صحة

لماذا تزداد أعراض بعض أمراض الأطفال ليلا؟ تفسيرات علمية لدور النوم والساعة البيولوجية

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

الأعراض الليلية لا تعني بالضرورة تفاقم المرض

يلاحظ كثير من الآباء أن أطفالهم المصابين بعدوى فيروسية أو الربو أو التهاب الأذن الوسطى أو الحمى وبعض أمراض الجهاز التنفسي، قد تبدو حالتهم مستقرة خلال ساعات النهار، قبل أن تصبح الأعراض أكثر وضوحا أو إزعاجا أثناء الليل.

وقد يظهر ذلك في صورة زيادة ضيق التنفس أو السعال أو الحمى أو أعراض التهاب الحنجرة، الأمر الذي قد يدفع بعض الأسر إلى طلب الرعاية الطبية أو التوجه إلى أقسام الطوارئ.

لكن ظهور الأعراض بصورة أكثر حدة خلال الليل لا يعني بالضرورة أن المرض الأساسي أصبح أكثر نشاطا بعد غروب الشمس. فهذه الظاهرة قد تكون نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها الساعة البيولوجية، والتغيرات الفسيولوجية المصاحبة للنوم، والاستجابات المناعية، والعوامل البيئية، فضلا عن الطريقة التي يدرك بها الطفل أو والديه الأعراض.

وأجرى البروفيسور الدكتور محمد عطا حندوس، الاستشاري الأول وزميل الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال في كلية الطب بجامعة قطر، بحثا تناول العوامل الفسيولوجية والمناعية والبيئية التي يمكن أن تساعد في تفسير هذا النمط من الأعراض.

الساعة البيولوجية ودورها في الأعراض

تعمل وظائف الجسم وفق إيقاعات بيولوجية يومية تنظمها بصورة رئيسية النواة فوق التصالبة (SCN) الموجودة في منطقة ما تحت المهاد بالدماغ.

وتؤثر هذه الساعة الداخلية في مجموعة واسعة من العمليات الحيوية، بينها الاستجابة المناعية، وإفراز الهرمونات، ودرجة توتر المسالك الهوائية، وإنتاج الوسائط الالتهابية، وتنظيم حرارة الجسم، إضافة إلى دورة النوم والاستيقاظ.

وعند الأطفال، يمكن لهذه التغيرات اليومية أن تؤثر في طريقة ظهور أعراض العديد من الأمراض خلال ساعات الليل، حتى عندما لا يكون المرض نفسه قد شهد تغيرا جوهريا في نشاطه.

ولهذا فإن فهم توقيت الأعراض لا يقل أهمية عن معرفة طبيعة المرض، خصوصا بالنسبة إلى الحالات التي تظهر بصورة متكررة خلال فترة محددة من اليوم.

النوم يغير طريقة ظهور الأعراض

لا تحدث التغيرات الليلية بسبب الساعة البيولوجية وحدها، إذ يرتبط النوم نفسه بمجموعة من التغيرات في وظائف الجسم.

فخلال النوم تتغير آليات عمل مجرى الهواء والتحكم في التنفس، كما تتبدل قدرة الجسم على التخلص من المخاط والبلع، وتتغير طريقة معالجة المعلومات الحسية والإحساس بالألم.

وقد يكون المرض لدى الطفل مستقرا من الناحية البيولوجية، لكن الأعراض تصبح أكثر وضوحا ليلا بسبب هذه التغيرات المرتبطة بالنوم.

كما أن انخفاض النشاط والمشتتات خلال الليل قد يجعل الطفل أكثر انتباها للألم أو السعال أو الشعور بضيق التنفس. وفي الوقت نفسه، قد يكون الآباء أكثر تركيزا على حالة طفلهم أثناء الليل، مما يجعل التغير في الأعراض أكثر وضوحا بالنسبة إليهم.

الجهاز المناعي يعمل وفق إيقاع يومي

تلعب الإيقاعات اليومية دورا مهما في تنظيم عمل الجهاز المناعي، إذ تظهر مكونات من المناعة الفطرية والمكتسبة تغيرات مرتبطة بالوقت، تشمل حركة خلايا الدم البيضاء وإنتاج السيتوكينات والإشارات الالتهابية وآليات المراقبة المناعية للأنسجة.

ولا تسير هذه التغيرات بنمط ثابت لدى الجميع، إذ تختلف شدتها وتوقيتها وفقا لنوع الوسيط المناعي ومكان النسيج وحالة النوم واليقظة، إلى جانب الظروف السريرية الخاصة بكل حالة.

وتعكس هذه التغيرات آليات بيولوجية منظمة تساعد الجسم على تنسيق دفاعاته المناعية، وليس مجرد مؤشرات على وجود المرض.

ومن بين العوامل المؤثرة في هذه العملية بعض السيتوكينات، مثل إنترلوكين-1 وعامل نخر الورم ألفا، اللذين يمكن أن يؤثرا في تنظيم درجة حرارة الجسم وأنماط النوم من خلال تأثيراتهما في منطقة ما تحت المهاد.

كما يؤدي إنترلوكين-6 دورا في الاستجابة الالتهابية الحادة وفي تمايز بعض الخلايا المناعية.

انخفاض الكورتيزول قد يعزز الالتهاب ليلا

يرتبط الجهاز المناعي أيضا بهرمون الكورتيزول، الذي يخضع بدوره لإيقاع يومي واضح.

وتكون مستويات الكورتيزول عادة أعلى في ساعات الصباح، ثم تنخفض تدريجيا مع اقتراب المساء وبدء النوم. ونظرا إلى أن الجلوكوكورتيكويدات تمتلك تأثيرات قوية مضادة للالتهاب، فإن انخفاض الكورتيزول ليلا قد يؤدي إلى تراجع بعض آليات كبح الإشارات الالتهابية.

وقد يساعد ذلك في تفسير زيادة الإحساس ببعض الأعراض الالتهابية خلال الليل لدى بعض الأطفال، مثل الحمى والتوعك والسعال والتهيج والشعور العام بعدم الراحة.

ومع ذلك، فإن التأثير السريري لهذا التغير لا يكون متطابقا في جميع الحالات، بل يتأثر بنوع المرض وجودة النوم والمرحلة اليومية التي يمر بها الطفل.

الميلاتونين حلقة وصل بين النوم والمناعة

يعد الميلاتونين أيضا أحد العناصر المهمة في العلاقة بين دورة النوم والجهاز المناعي. إذ يزداد إنتاج هذا الهرمون في الظلام، ويساعد الجسم على تنظيم وتزامن دورة النوم والاستيقاظ.

وتوجد مستقبلات الميلاتونين على أنواع مختلفة من الخلايا المناعية، من بينها الخلايا الليمفاوية والخلايا الوحيدة والبلعميات والخلايا القاتلة الطبيعية.

ومن خلال ذلك، يمكن للميلاتونين التأثير في وظائف هذه الخلايا، بما يربط بين الإيقاع اليومي للجسم والتغيرات التي تطرأ على الاستجابة المناعية خلال اليوم والليل.

الربو مثال واضح على التغيرات الليلية

تختلف الحالات المرضية في مدى ارتباط أعراضها بالوقت من اليوم. فالربو الليلي، على سبيل المثال، يمثل حالة يمكن أن تتفاقم فيها وظائف المسالك الهوائية خلال ساعات الليل نتيجة التأثيرات اليومية، حتى بمعزل عن التغيرات المرتبطة بالنوم أو السلوك اليومي.

ومن هنا، لا يمكن التعامل مع جميع الأعراض الليلية لدى الأطفال باعتبارها نتيجة واحدة أو تفسيرها بأنها دليل مباشر على زيادة نشاط المرض.

فما يسمى «التفاقم الليلي» قد يكون حصيلة تفاعل معقد بين الساعة البيولوجية، والنوم، ووظائف المناعة، والهرمونات، والبيئة، وآليات المرض نفسها، إضافة إلى مستوى إدراك الأعراض لدى الطفل ومقدم الرعاية.

ويجعل فهم هذه العوامل من نمط ظهور الأعراض ليلا معلومة مهمة للأطباء والأسر، خصوصا عندما يتكرر ظهورها أو يرتبط بحالات تستدعي المتابعة الطبية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى