ثقافة

الصبر والتفهم: حين تتحول الذاكرة الاجتماعية إلى سؤال للعدالة

ليست المجتمعات كائنات تعيش حاضرها فقط، بل تحمل في أعماقها طبقات متراكمة من الذاكرة؛ ذاكرة الانتصارات والهزائم، العدل والظلم، الكرامة والانكسار. وبعض هذه الذاكرة لا يختفي بانتهاء الحدث التاريخي، بل يظل كامناً في النفوس، يعيد تشكيل السلوك والعلاقات والرؤى، حتى بعد مرور أجيال طويلة. ومن أخطر ما يمكن أن ترثه المجتمعات، ذلك الإرث المرتبط بالاستعباد والتراتبية الاجتماعية والتمييز الطبقي، لما يتركه من ندوب عميقة في الوعي الجمعي.

وإذا كانت ظاهرة العبودية قد عرفتها الإنسانية كلها تقريباً، منذ فجر التاريخ، فإن قسوتها تفاوتت من حضارة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر. وقد كانت بعض أشكالها أكثر بشاعة حين تحولت إلى تسخير دائم للإنسان، واستغلال لجهده وكرامته، وتجريد له من حقه الطبيعي في أن يكون إنساناً كاملاً. فالاسترقاق لم يكن مجرد علاقة اقتصادية، بل كان منظومة نفسية وثقافية واجتماعية تنتج شعوراً بالتفوق لدى طرف، وبالدونية والحرمان لدى طرف آخر.

وحين جاء الإسلام، لم يتجاهل هذا الواقع المتجذر، بل تعامل معه بمنهج إصلاحي متدرج، لأن البيئة التي بُعث فيها النبي محمد ﷺ كانت قائمة على أعراف اقتصادية واجتماعية يصعب اقتلاعها دفعة واحدة. ولذلك جاء التدرج في معالجة كثير من الظواهر الكبرى، مثل الخمر والربا والرق، بهدف إعادة تشكيل الوعي قبل تغيير البنية الاجتماعية بشكل كامل. ففتح الإسلام أبواب العتق، وربطه بالكفارات والقربات، وأكد على وحدة الأصل الإنساني، وأن التفاضل لا يكون بالنسب ولا اللون ولا الطبقة، وإنما بالتقوى والعمل الصالح.

لكن التحولات القانونية والأخلاقية، مهما كانت عظيمة، لا تكفي وحدها لمحو آثار قرون طويلة من الممارسة الاجتماعية. فبعض الرواسب تبقى حية داخل الثقافة الشعبية، وفي اللغة اليومية، وفي أنماط التفكير والتعامل، حتى وإن اختفت الأشكال التقليدية للعبودية. ولهذا فإن المجتمعات التي عرفت التراتبية الصارمة تبقى معرضة لعودة تلك الآثار في صور جديدة، أقل وضوحاً لكنها لا تقل خطورة.

وفي المجتمع الموريتاني، كما في غيره من المجتمعات العربية والأفريقية، ما تزال بعض آثار هذا الإرث حاضرة في القاموس الاجتماعي، وفي التصنيفات الذهنية، وفي الحساسية المفرطة تجاه قضايا الانتماء والطبقة والكرامة. وهي آثار لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ الطويل من التفاوت والإقصاء والشعور بالغبن. فالألم الاجتماعي لا يموت بسهولة، بل يتحول إلى ذاكرة جماعية تنتقل بين الأجيال، وقد يظهر في شكل غضب، أو توتر، أو خطاب حاد، أو نزوع دائم إلى استحضار الماضي.

ويزداد الأمر تعقيداً حين يقترن هذا الإرث التاريخي بضعف التعليم، وندرة الفرص الاقتصادية، وانتشار البطالة والإحباط، وغياب العدالة الاجتماعية. فالفقر لا ينتج الحاجة المادية فقط، بل يضاعف الإحساس بالتهميش، ويجعل الإنسان أكثر استعداداً للغضب والانغلاق والتقوقع داخل هويات ضيقة. كما أن الفراغ الاجتماعي والسياسي يسمح بإعادة إنتاج الأحقاد القديمة، بدل توجيه الطاقات نحو البناء والإصلاح.

ثم جاءت الديمقراطية، قبل أن يتهيأ المجتمع بالكامل لاستيعابها ثقافياً ومؤسسياً، ففتحت المجال أمام الجميع للتعبير عن المكبوت التاريخي، وعن مخزون طويل من الحنق والرغبة في رد الاعتبار. وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الخارجة من إرث ثقيل، لأن حرية التعبير كثيراً ما تتحول، في بداياتها، إلى مساحة لتفريغ الألم أكثر من كونها فضاءً لإنتاج الحلول. ولذلك نرى أحياناً خطابات متشنجة، أو ردود فعل قاسية، أو توظيفاً للتاريخ بطريقة انتقامية، وهي كلها أعراض لأزمة أعمق تتعلق بعدم تحقق العدالة والاندماج الحقيقي.

غير أن الخطأ الأكبر يكمن في التعامل مع هذه الظواهر بعقلية الإنكار أو الغضب المضاد. فالمجتمعات لا تُشفى بالصدام، ولا بالاستعلاء، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بالفهم العميق لجذور الأزمة. إن كثيراً من التوترات القائمة اليوم ليست صراعاً بين أفراد بقدر ما هي صراع بين ذواكر اجتماعية مثقلة بالجراح، وبين واقع حديث لم ينجح بعد في بناء مواطنة متوازنة تتجاوز الانتماءات الضيقة.

ومن هنا، فإن مسؤولية الدولة تصبح محورية. فلو قامت الدولة بدورها الحقيقي في إقامة العدالة، وتكافؤ الفرص، وتوزيع الثروة بشكل منصف، وفرض القانون على الجميع دون تمييز، لتراجعت كثير من أسباب الاحتقان. لأن الإنسان حين يشعر أن مستقبله يُبنى بالكفاءة والعمل، لا بالنسب ولا بالمكانة الاجتماعية الموروثة، يصبح أكثر استعداداً للاندماج والتعايش.

كما أن التعليم يمثل الأداة الأكثر قدرة على تفكيك البنى التقليدية الجامدة. فحين يصبح أبناء الفئات التي عانت تاريخياً من التهميش متعلمين، وفاعلين اقتصادياً، وأصحاب حضور اجتماعي وثقافي، فإن الفوارق القديمة تبدأ بالتلاشي تدريجياً، ويحدث نوع من الاندماج العضوي داخل المجتمع. فالثروة والمعرفة والاحتكاك الإنساني اليومي قادرة على هدم كثير من الجدران النفسية التي بنتها القرون.

ومع ذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الانتقام من الماضي، بل على تجاوزه. فالمجتمع الذي يبقى أسيراً لذاكرته الجريحة يفقد القدرة على صناعة مستقبله. أما المجتمع الذي يحول ألمه إلى وعي، وغضبه إلى مشروع إصلاح، فإنه يفتح الباب أمام مصالحة تاريخية حقيقية، لا تقوم على النسيان، بل على الاعتراف والإنصاف وبناء عقد اجتماعي جديد.

إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس فقط قوانين، بل ثقافة جديدة تؤمن بالمواطنة الكاملة، وتعيد تعريف الإنسان خارج القبيلة والطبقة واللون والموروث الاجتماعي. ثقافة تجعل الكرامة حقاً مشتركاً، والعمل معياراً، والعدالة أساساً للعلاقة بين الدولة والمجتمع.

ولهذا تبقى النصيحة الأهم للجميع: الصبر والتفهم. الصبر لأن التحولات الاجتماعية العميقة لا تحدث في لحظة، والتفهم لأن خلف كثير من الغضب حكايات طويلة من الألم لا تُرى بالعين المجردة. وحين ينجح مجتمع ما في الإصغاء إلى جراحه بدل إنكارها، وفي معالجة أزماته بالحكمة بدل الانفعال، فإنه يكون قد وضع قدمه الأولى على طريق الاستقرار الحقيقي والنهضة الإنسانية.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى