ثقافة

حين تتحولُ الدولة إلى “غنيمة”.. لماذا تفشل الأغلبية في صناعة السردية السياسية؟

ليست المشكلة في أن المعارضة تتكلم كثيرًا، فالمعارضة بطبيعتها خُلقت للكلام والاعتراض وصناعة الضجيج، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في أن أغلبية الحكم، رغم ما تمتلكه من سلطة وإمكانات ووسائل، تبدو عاجزة عن تحويل المنجز إلى خطاب، وعاجزة أكثر عن تحويل الإنجاز إلى وعيٍ عام يرسخ في أذهان الناس.

وهذه مفارقة سياسية لافتة؛ فالدولة تنجز، والرئيس يطلق البرامج، والحكومة تمول المشاريع، والخزينة العامة تضخ المليارات في البنى التحتية والخدمات، لكن من يحصد الثمرة الرمزية والسياسية ليس النظام، بل الأفراد، والوجهاء، والسماسرة، وبعض “النافذين” الذين أعادوا تدوير المال والنفوذ داخل ماكينة التمثيل السياسي.

لقد أصبحت أغلبية البرلمان، في جزء واسع منها، أغلبية صامتة لا تؤمن أصلًا بالفعل السياسي بوصفه دفاعًا عن مشروع دولة، وإنما تتعامل مع البرلمان باعتباره استثمارًا طويل الأمد، يضمن لصاحبه الحصانة، والامتيازات، والإعفاءات، والجواز الدبلوماسي، والنفوذ الإداري، وأحيانًا بوابة خلفية للمتاجرة بالعملة والصفقات والإعفاء الجمركي، أكثر مما يضمن خدمة المواطن أو الدفاع عن البرنامج الذي انتُخب الرئيس على أساسه.

إن كثيرًا من هؤلاء النواب لم يصلوا إلى البرلمان لأنهم يحملون مشروعًا سياسيًا أو رؤية وطنية، بل لأنهم اشتروا الطريق إلى القبة من بعض الوجهاء المحليين، أو عبر شبكات المال السياسي، أو من خلال توازنات النفوذ والترضيات. ولذلك فإن النائب الذي دخل بالمال، لا يمكن أن يتحول بسهولة إلى صاحب قضية؛ لأنه يرى المقعد أصلًا تجاريًا يجب أن يدر الأرباح ويحافظ على المصالح ويضاعف الامتيازات.

ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يصبح الصمت أكثر ربحًا من الكلام.

فالمدافع عن النظام يستهلك نفسه في معارك يومية، ويتعرض للتشويه والسخرية والاستهداف، بينما الصامت يحصد الامتيازات نفسها دون ضجيج، ويحافظ في الوقت ذاته على شعرة معاوية مع الجميع، مع السلطة والمعارضة والرأي العام، فلا يخسر شيئًا، ولا يدفع ثمن موقف.

أما الفئة الثانية داخل هذه الأغلبية، فهي تلك الأقلية التي لم تدخل البرلمان عبر المال المباشر، وإنما عبر “الهندسة السياسية” لبعض النافذين داخل السلطة، سواء كانوا وزراء أو مقربين من دوائر القرار أو أصحاب تأثير إداري وانتخابي. وهؤلاء لا يشعرون أصلًا بأن ولاءهم للرئيس أو للبرنامج الوطني، بل يعتبرون أنفسهم “نوابًا” لذلك الوزير أو ذاك المسؤول الذي أوصلهم إلى البرلمان.

ومن هنا تنشأ واحدة من أخطر الظواهر التي تضرب صورة الدولة:
اختطاف الإنجاز العمومي وتحويله إلى ملكية شخصية.

فتجد الماء الذي وصل إلى قرية نائية لا يُقال إنه جاء ضمن برنامج حكومي أو رؤية رئاسية أو سياسة عمومية للدولة، بل يُقال إن الوزير فلان هو من جاء به.
والسد لا تبنيه الدولة، بل “بناه المدير”.
والمدرسة لا تدخل في إطار خطة وطنية للتعليم، بل “فتحها الوجيه”.
والطريق المعبد لا يُنسب إلى ميزانية الشعب، وإنما إلى “كرم” مسؤول نافذ.

وهكذا تتحول الدولة، في المخيال الشعبي، من مؤسسة وطنية إلى شبكة أشخاص.

الرئيس يختفي من الصورة، والبرنامج يذوب، والخزينة العامة تصبح مجرد ممول صامت لمجدٍ شخصي يصنعه آخرون لأنفسهم على حساب الدولة.

والأخطر من ذلك أن ما يُنجز فعلًا يُنسب للأشخاص، بينما ما يُنهب أو يُهدر أو يدخل جيوب الآمرين بالصرف، يُترك معلقًا في رقبة الدولة والنظام والرئيس.

أي أن السلطة تتحمل الكلفة السياسية للفشل، بينما يحتكر الأفراد الأرباح الرمزية للنجاح.

وهذه معادلة مدمرة لأي مشروع حكم.

إن بعض الوزراء والمديرين والأمناء العامين باتوا يتصرفون وكأن القطاعات التي يديرونها إقطاعيات خاصة، يوزعون منجزاتها على أساس الولاء الشخصي لا على أساس الحق العام، ويزرعون في وعي المواطنين فكرة خطيرة مفادها أن التنمية ليست حقًا تكفله الدولة، بل مِنّة يمنحها النافذ لمن يشاء.

وهنا تضيع الفكرة الجمهورية لصالح ثقافة الزبونية والوساطة والشخصنة.

ولذلك، فإن أزمة الأغلبية اليوم ليست أزمة إعلام فقط، ولا أزمة متحدثين، بل هي أزمة بنية سياسية كاملة فقدت الإيمان بالعمل العام بوصفه التزامًا وطنيًا.

فالأغلبية التي لا تدافع عن مشروعها، تترك المجال لخصومها كي يكتبوا الرواية وحدهم.
والسلطة التي تسمح باختطاف إنجازاتها من طرف الأفراد، تفقد بالتدريج رصيدها المعنوي لدى الناس.
والنظام الذي يتحول فيه النواب إلى رجال أعمال صامتين، أو إلى موظفين عند الوزراء النافذين، لا يمكن أن ينتج خطابًا سياسيًا مقنعًا مهما كانت حجم الإنجازات على الأرض.

إن التنمية التي لا تجد من يشرحها للناس، تصبح مجرد أرقام باردة في تقارير إدارية.
والإنجاز الذي لا يتحول إلى وعي شعبي، يمكن أن يُمحى أثره بأول حملة على وسائل التواصل.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط بناء طريق أو حفر بئر أو تشييد مدرسة، بل بناء سردية وطنية تعيد الاعتبار للدولة كمؤسسة، وللرئيس كصاحب برنامج، وللمال العام كحق جماعي لا كغنيمة يتقاسمها النافذون.

فالدول لا تسقط دائمًا بسبب غياب الإنجاز، بل أحيانًا بسبب عجزها عن حماية المعنى السياسي لذلك الإنجاز.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى