب عدد من الشخصيات المرتبطة بالحقبة السابقة عن اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، وهي أعلى دائرة قيادية في الحزب، وحل محلهم مسؤولون يرتبطون بصورة أوثق بشي جين بينغ.

وبذلك أصبح المؤتمر نقطة تحول في توازنات السلطة داخل الحزب، بعدما انتقلت القيادة من نموذج يقوم على وجود أجنحة وشبكات نفوذ متعددة إلى نموذج أكثر تركيزا حول الزعيم الحالي.

ويرى مراقبون أن هذه التحولات حملت إجابة سياسية عن سؤال ظل مطروحا منذ بدء الإصلاحات الاقتصادية الصينية في أواخر سبعينيات القرن الماضي: هل ستقود الانفتاحات الاقتصادية تدريجيا إلى تحول سياسي على الطريقة الغربية؟

وجاء صعود شي ليؤكد أن القيادة الصينية اختارت مسارا مختلفا، يقوم على الحفاظ على الهيمنة السياسية للحزب الشيوعي مع الاستفادة من أدوات الاقتصاد الحديث والانفتاح العالمي.

الطريق الطويل من ماو إلى شي

لفهم صعود شي جين بينغ، لا بد من العودة إلى مرحلة الثورة الثقافية التي أطلقها ماو تسي تونغ عام 1966.

دعا ماو خلال تلك الفترة إلى مواجهة ما وصفه بالعناصر المحافظة داخل الحزب، ودفع الشباب، ولا سيما الطلاب، إلى الانخراط في حملة سياسية واسعة ضد خصومه. وأدت الثورة الثقافية إلى إقصاء عدد من كبار المسؤولين، كان من بينهم رئيس الدولة آنذاك ليو شاو تشي، إضافة إلى دينغ شياو بينغ، الذي كان أحد أبرز المسؤولين عن إدارة الاقتصاد.

لكن دينغ عاد إلى الساحة السياسية قبل وفاة ماو، ليصبح لاحقا الشخصية الأكثر تأثيرا في إعادة صياغة النظام الصيني.

وبعد وفاة ماو عام 1976، أطيح بـ«عصابة الأربعة» التي ارتبطت بالثورة الثقافية، وبدأت مرحلة جديدة مهدت لصعود دينغ.

دينغ شياو بينغ.. مهندس التحول الصيني

على الرغم من أن دينغ شياو بينغ لم يشغل رسميا منصب رئيس الحزب أو رئيس الدولة، فإنه أصبح منذ عام 1978 صاحب النفوذ الأكبر في عملية صنع القرار.

وأحاط دينغ بمجموعة من كبار المسؤولين الذين لعبوا دورا محوريا في إدارة البلاد خلال مرحلة الإصلاح، وعرفت هذه المجموعة باسم «الثمانية الكبار»، وضمت شخصيات بارزة مثل تشن يون ولي شيان نيان.

أطلق دينغ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي نقلت الصين تدريجيا من نموذج اقتصادي شديد المركزية إلى اقتصاد أكثر انفتاحا على الاستثمار والتجارة والأسواق العالمية.

لكن الانفتاح الاقتصادي لم يكن مصحوبا بتحول سياسي مماثل؛ فقد ظل الحزب الشيوعي محتفظا باحتكاره للسلطة.

تيانانمن.. لحظة فاصلة

في عام 1989، اندلعت احتجاجات واسعة في ميدان تيانانمن ببكين، رفع المشاركون فيها مطالب تتعلق بمكافحة الفساد والإصلاح السياسي والحد من نفوذ المسؤولين والعائلات المرتبطة بالحزب.

وقمعت السلطات الاحتجاجات، وتبع ذلك تشديد سياسي على الأصوات التي طالبت بمزيد من الانفتاح.

وأثرت الأحداث في مسار الإصلاحات، إذ برز تيار أكثر تشددا داخل الحزب، في وقت كان دينغ يحاول الحفاظ على المسار الاقتصادي الذي بدأه.

اختار دينغ لاحقا الانسحاب من المناصب الرسمية، لكنه احتفظ بنفوذ واسع داخل الحزب، وسلم القيادة الرسمية إلى جيانغ زيمين، الذي كان يشغل منصب أمين الحزب في شنغهاي.

جيانغ زيمين يبني «عصبة شنغهاي»

تمكن جيانغ زيمين خلال سنوات قيادته من بناء شبكة نفوذ خاصة داخل الحزب، عرفت لاحقا باسم «عصبة شنغهاي».

