الحرب الهجينة.. أسلوب صراع يمزج القوة العسكرية بالهجمات السيبرانية والضغط الاقتصادي

لم تعد المواجهات بين الدول تقتصر على ساحات القتال التقليدية، إذ ظهرت أنماط من الصراع تجمع بين الوسائل العسكرية وغير العسكرية، وتستهدف الخصم عبر مجالات متعددة في وقت واحد. ويُعرف هذا النمط باسم “الحرب الهجينة”، وهي استراتيجية تقوم على دمج أدوات مختلفة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية من دون الدخول بالضرورة في حرب شاملة ومعلنة.
وتتميز الحرب الهجينة بسمتين أساسيتين؛ الأولى صعوبة الفصل بين فترتي السلم والحرب، إذ يمكن أن تستمر العمليات العدائية من دون إعلان مواجهة عسكرية مباشرة، والثانية صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات، خصوصا عندما تُنفذ عبر جهات أو أدوات يصعب ربطها رسميا بدولة بعينها.
وقد ارتبط المصطلح بصورة خاصة بالتطورات التي شهدتها شبه جزيرة القرم عام 2014، عندما اتُّهمت روسيا باستخدام ما عُرف بـ”الرجال الخضر الصغار”، ثم عاد المفهوم إلى الواجهة بقوة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، مع تصاعد الاتهامات الغربية لموسكو باستخدام أدوات الحرب الهجينة ضد دول حلف شمال الأطلسي.
كيف ظهرت فكرة الحرب الهجينة؟
دخل مصطلح “الحرب الهجينة” إلى الأدبيات الأمنية في بدايات القرن الحادي والعشرين، قبل أن يكتسب حضورا أوسع بعد دراسة نشرها عام 2007 فرانك هوفمان، الجندي السابق في مشاة البحرية الأميركية والباحث في قضايا الدفاع.
وعرّف هوفمان الحروب الهجينة باعتبارها مزيجا من أنماط متعددة من الحرب، تشمل القدرات العسكرية التقليدية، والتكتيكات والتشكيلات غير النظامية، إلى جانب أعمال إرهابية تقوم على العنف العشوائي والإكراه وإحداث الفوضى.
ولا تقتصر هذه الأدوات على مجال واحد، بل يمكن استخدامها بالتزامن لاستهداف نقاط مختلفة لدى الدولة الخصم، من مؤسساتها السياسية والاقتصادية إلى بنيتها التحتية ومجالها المعلوماتي.
ومن بين الأساليب التي يمكن أن تدخل ضمن هذا النوع من المواجهات التدخل في الانتخابات، وتنفيذ عمليات اغتيال، واستهداف البنية التحتية الحيوية، بما فيها الكابلات البحرية، إلى جانب حملات التأثير والتضليل. وتكمن إحدى أبرز الصعوبات في أن إثبات مسؤولية دولة بعينها عن مثل هذه العمليات قد يكون معقدا.
أربعة مجالات رئيسية للمواجهة
تتناول دراسة بعنوان “الحرب الهجينة: النظرية والتكتيكات والتداعيات الاستراتيجية”، نشرها سامخارادزه وتشيتشوا عام 2025، أربعة مجالات رئيسية يمكن أن تدور فيها الحرب الهجينة.
المجال الجغرافي: يشمل استخدام القوة العسكرية التقليدية والاشتباكات المحلية، إضافة إلى دعم الحركات الانفصالية أو تشجيعها، ومحاولات تغيير الأنظمة السياسية، وما يعرف بـ”الثورات الملونة”.
المجال الاقتصادي: يمكن أن تستخدم الدول العقوبات والضغوط الاقتصادية والحصارات باعتبارها أدوات لإضعاف الخصم وإجباره على تغيير سلوكه.
المجال السيبراني: يتضمن الهجمات الإلكترونية التي تستهدف المؤسسات السياسية والاقتصادية، فضلا عن محاولات التأثير في الأسواق والأنظمة الرقمية أو إقصاء منتجات الخصم من الأسواق العالمية.
