ثقافة

عندما يصبح التصعيد تجارة سياسية

في كل مرة ترتفع فيها حدة الخطاب السياسي في موريتانيا، ويُلوّح البعض بشعارات من قبيل “الحماية الدولية” أو “الاضطهاد الممنهج”، يعود السؤال القديم ليفرض نفسه: هل نحن أمام نضال حقوقي حقيقي يبحث عن العدالة، أم أمام استثمار سياسي في المظلومية وتحويلها إلى وسيلة ضغط وابتزاز؟

لا أحد عاقل يمكنه إنكار المظالم التاريخية التي عانت منها شريحة الحراطين في موريتانيا، ولا يمكن لأي ضمير حي أن يرفض ضرورة الإنصاف، ومحو آثار الرق، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وفتح أبواب الفرص المتكافئة أمام جميع المواطنين. فهذه ليست منّة من أحد، بل حق وطني وأخلاقي ودستوري.

غير أن المأساة الحقيقية تبدأ حين تتحول القضية العادلة إلى سوق للمزايدات، وحين يصبح بعض “تجّار المظالم” أكثر استفادة من استمرار الأزمة من استفادة الفئات التي يدّعون الدفاع عنها.

لقد نشأ، خلال السنوات الماضية، نمط سياسي قائم على ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد التصعيد”، حيث صار الصخب أكثر ربحًا من الحكمة، وصار رفع سقف المطالب، واستدعاء الخارج، وإثارة المخاوف والهويات، الطريق الأقصر نحو الأضواء والامتيازات وصفقات ما وراء الكواليس.

تبدأ العملية عادة بتصريح ناري، أو خطاب مشحون، أو دعوة مثيرة للجدل، فتشتعل مواقع التواصل، وتتعالى الإدانات والخطب الوطنية، ثم بعد أسابيع قليلة تهدأ العاصفة، لتبدأ في الخفاء عمليات الاحتواء المعروفة: ترضيات، ومواقع نفوذ، وتوظيفات، وامتيازات، وفتح أبواب القرب من دوائر القرار.

أما الفقراء الحقيقيون، من الحراطين والبيظان وغيرهم، فيظلون في أماكنهم القديمة، يتقاسمون البطالة والهشاشة وغلاء المعيشة وانسداد الأفق، بينما تتسع بينهم فجوة الشك والاحتقان.

والأخطر من ذلك أن هذا المناخ أنتج خطابًا متطرفًا من الجهتين؛ فكما يوجد من يبالغ في تصوير البلد وكأنه سجن جماعي لفئة بعينها، يوجد أيضًا من يرد بعنجهية واستفزاز وإنكار، فتتغذى الضفتان من بعضهما البعض، ويصبح التطرف مبررًا للتطرف، والنرفزة مبررًا للنرفزة، بينما يختفي صوت العقل شيئًا فشيئًا.

وفي خضم هذا العبث، برزت أصوات تستقوي بالخارج، وتبحث عن منابر غربية لتدويل الأزمة، وكأن القوى الدولية جمعيات خيرية أو مؤسسات إنسانية بريئة. والحقيقة التي تؤكدها تجارب العالم الثالث كلها، أن القوى الكبرى لا تتحرك بدافع العاطفة، بل وفق حسابات المصالح والنفوذ والسيطرة. لذلك فإن استدعاء الخارج لا يبني وطنًا، بل يفتح الباب أمام مزيد من الارتهان والانقسام.

لكن، ورغم قتامة المشهد، بدأت في الفترة الأخيرة ملامح تحول سياسي واجتماعي مهم، تمثل في ظهور تيار جديد تحت اسم “تيار المواطنة المتكافئة”، وهو تيار حمل دلالة رمزية وسياسية لافتة، لأنه جمع تحت سقفه مواطنين من مختلف الشرائح والمكونات، وطرح خطابًا يتجاوز المتاجرة بالهويات نحو فكرة الدولة الجامعة والحقوق المتساوية والواجبات المشتركة.

وقد شكّل هذا التيار، في نظر كثيرين، ضربة قوية لأولئك الذين اعتادوا الاستثمار في الانقسام وبيع المظالم، لأن نجاح أي مشروع وطني جامع يسحب تلقائيًا البساط من تحت أقدام من يعيشون على تأجيج الشروخ الاجتماعية.

كما أن عودة بعض الشخصيات المؤثرة، ومن بينها “قائد أفلام”، وانضمامها إلى خطاب المواطنة المتكافئة، مثّل تحولًا له دلالته، ليس فقط من الناحية الرمزية، بل أيضًا من حيث التأثير الشعبي، إذ فقد خطاب التصعيد جزءًا من الحاضنة التي كانت تمنحه الزخم والأصوات والقدرة على الظهور الخارجي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فكلما اقترب الناس من بعضهم، وتراجع منطق التصنيف العرقي والاجتماعي، خسر تجار الأزمات أسلحتهم الأساسية. لأن قوتهم لا تنبع من قوة حلولهم، بل من استمرار الانقسام نفسه.

إن موريتانيا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات الغاضبة التي تتغذى على الكراهية، ولا إلى خطابات تستثمر في خوف الناس من بعضهم البعض، بل تحتاج إلى مشروع وطني عادل، يعترف بالمظالم دون أن يحولها إلى وقود دائم للصراع، ويؤسس لمواطنة لا امتياز فيها إلا بالكفاءة والقانون والعدالة.

فالأوطان لا تبنى بالصراخ، ولا بالاستقواء بالخارج، ولا بتحويل الألم الاجتماعي إلى تجارة سياسية، وإنما تبنى حين يقتنع الجميع أن مصيرهم واحد، وأن العدالة الحقيقية لا تكون بانتصار فئة على أخرى، بل بانتصار الدولة العادلة على منطق الانقسام والابتزاز.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى