الخبز.. من غذاء الجسد إلى رمز للحياة والذاكرة والهوية في حضارات العالم

حكاية رغيف تتجاوز حدود الغذاء
يفتتح الكاتب الكرواتي الراحل بريدراغ ماتفليجيفيتش (1932-2017) كتابه «الخبز: الأهمية الثقافية والرمزية لدى حضارات العالم المختلفة» بدعوة القارئ إلى التأمل في رغيف الخبز، ذلك الغذاء المصنوع أساسا من الحبوب والمواد النباتية.
وينطلق الكاتب من سؤال بسيط لكنه عميق: كيف يستطيع الخبز، رغم بساطة مكونه الأساسي، أن يغذي جسدا بشريا يتكون من الجلد واللحم والأوردة والأوتار والعظام وغيرها من الأنسجة؟
ومن هذا السؤال يبدأ الكتاب رحلة تتجاوز وصفات إعداد الطعام، لتتبع تاريخ الخبز ومكانته الثقافية والرمزية عبر الحضارات، بدءا من بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، مرورا باليونان وروما، وصولا إلى مناطق الشرق الأقصى والعالم الجديد.
ويستعرض ماتفليجيفيتش خلال هذه الرحلة العادات والطقوس والأساطير والحكايات والأمثال التي ارتبطت بالرغيف، ليكشف كيف تحولت قطعة الغذاء اليومية إلى رمز للحياة والحنين والانتماء.
علاقة الخبز بالجسد والحواس
يرى الكتاب أن العلاقة بين الخبز والجسد تتجاوز مسألة سد الجوع، فالخبز يخاطب الحواس المختلفة ويترك أثرا عميقا في الذاكرة.
وتأتي رائحة الخبز الطازج في مقدمة هذه المؤثرات، إذ يمكن لرائحته أن تستحضر ذكريات الطفولة والشباب، وتعيد إلى الذهن مشاهد وأحاسيس قديمة يصعب استحضارها بوسائل أخرى.
أما المذاق، فيفتح بابا آخر للذاكرة والمقارنة، إذ يدفع الإنسان إلى التساؤل عما إذا كان الرغيف الذي يتناوله يحمل الطعم الذي اعتاده، وما إذا كان هذا الطعم قد تغير مع مرور الزمن، وإن كان التغير قد جعله أفضل أم أقل جودة.
ويحتل ملمس الخبز مكانة مماثلة، فنعومة القشرة أو هشاشتها، وطراوة الداخل، والإحساس الذي ينتقل إلى اليدين عند الإمساك بالرغيف وكسره، كلها تفاصيل ساهمت في تشكيل علاقة الإنسان بهذا الغذاء عبر حياته اليومية.
طقوس وعادات تحيط بالرغيف
لم تقتصر مكانة الخبز على الحواس، بل أحاطته مجتمعات مختلفة بمجموعة من الطقوس والعادات التي تكشف عن مكانته الرمزية.
ففي مناطق من المغرب العربي والمشرق، وكذلك في جزيرتي كريت وقبرص، ارتبط إعداد العجين قديما بقواعد تتعلق بالجسد والنظافة، إذ كانت النساء يُمنعن من العجن خلال فترة الحيض، بينما كان الرجال مطالبين بحلق أذرعهم حتى المرفق وارتداء قبعة، تجنبا لسقوط الشعر أو العرق في العجين.
وكان الاقتراب من العجين والفرن مقصورا على من تتوافر فيهم شروط النظافة، في انعكاس للمكانة الخاصة التي اكتسبتها عملية صناعة الخبز.
ولا تزال بعض العادات المرتبطة باحترام الرغيف حاضرة في عدد من البيوت، فعندما تسقط قطعة خبز على الأرض، يُنظر إلى تركها هناك باعتباره أمرا غير لائق، فيُطلب التقاطها وتقبيلها احتراما لها.
كما اعتاد الخبازون النقر على الأرغفة بعد إخراجها من الفرن، للتأكد من اكتمال نضجها.
الخبز بين الدين والحياة اليومية
حضر الخبز كذلك في النصوص الدينية، بما يعكس ارتباطه المبكر بمعاني العمل والمعيشة والوجود الإنساني.