المجال المعلوماتي: يستهدف التأثير في الرأي العام ومنظومات القيم والسرديات الوطنية، بما في ذلك نشر المعلومات المضللة ومحاولات فرض روايات بديلة على المجتمع المستهدف.
ويرى محللون آخرون أن نطاق الحرب الهجينة يمكن أن يكون أوسع من هذه المجالات الأربعة، بحيث يمتد إلى قطاعات مختلفة من الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
القرم.. النموذج الأكثر ارتباطا بالمفهوم
ارتبطت الحرب الهجينة بصورة واسعة بضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014. ففي ذلك الوقت ظهرت مجموعات مسلحة أُطلق عليها اسم “الرجال الخضر الصغار”، ولم تكن تحمل شارات عسكرية واضحة، قبل أن تفرض القوات الروسية سيطرتها على أجزاء واسعة من شبه الجزيرة من دون اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
وأصبحت هذه التجربة لاحقا من أبرز الأمثلة التي يُستشهد بها عند الحديث عن الحرب الهجينة، بسبب الجمع بين التحركات العسكرية والأدوات السياسية والمعلوماتية، مع الغموض الذي أحاط بهوية القوات الموجودة على الأرض في المرحلة الأولى.
ومع بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا عام 2022، اتسعت الاتهامات الموجهة إلى موسكو باستخدام أدوات هجينة ضد دول حلف شمال الأطلسي.
وفي 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قال الأمين العام للحلف مارك روته إن روسيا تنفذ حملة متصاعدة من الهجمات الهجينة في أراضي دول الحلفاء، واتهمها بالتدخل في الديمقراطيات وتخريب صناعات وارتكاب أعمال عنف.
نورد ستريم.. صعوبة تحديد المسؤول
شكلت انفجارات خطي أنابيب الغاز “نورد ستريم” في سبتمبر/أيلول 2022 مثالا آخر على الجدل المرتبط بالعمليات الهجينة وصعوبة تحديد المسؤولية.
فعقب الانفجارات، وجهت دول غربية اتهامات إلى موسكو بالوقوف وراء العملية، بينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها.
وتظهر هذه الواقعة إحدى السمات الأساسية للحرب الهجينة، وهي أن العملية قد تكون ذات تأثير استراتيجي كبير، في حين يظل تحديد الجهة التي تقف خلفها موضع خلاف أو تحقيق.
اتهامات بعمليات تخريب واغتيال
لم تتوقف الاتهامات المرتبطة بالحرب الهجينة عند الهجمات على البنية التحتية. ففي أبريل/نيسان 2024، اتهمت المملكة المتحدة روسيا بالوقوف وراء هجوم إحراق متعمد استهدف مستودعا تابعا لشركة مرتبطة بأوكرانيا في شرق لندن.
وفي يوليو/تموز من العام نفسه، أفادت شبكة “سي إن إن” بأن الولايات المتحدة وألمانيا أحبطتا مخططا روسيا لاغتيال أرمين بابيرغر، رئيس شركة ألمانية تزود أوكرانيا بالأسلحة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حذر رئيس جهاز الاستخبارات الألماني آنذاك برونو كال من أن تكثيف روسيا لاستخدام إجراءات مرتبطة بما وصفه بـ”الحرب الهجينة” قد يزيد خطر انتقال هذه المواجهة إلى مستوى يضع حلف شمال الأطلسي أمام بحث تفعيل بند الدفاع المشترك.
وتنص المادة الخامسة من معاهدة الناتو على أن أي هجوم مسلح على دولة عضو يُتعامل معه باعتباره هجوما على جميع أعضاء الحلف، وهو ما يفسر حساسية العمليات التي يمكن أن تقع في المنطقة الرمادية بين العمل العدائي والحرب التقليدية.
وهكذا تمثل الحرب الهجينة نمطا من الصراع يصعب اختزاله في المعارك العسكرية وحدها، لأنها تجمع بين القوة والاقتصاد والفضاء السيبراني والمعلوماتي، وتستفيد من الغموض وصعوبة الإسناد بهدف تحقيق تأثير واسع من دون الانتقال بالضرورة إلى مواجهة عسكرية شاملة.









