سجين بلا هاتف.. كيف اكتشف مسؤول أمريكي سابق أن الزنزانة منحت عقله حرية أكبر؟

في مفارقة غير متوقعة، اكتشف السياسي الأمريكي والمسؤول السابق في مجلس مدينة سينسيناتي، بي جي سيتينفيلد، أن فقدان حريته الجسدية خلال فترة سجنه أتاح له نوعا مختلفا من الحرية، بعدما اضطر إلى الابتعاد عن هاتفه الذكي واستعاد تدريجيا شعورا بالهدوء والتركيز كان يفتقده في حياته اليومية.
وسلطت تجربة سيتينفيلد الضوء على علاقته بالتكنولوجيا، بعدما تحدث عن الفترة التي قضاها من دون هاتف، وكيف ساعده غياب الجهاز على استعادة حضوره الذهني والتخلص من المقاطعات المستمرة التي كانت تفرضها الإشعارات والتنبيهات والتصفح المتواصل.
وحظيت تجربته باهتمام واسع بعد نشر مقال في صحيفة وول ستريت جورنال تحدث فيه عن علاقته بالهاتف الذكي، وكيف يمكن لجهاز أصبح جزءا أساسيا من الحياة الحديثة أن يتحول، بحسب تجربته، إلى عامل يستنزف الانتباه ويبعد الإنسان عن اللحظة التي يعيشها.
صدمة الابتعاد عن الهاتف
قبل دخوله السجن، لم تكن علاقة سيتينفيلد بهاتفه مختلفة كثيرا عن علاقة ملايين المستخدمين بأجهزتهم؛ فقد كان الهاتف ملازما له في يده أو جيبه، فيما كانت التنبيهات والإشعارات تقطع تركيزه بصورة متكررة وتشتت أفكاره.
لكن السجن فرض عليه توقفا كاملا عن استخدام الهاتف، بعدما أصبح الجهاز خارج متناول يده. ورغم أن الانقطاع لم يكن قرارا اختاره بإرادته، فإنه تحول مع مرور الوقت إلى تجربة غيرت نظرته إلى علاقته بالتكنولوجيا.
ولم يلمس سيتينفيلد آثار هذا التغيير بصورة فورية، بل بدأ يلاحظها تدريجيا. ومع مرور الأيام، شعر بأن غياب الهاتف أتاح له أن يكون أكثر انتباها لما يجري حوله، وأقل انشغالا بالمعلومات والتنبيهات التي تظهر باستمرار على الشاشة.
وأدرك أن الجهاز الذي كان يعتبره أداة ضرورية للتواصل وإنجاز المهام كان يحتل مساحة كبيرة من انتباهه، حتى عندما لم يكن يستخدمه فعليا.
الزنزانة ومساحة الصفاء
المفارقة الأساسية في تجربة سيتينفيلد لم تكن في فقدان الهاتف وحده، وإنما في اكتشافه أن السجن، رغم كونه مكانا يقيد الحركة، منحه فرصة للابتعاد عن مصدر دائم للمشتتات الرقمية.
فمع اختفاء الإشعارات والتصفح المتكرر، وجد نفسه أكثر قدرة على التركيز وأقل تعرضا للمقاطعات التي كانت تفرضها التكنولوجيا على تفاصيل يومه.
ومن هنا بدأ ينظر إلى مفهوم الحرية بطريقة مختلفة، إذ لم تعد بالنسبة إليه مرتبطة بالحركة الجسدية والخروج من مكان مغلق فقط، وإنما أصبحت تشمل قدرة الإنسان على التحكم في انتباهه وأفكاره ووقته.
لكن الاختبار الحقيقي جاء بعد خروجه من السجن.
العودة إلى الهاتف أعادت العادات القديمة
حصل سيتينفيلد لاحقا على عفو رئاسي كامل، كما أُلغيت إداناته بحكم من المحكمة العليا، ليعود إلى حياته الطبيعية ويستعيد هاتفه الذكي.
غير أن العودة إلى الجهاز أعادت معه، خلال أسابيع قليلة، أنماطا سلوكية كان قد تخلص منها أثناء فترة ابتعاده عنه؛ فعاد إلى التصفح المتكرر والانشغال بالإشعارات والمحفزات الرقمية.
ويرى سيتينفيلد أن سرعة عودته إلى عاداته السابقة كشفت له مدى قوة التقنيات الحديثة، وقدرتها على جذب الانتباه والتأثير في السلوك.
وبحسب روايته، لم تكن المشكلة في الهاتف باعتباره جهازا بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي صُممت بها كثير من الخدمات والتطبيقات الرقمية لجذب المستخدم وإبقائه متفاعلا معها.
حرية لا تُرى بالعين
يرى سيتينفيلد أن انتشار تجربته لا يرتبط بقصة السجن وحدها، بل بالفكرة الأوسع التي خلص إليها بشأن معنى الحرية.
فالإنسان، من وجهة نظره، قد يكون حرا جسديا، لكنه يفقد جزءا من استقلاله الذهني عندما يصبح انتباهه موزعا باستمرار بين الإشعارات والتطبيقات والمحتوى المتدفق.
ويتمثل هذا النوع من التأثير في اقتطاع لحظات صغيرة من الحياة اليومية؛ دقيقة هنا لتفقد الهاتف، وأخرى للرد على إشعار، ثم الانتقال إلى تطبيق أو محتوى آخر، إلى أن يصبح التشتت جزءا من الروتين اليومي.
ماذا ندفع مقابل دقائق التصفح؟
لا يدعو سيتينفيلد إلى التخلي الكامل عن الهواتف الذكية أو منع استخدامها، لكنه يلفت إلى الفرق بين استخدام التكنولوجيا كأداة وبين تحولها إلى عادة تستحوذ على جزء متزايد من اليوم.
ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال بالنسبة إليه ليس فقط مقدار الوقت الذي يقضيه الإنسان أمام الشاشة، وإنما ما الذي يخسره في المقابل: هل هي لحظات مع العائلة، أم التركيز في العمل، أم فرصة للهدوء والتأمل والصلاة؟
وهكذا تحولت تجربة سيتينفيلد من مجرد فترة اضطر فيها إلى العيش بلا هاتف إلى مراجعة أوسع لعلاقته بالتكنولوجيا، بعدما اكتشف أن الابتعاد عن الجهاز لم يسلبه شيئا بقدر ما أعاد إليه، بحسب وصفه، جزءا من انتباهه الذي كان موزعا بين شاشة صغيرة لا تفارقه.









