الهجرة والهوية وصعود اليمين المتطرف.. 3 ملفات تشعل النقاش في فرنسا

تشهد الساحة الفرنسية نقاشا متصاعدا حول ثلاثة ملفات مترابطة وحساسة، هي الهجرة والهوية وصعود اليمين المتطرف، وسط قراءات متباينة تتناول هذه القضايا من زوايا تاريخية وسياسية وديموغرافية.
وتقدم تقارير وتحليلات نشرتها مواقع وصحف فرنسية، من بينها “أوريان 21″ و”لوفيغارو” و”ليبراسيون”، مقاربات مختلفة لطبيعة التحولات التي يشهدها المجتمع الفرنسي، وانعكاساتها على قضايا السكان والاندماج والهوية والحياة السياسية.
سيناريوهات ديموغرافية حتى عام 2100
نشرت صحيفة “لوفيغارو” ملخصا لدراسة أعدها مرصد الهجرة والديموغرافيا، تناولت مستقبل التركيبة السكانية في فرنسا استنادا إلى مستويات مختلفة من الهجرة والسياسات المرتبطة بها.
وتؤكد الدراسة أن نتائج النمذجة لا تمثل توقعات مؤكدة، وإنما سيناريوهات افتراضية تعتمد على مجموعة من الفرضيات، في ظل صعوبة التنبؤ بعوامل مثل معدلات الخصوبة والهجرة الوافدة وحالات الهجرة العكسية.
وتطرح الدراسة ثلاثة مسارات رئيسية تمتد حتى عام 2100.
وفي السيناريو الذي يفترض أعلى مستويات للهجرة، مع وصول نحو 350 ألف شخص سنويا بشكل دائم، تشير التقديرات إلى أن الأشخاص من أصول خارج أوروبا، وفق التعريف المستخدم في الدراسة والذي يتتبع ثلاثة أجيال، قد يشكلون غالبية المواليد بعد عام 2040 بقليل، قبل أن يصبحوا أغلبية بين مجموع السكان في منتصف سبعينيات القرن الحالي.
أما السيناريو المتوسط، الذي يقوم على استقبال نحو 250 ألف مهاجر دائم سنويا، فيتوقع أن تظهر الأغلبية بين المواليد بعد عام 2050 بقليل، بينما قد تتحقق بين إجمالي السكان خلال تسعينيات القرن الحالي.
وفي السيناريو الأكثر تقييدا، الذي يفترض خفض الهجرة القادمة من خارج أوروبا إلى ربع مستواها في السيناريو المتوسط، تتوقع الدراسة أن تستقر نسبة الأشخاص من أصول خارج أوروبا عند قرابة 30% من السكان بحلول عام 2070.
وتشدد الدراسة على أن هذه النتائج مرتبطة بالافتراضات المستخدمة في بناء النماذج، وبالتالي لا يمكن التعامل معها باعتبارها حتميات مستقبلية.
التاريخ الاستعماري في نقاش الهوية
وفي مقاربة مختلفة، ناقشت ندوة قدمها موقع “أوريان 21” العلاقة بين الهجرة والعنصرية وكراهية الإسلام، مع التركيز على الخلفيات التاريخية والسياسية التي شكلت النقاش الفرنسي حول الهوية والهجرة.
ورأى الفيلسوف والناشط والكاتب في قضايا الإسلاموفوبيا بيير تيفان أن فهم أشكال العنصرية المعاصرة في فرنسا يحتاج إلى العودة إلى التاريخ الاستعماري للبلاد.
وأوضح أن العنصرية لا تقوم فقط على التعامل مع مجموعة باعتبارها مختلفة، وإنما تتحول المشكلة إلى عنصرية عندما يجري استخدام ذلك الاختلاف لتبرير الانتقاص أو التمييز أو تكريس عدم المساواة.
من جانبها، تناولت سارة جريرا، رئيسة تحرير “أوريان 21″، مفهوم العلمانية الذي يمثل أحد المبادئ الأساسية في النظام السياسي الفرنسي، مشيرة إلى أن النقاش العام شهد توسيعا لنطاق استخدامه ليشمل قضايا ترى أنها لا ترتبط به بشكل مباشر.
وأشارت إلى أمثلة تتعلق بالقواعد المنظمة للصور الرسمية وبعض الإجراءات المرتبطة بمكافحة العنصرية، معتبرة أن توظيف مفهوم العلمانية في قضايا مختلفة أدى إلى توسيع دلالاته في الخطاب العام.
أما الصحفية والباحثة ماري لوك، فقد ركزت على الجانب التاريخي للخطابات المتداولة حاليا، وربطت بعض المفردات المستخدمة في الحديث عن “الاستبدال” و”الغزو” بخطابات ظهرت في مراحل سابقة لدى تيارات اليمين المتطرف.
وبحسب المشاركين في الندوة، فإن دراسة التاريخ الاستعماري، وفهم مفهوم العلمانية بدقة، وتحليل الخطاب الإعلامي، إلى جانب تتبع كيفية تشكل الصور النمطية عن المهاجرين والمسلمين، تعد عناصر مهمة لفهم النقاش المتعلق بالعنصرية وكراهية الإسلام.
حضور اليمين المتطرف في الحياة المحلية
وفي سياق آخر، ركزت صحيفة “ليبراسيون” على مظاهر الحضور السياسي والاجتماعي لليمين المتطرف من خلال مقال للكاتب توماس لوغران تناول فيه مدينة كاركاسون.
وساق الكاتب مجموعة من الوقائع التي اعتبرها مؤشرات على حضور أفكار مرتبطة باليمين المتطرف داخل مؤسسات محلية، مستشهدا بمواقف وتصرفات رئيس البلدية المنتمي إلى حزب التجمع الوطني.
كما أشار إلى تسجيلات منسوبة إلى مسؤول في الشرطة البلدية، قالت الصحيفة إنها تضمنت مضامين عنصرية وتآمرية وجنسية.
وتناول التقرير أيضا مقطعا مصورا لخطيب ديني عسكري يدعى رومان غاندور، تحدث فيه، وفقا لما نقلته الصحيفة، عن احتمال تعرض فرنسا لما وصفه باستبدال ثقافتها وقيمها، في طرح يرتبط بنظرية “الاستبدال الكبير”.
وتعكس هذه القراءات المختلفة اتساع النقاش الفرنسي حول الهجرة والهوية، بين دراسات تحاول استشراف التحولات الديموغرافية على مدى عقود، ومقاربات تاريخية تبحث في جذور الخطاب المتعلق بالعنصرية والهجرة، وأخرى تتابع حضور أفكار اليمين المتطرف في المجال السياسي والاجتماعي.









