الأخبار العالمية

من حميميم إلى طرطوس.. سوريا تعيد رسم علاقتها العسكرية مع روسيا

أثارت مشاهد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، برفقة عدد من المسؤولين، إلى قاعدة حميميم العسكرية في ريف اللاذقية وميناء طرطوس، اهتماما واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبرها متابعون مؤشرا على تحول لافت في طبيعة العلاقة بين سوريا وروسيا.

وجاءت الزيارة لمتابعة تنفيذ التفاهمات المتعلقة بإعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي في سوريا، وتحويل عدد من المنشآت والقواعد إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك، ضمن ترتيبات جديدة تعكس التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.

مشهدان يفصل بينهما نحو عقد

لفت ظهور ضابط روسي يسير خلف الوزير والوفد السوري أنظار المتابعين، خصوصا أن المشهد أعاد إلى الذاكرة واقعة شهيرة تعود إلى عام 2017، عندما ظهر ضابط روسي وهو يمنع بشار الأسد من السير إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين داخل قاعدة حميميم.

وأعاد ناشطون تداول المشهدين للمقارنة بين مرحلتين مختلفتين في تاريخ العلاقة السورية الروسية، معتبرين أن الصور القديمة والحديثة تختزلان، من وجهة نظرهم، تغيرا في طبيعة حضور الدولة السورية داخل منشآتها السيادية.

ويرى هؤلاء أن مشهد عام 2017 عكس في حينه مستوى النفوذ الروسي خلال عهد النظام السابق، بينما تبدو الصورة الحالية مختلفة، مع تحرك المسؤولين السوريين داخل المنشآت وظهور الترتيبات الجديدة باعتبارها جزءا من إعادة تنظيم العلاقة بين البلدين.

إعادة تنظيم الوجود الروسي

ولا ينظر متابعون إلى التطورات الأخيرة باعتبارها مجرد ترتيبات ميدانية محدودة، بل يربطونها بمفاوضات أوسع تهدف إلى إعادة صياغة الإطار الذي يحكم العلاقات السورية الروسية.

وتشمل الملفات المطروحة مستقبل القواعد والمنشآت الروسية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية، فضلا عن قضايا مرتبطة بشخصيات من النظام السابق الموجودة في روسيا.

وتسعى التفاهمات الجديدة إلى الانتقال من نموذج الوجود العسكري الروسي المباشر إلى صيغة أكثر تنظيما، تقوم على التعاون والتدريب والتأهيل، مع منح المؤسسات السورية دورا أكبر في إدارة المنشآت التي كانت مرتبطة سابقا بالحضور العسكري الروسي.

حميميم وطرطوس في قلب الترتيبات الجديدة

وتبرز قاعدة حميميم وميناء طرطوس باعتبارهما من أهم المواقع التي تشملها الترتيبات الجديدة.

وبموجب التفاهمات، تنتقل إدارة المنشآت المخصصة للاستخدام المدني إلى الدولة السورية، ومن بينها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيدا لدمجها تدريجيا ضمن المنظومة المدنية.

وفي المقابل، يجري تغيير طبيعة استخدام المنشآت ذات الصفة العسكرية، بحيث تتحول إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك، بدلا من استمرارها بصورتها السابقة.

وتحدد الترتيبات مهلة زمنية لا تتجاوز 3 أشهر لاستكمال عملية التحويل وبدء العمل بالصيغة الجديدة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارا عمليا لمدى قدرة الطرفين على تنفيذ ما تم التوصل إليه على أرض الواقع.

السيادة في صدارة المشهد

أعادت التطورات الأخيرة مسألة السيادة الوطنية إلى واجهة النقاش في سوريا، خصوصا مع المقارنات التي أجراها ناشطون بين صور المرحلة السابقة والمشهد الحالي.

ويرى مؤيدو الترتيبات الجديدة أن إعادة تنظيم الوجود الأجنبي داخل البلاد بما يتوافق مع اتفاقات واضحة ومحددة يمكن أن تشكل خطوة باتجاه تعزيز قدرة المؤسسات السورية على إدارة المنشآت الحيوية والعسكرية.

كما يعتبرون أن تحويل بعض القواعد إلى مراكز تدريب مشتركة بدلا من استمرارها كقواعد عسكرية أجنبية يمثل تغييرا في طبيعة الدور الروسي، ويمنح دمشق مساحة أكبر لتحديد شكل التعاون العسكري والأمني مع موسكو.

وفي المقابل، تبقى تفاصيل الاتفاقات وآليات تنفيذها ومدى الالتزام بالجداول الزمنية المحددة عوامل حاسمة في تحديد مستقبل الوجود الروسي في سوريا.

مرحلة جديدة في العلاقات السورية الروسية

وتشير التحولات الجارية في حميميم وطرطوس إلى أن العلاقات السورية الروسية تدخل مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال السنوات الماضية.

فبدلا من الوجود العسكري الروسي بصيغته السابقة، تبرز ترتيبات تقوم على إعادة توزيع الأدوار وربط التعاون العسكري بمؤسسات الدولة السورية، إلى جانب إعادة إدخال المنشآت ذات الاستخدام المدني ضمن منظومة الإدارة السورية.

وبذلك، تحولت زيارة الشيباني إلى حميميم وطرطوس من مجرد نشاط رسمي إلى مشهد سياسي ورمزي أثار نقاشا واسعا حول مستقبل العلاقات بين دمشق وموسكو، وحول قدرة سوريا على إعادة بناء مؤسساتها وترتيب علاقاتها الخارجية على أساس جديد يضع السيادة الوطنية في صدارة الأولويات.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى