ثقافة

حين تتحول القضية إلى جزر متنازعة: كيف أُضعفت حركة الحراطين؟بقلم: حمادي سيدي محمد آباتي

ليست المآسي الكبرى دائما نتاج الهزيمة المباشرة، بل قد تكون ثمرة التآكل البطيء من الداخل، حين تتشظى القضية الواحدة إلى مسارات متنافرة، وتتحول طاقة المظلومين من مواجهة البنية المنتجة للظلم إلى استنزاف متبادل بين مكونات يفترض أنها تحمل الهم نفسه وتسعى إلى الغاية ذاتها.

ذلك ما يطرح نفسه اليوم بإلحاح في مشهد الحركات المطالبة بإنصاف لحراطين، حيث تتوزع الساحة بين ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين، ونجدة العبيد، وهيئات أخرى مثل “الساحل” وخطابات المواطنة المتكافئة، إضافة إلى شخصيات ومرجعيات سياسية وحقوقية متعددة، لكل منها رؤيته وخطابه وأسلوبه في التغيير.

ظاهريا، تبدو هذه التعددية علامة صحية على حيوية المجتمع وقدرته على إنتاج مبادرات متنوعة، لكن الواقع يكشف أن الأمر تجاوز حدود التنوع إلى حالة من التجاذب والانقسام والتنافس الرمزي، حتى بات السؤال الملح: من المستفيد الحقيقي من هذا التشظي؟

من السهل على القراءة السطحية أن تذهب مباشرة إلى اتهام “البيظان” كمكون اجتماعي كامل بالاستفادة من انقسام لحراطين، لكن هذه القراءة، رغم ما تختزنه من شحنة غضب مفهومة تاريخيا، تبقى قاصرة عن فهم البنية الأعمق للأزمة. فالمجتمعات ليست كتلا صماء، والظلم في موريتانيا لم يكن موجها إلى مكون واحد فقط، بل ظل في جوهره مرتبطا بطبيعة نظام سياسي قائم على إعادة إنتاج الهيمنة، وتغذية الانقسامات، ومنع تشكل وعي وطني جامع قادر على مساءلة السلطة ومراكز النفوذ.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لقضية عادلة هو أن تُختزل في صراع هوياتي ضيق، لأن ذلك يسمح للمنظومة المتحكمة بأن تختفي خلف الستار، بينما ينشغل الضحايا بتبادل الريبة والعداء. وهنا تحديدا تبرز براعة ما يمكن تسميته بـ”الدولة العميقة”، التي لا تحتاج دائما إلى القمع المباشر، بقدر ما تحتاج إلى إدارة الانقسام، وصناعة المخاوف المتبادلة، وتوجيه الاحتقان الاجتماعي نحو مواجهات أفقية بين الفقراء والمهمشين أنفسهم، بدل أن يتحول إلى مساءلة عمودية لمنظومة الاحتكار والفساد والإقصاء.

ولذلك، فإن بعض الظواهر الاجتماعية الخطيرة، كتحويل فئات من الشباب المتسرب من التعليم إلى أدوات للفوضى والانحراف والجريمة، ليست مجرد انحرافات فردية معزولة، بل يمكن قراءتها أيضا باعتبارها نتيجة لفشل بنيوي مقصود في بناء الإنسان، وإغراق الفئات الهشة في التهميش واليأس، حتى تصبح قابلة للتوظيف في معارك عبثية تزيد الشروخ الاجتماعية اتساعا. وعندما تُرتكب الجرائم في سياق مشحون عرقيا أو فئويا، يصبح من السهل دفع المجتمع نحو استقطاب خطير، يُنتج عداءات جماعية تخدم في النهاية من يخشى يقظة الوعي المشترك.

لقد تأسس ميثاق لحراطين بوصفه محاولة لصياغة خطاب حقوقي جامع، يطالب بإنصاف فئة عانت تاريخيا من التهميش والإقصاء، واستطاع أن يفرض حضوره من خلال المسيرات السنوية والضغط الرمزي والإعلامي. لكن انقسامه لاحقا لم يكن مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل عكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العمل النضالي في البيئات الهشة، حيث تتداخل الطموحات الشخصية، وصراعات الزعامة، والتجاذبات السياسية، مع غياب مؤسسات داخلية قوية قادرة على إدارة الاختلاف دون الانفجار.

وهنا تبرز المعضلة الكبرى: هل تتحول القضية إلى وسيلة لصناعة الزعامات، أم تبقى الزعامات مجرد أدوات في خدمة القضية؟

إن التاريخ يعلمنا أن الحركات التحررية حين تفشل في ضبط التوازن بين “الأنا النضالية” و”المصلحة الجماعية”، تتحول تدريجيا إلى كيانات متناحرة، يفقد كل طرف فيها القدرة على رؤية الهدف الأكبر. وفي هذه اللحظة بالذات، تنتصر السلطة دون أن تبذل جهدا كبيرا، لأن خصومها يتولون بأنفسهم مهمة إضعاف بعضهم البعض.

من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة عميقة وشجاعة من قبل مختلف الفاعلين في هذا الملف، سواء كانوا ممثلين في برام الداه اعبيد، أو العيد ولد محمد، أو الساموري ولد بي، أو محمد فال ولد هنضي، أو إبراهيم ولد بلال ولد رمضان، أو غيرهم من الأصوات المؤثرة. فالقضية أكبر من الأشخاص، وأوسع من الحسابات الظرفية، وأخطر من أن تُختزل في منافسات سياسية أو خلافات ذاتية.

إن السؤال الأخلاقي الذي ينبغي أن يواجه الجميع هو: ماذا سيبقى في ذاكرة الناس؟
هل ستبقى أسماء ارتبطت بلحظة تاريخية استطاعت أن تنتصر للمظلومين وتفرض العدالة؟ أم ستُذكر باعتبارها جزءا من لحظة ضاعت فيها الفرصة بسبب التنازع والتشظي؟

لا أحد يطالب بإلغاء الاختلاف، فذلك مستحيل، بل ربما غير صحي. لكن المطلوب هو بناء حد أدنى من الوئام النضالي، يسمح بتوحيد الأولويات الكبرى: محاربة التهميش، إصلاح التعليم، ضمان العدالة الاقتصادية، تكريس المساواة أمام القانون، وفتح المجال أمام مشاركة سياسية حقيقية لا تقوم على الزبونية والتراتبية الاجتماعية القديمة.

فحين تتوحد القوى المطالبة بالإنصاف، يصبح النظام مضطرا إلى الإصغاء، لأن السلطة لا تخشى شيئا مثل خوفها من وعي جماعي عابر للقبائل والشرائح والانتماءات الضيقة. أما حين تتشظى المطالب، فإنها تتحول إلى أصوات متفرقة يسهل احتواؤها أو إضعافها أو استغلال تناقضاتها.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن العدالة لا تتحقق فقط بامتلاك قضية عادلة، بل أيضا بامتلاك حكمة إدارة تلك القضية. وهذه الحكمة تبدأ من إدراك حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: أن المظلومين حين يتصارعون، يربح الظالم مرتين.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى