بعد 7 أشهر من الحرب.. ترمب بين ضغوط الداخل الأميركي وشروط إيران لإنهاء المواجهة

ترمب يبحث عن مخرج دون دفع ثمن سياسي
بعد مرور 7 أشهر على اندلاع الحرب، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه أمام مشهد شديد التعقيد، إذ تتزامن تصريحاته التي توحي باقتراب نهاية المواجهة واستعداد واشنطن للانفتاح على التفاوض، مع استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية وارتفاع كلفتها.
في المقابل، ترفض طهران العودة إلى طاولة الحوار قبل تنفيذ مطالب تعتبرها أساسية، وترى أن الرسائل الأميركية المتعلقة بالتفاوض قد تكون جزءا من الضغط النفسي والسياسي أكثر من كونها تعبيرا عن استعداد حقيقي لتسوية شاملة.
وتظهر الأرقام الرسمية الأميركية حجم الاستنزاف المتزايد، إذ بلغت كلفة الحرب حتى نهاية يونيو/حزيران نحو 33.4 مليار دولار، من بينها 22.3 مليار دولار خُصصت للذخائر، في ظل ضغوط متزايدة على سلاسل الإمداد.
ويضع ذلك ترمب أمام معادلة دقيقة: إنهاء الحرب قبل أن تتحول تكلفتها إلى عبء انتخابي، مع تجنب تقديم تنازلات يمكن أن يفسرها الناخبون باعتبارها تراجعا عن الوعود التي قطعها بتحقيق النصر.
حسابات انتخابية تضغط على الإدارة
يرى الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الأميركي محمد المنشاوي أن ترمب يواجه مأزقا متزايدا، بعدما كان قد تعهد للناخبين بعدم الدخول في حروب جديدة بالشرق الأوسط، ثم أكد عند اندلاع الحرب أنها لن تستمر لأكثر من 4 أسابيع، بينما وصلت حاليا إلى أسبوعها الـ29.
ويشير المنشاوي إلى أن تداعيات الحرب الاقتصادية باتت أكثر وضوحا، مع ارتفاع أسعار الوقود والديزل والمواد الغذائية واستمرار الضغوط التضخمية، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
ويرى أن هذه الظروف تساعد في تفسير حديث ترمب المتكرر عن موعد محتمل لإنهاء الحرب، في محاولة لإظهار أن إدارته تتحرك نحو وضع حد للمواجهة وتخفيف آثارها الاقتصادية قبل الاستحقاق الانتخابي أو في وقت قريب منه.
من جانبه، يقرأ مراسل الجزيرة في واشنطن مراد هاشم التحول في خطاب ترمب، من رفض التفاوض إلى إعلان الانفتاح عليه، باعتباره رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى الداخل الأميركي، خصوصا مع تركيز الرئيس على تراجع الأسعار وإمكانية انتهاء الحرب قبل الانتخابات أو بعدها بفترة قصيرة.
ولا تقتصر الضغوط على الشارع الأميركي، إذ شهد الكونغرس تحركات تهدف إلى سحب القوات الأميركية أو تقليص التمويل المخصص للحرب، في ظل انقسام سياسي وشعبي حول استمرارها.
ويقول المنشاوي إن هذه التحركات تعكس تنامي الاعتراض السياسي على الحرب، لكنها لم تصل حتى الآن إلى مستوى يسمح بتغيير القرار التنفيذي للإدارة.
أزمة الذخائر تضيف بعدا جديدا للحرب
إلى جانب الحسابات السياسية، تفرض الكلفة العسكرية نفسها على الإدارة الأميركية باعتبارها عاملا إضافيا يدفع نحو البحث عن مخرج سياسي.
وأشار تقرير للمفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية إلى وجود نقص في مخزونات الذخائر واختناقات في سلاسل التوريد، بينما تعمل الوزارة على تسريع عمليات الشراء وزيادة الإنتاج لتعويض ما استُهلك خلال العمليات العسكرية.
وفي المقابل، يسعى ترمب إلى التقليل من المخاوف المتعلقة باستنزاف الترسانة الأميركية، مؤكدا أن مصانع الدفاع تعمل على مدار الساعة، وأن إنتاج منظومات مثل باتريوت وثاد وتوماهوك يشهد تسارعا.
لكن التباين بين تصريحات الرئيس والتقارير المتعلقة بمخزونات الذخائر يعكس تحولا في ملف الإمدادات العسكرية، الذي لم يعد مسألة لوجستية فحسب، بل أصبح أيضا جزءا من السجال السياسي حول كلفة الحرب وقدرة الولايات المتحدة على مواصلتها.
العقوبات تتحول إلى أداة للضغط على طهران
بالتوازي مع الضغوط العسكرية، توسع واشنطن نطاق المواجهة الاقتصادية عبر فرض عقوبات تستهدف مؤسسات وشبكات مصرفية مرتبطة بإيران في دول عدة، بينها روسيا والصين.
وتعتمد الإدارة الأميركية في هذا السياق على العقوبات الثانوية، بهدف تضييق قنوات التجارة والتمويل التي تستخدمها طهران وشركاؤها للالتفاف على العقوبات المفروضة عليها.
ويرى خبير الأمن والاستراتيجية العسكرية ريتشارد وايتز أن واشنطن تراهن في هذا المسار على عامل الوقت أكثر من اعتمادها على الحسم العسكري المباشر، إذ تحتاج العقوبات إلى فترة حتى تظهر آثارها، بينما تراهن الإدارة الأميركية على أن الضغوط الاقتصادية ستدفع إيران في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات.
وتسعى الولايات المتحدة من خلال ذلك إلى تجنب الدخول في مفاوضات سريعة من موقع الطرف المضطر، في حين تراهن طهران على اقتراب الانتخابات الأميركية باعتباره عاملا قد يجبر ترمب على إبداء قدر أكبر من المرونة.
وفي إطار تشديد الضغوط، لم تعد العقوبات الأميركية مقتصرة على المؤسسات الإيرانية، بل امتدت إلى شبكات مالية خارجية تتهمها واشنطن بمساعدة طهران على تجاوز القيود المفروضة عليها.
ومن أحدث هذه الإجراءات استهداف مصرف «في تي بي» الروسي بعقوبات أميركية، على خلفية ما وصفته واشنطن بالتعاون المالي مع إيران.
طهران: التفاوض لن يبدأ بلا شروط
لكن الرهان الأميركي على الضغط الاقتصادي يصطدم بموقف إيراني واضح يرفض الدخول في مفاوضات من دون تحقيق مجموعة من الشروط المسبقة.
وأوضحت مراسلة الجزيرة في طهران رانيا قاسمي أن المطالب الإيرانية تنقسم إلى مسارين رئيسيين، أولهما عسكري، ويتضمن وقف الهجمات والتهديدات، وإنهاء الحصار البحري، ووقف استهداف المصالح الإيرانية.
أما المسار الثاني فيتعلق بالجانب الاقتصادي، ويشمل الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة، ورفع العقوبات، إلى جانب المطالبة بتعويضات عن الخسائر التي خلفتها الحرب.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث المتخصص في القضايا الإقليمية حسين رويوران أن طهران لا ترفض الحوار من حيث المبدأ، لكنها تريد قبل استئنافه وضع إطار يضمن عدم انهيار المفاوضات في مراحل لاحقة.
ويستند هذا الموقف، بحسب رويوران، إلى تجارب تفاوضية سابقة عززت لدى إيران الاعتقاد بأن المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تنتهي إلى تصعيد جديد بدلا من الوصول إلى تسوية مستقرة.
أزمة الثقة تعرقل أي تسوية
وتبقى أزمة الثقة واحدة من أبرز العقبات أمام استئناف الحوار، إذ تنظر إيران إلى التحركات الأميركية باعتبارها محاولة لإدارة الأزمة من خلال التفاوض، بينما تريد طهران اتفاقا نهائيا يعالج أسباب المواجهة ويضع ضمانات تحول دون تكرار سيناريو التفاوض الذي يعقبه تصعيد عسكري.
ولهذا تتمسك طهران بجوهر مذكرة التفاهم السابقة التي ربطت إعادة فتح مضيق هرمز بترتيبات متبادلة، من بينها رفع الحصار وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
وكانت المذكرة قد وُقعت في يونيو/حزيران، لكنها انهارت لاحقا نتيجة الخلافات المتعلقة بالمضيق، لتعود بذلك قضية هرمز إلى صدارة الملفات المرتبطة بأي مسار تفاوضي محتمل.
وبينما يحاول ترمب الموازنة بين الرغبة في إنهاء الحرب والضغوط الاقتصادية والعسكرية والانتخابية داخل الولايات المتحدة، تتمسك طهران بالحصول على ضمانات وشروط مسبقة قبل العودة إلى الحوار، وهو ما يجعل الطريق إلى تسوية نهائية محفوفا بعقبات سياسية وعسكرية واقتصادية متشابكة.