ويرد في سفر التكوين 19:3 نص يشير إلى الخبز في سياق الحديث عن مشقة الحياة والعمل، وهو ما يعكس حضوره بوصفه جزءا أساسيا من معيشة الإنسان.
ويقدم ماتفليجيفيتش الخبز بوصفه نتاجا مشتركا للطبيعة والثقافة، فقد ارتبط عبر التاريخ بالسلام كما ارتبط بالصراعات، وكان رمزا للأمل في بعض السياقات ومصدرا لليأس في سياقات أخرى.
كما تختلف نظرة الإنسان إلى الجسد والخبز باختلاف معتقداته وتصوره للعالم. ويورد الكاتب مثال رجل الدين الفارسي زرادشت، الذي منح الروح مكانة أكبر من الجسد، في سياق حرصه على عدم تلويث الأرض.
من جلجامش إلى الملاحم اليونانية
يرفض ماتفليجيفيتش التعامل مع المقولة الشهيرة «لا يمكن للمرء أن يعيش على الخبز وحده» باعتبارها تلخص حقيقة العلاقة بين الإنسان والرغيف.
ويربط المؤلف الخبز بقضية الأمن الغذائي التي ظلت حاضرة في تاريخ المجتمعات، خصوصا في فترات المجاعات الطويلة التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم، وأدت إلى اختلال العلاقة الطبيعية بين الإنسان وغذائه الأساسي.
وتقدم النصوص الأدبية القديمة شواهد على المكانة التي احتلها الخبز منذ أقدم الحضارات. ففي ملحمة جلجامش، ترد الإشارة إلى سبع سنوات من الجفاف ضربت مدينة أوروك، حتى لم يعد سكانها يجدون حبة قمح واحدة.
وتعود الملحمة المكتوبة بالخط المسماري إلى نحو عام 1800 قبل الميلاد، كما تتضمن إشارة إلى الخبز الذي تذوقه إنكيدو للمرة الأولى، بعدما كان يعتمد في غذائه على الطرائد التي يصطادها.
وفي «الإلياذة»، يظهر الدقيق الأبيض ضمن تفاصيل إعداد وجبة للعمال، بينما تتناول «الأوديسة» الفروق بين من يأكلون الخبز ومن يأكلون اللوتس، في إشارة إلى تصورات تلك النصوص عن الشعوب وأنماط العيش.
كما يظهر الخبز والملح في سياقات أخرى من الملحمة، في حين لم يكن هذان الغذاءان مألوفين لدى بوليفيموس، وهو ما يبرز حضور الخبز ومشتقاته في تفاصيل الحياة اليومية منذ العصور القديمة.
الخبز في الأدب والذاكرة
انتقل الخبز من موائد الناس إلى صفحات الأدب، حيث اكتسب معاني تتجاوز قيمته الغذائية ليصبح رمزا للهوية والكرامة والحنين والبقاء.
وفي الأدب العربي الحديث، ارتبط الخبز بصورة واضحة بالبيت والأم والطفولة، وهو ما يظهر في قصيدة محمود درويش الشهيرة:
«أحنُّ إلى خبزِ أمي
وقهوةِ أمي
ولمسةِ أمي»
وفي هذا السياق، يتناول كتاب «تاريخ عالمي للخبز» للباحث الأميركي ويليام روبل، بترجمة نادين العودة، تطور صناعة الخبز في المجتمعات المختلفة، وتأثيره في مسار الحضارة الإنسانية، إضافة إلى الدور الذي أداه التطور التقني في تغيير طرق إنتاجه.
كما وجد الخبز طريقه إلى الأعمال الروائية، ومن أبرز الأمثلة رواية «خبز على طاولة الخال ميلاد» للروائي الليبي محمد النعاس، حيث يتحول الخبز إلى عنصر محوري في العمل، ويقول ميلاد في أحد مقاطع الرواية إن مزاجه ظل مرتبطا بالخبز، مؤكدا أنه لم يرتبط بأي شيء في حياته بالطريقة نفسها.
وهكذا يظهر الخبز في التجربة الإنسانية بوصفه أكثر من مجرد طعام؛ فهو جزء من الذاكرة، وعنصر في الطقوس، وحاضر في الأساطير والنصوص الدينية والملاحم والأدب، ومرآة تعكس علاقة الإنسان بجسده ومجتمعه وأرضه وهويته.