وفي الوقت نفسه، طرح جيانغ مفهوم «الممثلين الثلاثة»، الذي سعى من خلاله إلى توسيع قاعدة الحزب لتشمل رجال الأعمال والمثقفين والخبراء والفئات التي صعد نفوذها مع التحولات الاقتصادية.

وفي عام 2002، انتقلت قيادة الحزب إلى هو جينتاو، في إطار انتقال للسلطة كان يعكس تقليدا سياسيا ترسخ خلال العقود السابقة.

هو جينتاو بين عصبة شنغهاي و«توان باي»

لم يكن بناء هو جينتاو لنفوذه داخل الحزب سهلا، إذ ظلت شبكات مرتبطة بجيانغ زيمين حاضرة في مواقع مؤثرة.

لكن هو تمكن تدريجيا من تعزيز موقعه عبر مسؤولين ينتمون إلى اتحاد الشبيبة الشيوعية، المعروف باسم «توان باي»، ليشكل بذلك شبكة نفوذ خاصة به.

وهكذا أصبحت السياسة الصينية في مرحلة ما قبل شي تقوم إلى حد كبير على توازن بين شبكات مختلفة داخل الحزب، بدلا من تركيز السلطة الكاملة في يد زعيم واحد.

وكان شي جين بينغ هو الشخصية التي ستعيد تشكيل هذا التوازن بصورة جذرية.

شي جين بينغ.. من إرث العائلة إلى قمة الحزب

ولد شي جين بينغ في عائلة حزبية نافذة؛ فوالده شي تشونغ شون كان أحد القادة البارزين في الحزب الشيوعي الصيني، وشارك في مراحل الثورة والحرب الأهلية ومقاومة الاحتلال الياباني، قبل أن يتولى لاحقا منصب نائب رئيس الوزراء.

لكن الأسرة لم تكن بمنأى عن اضطرابات الثورة الثقافية. فقد تعرض شي تشونغ شون للإقصاء من مسؤولياته الحزبية، وأرسل للعمل في مصنع لإعادة التأهيل السياسي.

وتأثر شي جين بينغ نفسه بهذه المرحلة في سن مبكرة، قبل أن يبدأ مسارا حزبيا طويلا تدرج خلاله في مواقع محلية وإقليمية، وصولا إلى أعلى هرم السلطة.

وقد ساعد هذا المسار التدريجي على تقديمه داخل الحزب باعتباره مسؤولا يمتلك خبرة إدارية واسعة، قبل أن يصبح لاحقا الشخصية التي ستعيد رسم قواعد تداول السلطة في الصين.

من التوازن بين الأجنحة إلى تركيز السلطة

مع وصول شي جين بينغ إلى قيادة الحزب عام 2012، بدأت مرحلة مختلفة في السياسة الصينية.

أطلق شي حملة واسعة لمكافحة الفساد، أطاحت بمسؤولين كبار وأضعفت شبكات نفوذ داخل الحزب، بينما عزز في الوقت نفسه حضور أنصاره في المواقع القيادية.

ومع مرور السنوات، توسعت سلطة شي داخل مؤسسات الحزب والدولة والجيش، وأصبحت شخصيته ومحاور سياساته أكثر حضورا في الخطاب الرسمي.

ثم جاء المؤتمر العشرون ليكرس النتيجة السياسية لهذه العملية: لم تعد مراكز القوى القديمة قادرة على موازنة نفوذ الزعيم، بينما أصبح المقربون منه يحتلون المواقع الأساسية في القيادة العليا.

مشهد هو جينتاو.. رمز لمرحلة انتهت

لهذا السبب اكتسب خروج هو جينتاو من قاعة المؤتمر في عام 2022 دلالة تتجاوز التفسير الرسمي المتعلق بوضعه الصحي.

فهو جينتاو كان يمثل حقبة كاملة من تاريخ الحزب؛ حقبة تميزت بانتقال منظم نسبيا للسلطة، ووجود شبكات نفوذ متعددة، ومحاولة الحفاظ على نوع من التوازن الداخلي بين مراكز القوى.

أما شي جين بينغ، فقد أعاد بناء النظام حول قيادة أكثر مركزية، وأصبح المؤتمر العشرون علامة بارزة على اكتمال هذا التحول.

وبينما كانت صورة هو جينتاو وهو يغادر القاعة تحمل في ظاهرها قصة صحية، رأى فيها كثيرون صورة رمزية لنهاية حقبة سياسية كاملة، وبداية مرحلة أصبح فيها شي جين بينغ اللاعب الأكثر قوة وتأثيرا في النظام السياسي الصيني منذ عقود.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى