ثقافة

صندوق سكن المدرسين.. رهان الدولة على استقرار الأسرة التربوية وإصلاح التعليم

يشكّل صندوق دعم سكن المدرسين في موريتانيا واحدة من أبرز المبادرات الاجتماعية التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، ضمن توجه إصلاحي يهدف إلى تحسين أوضاع الأسرة التربوية، وتعزيز الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين في قطاع التعليم، باعتبار المدرس الركيزة الأساسية لأي نهضة تعليمية حقيقية.
ويأتي إنشاء هذا الصندوق في سياق اهتمام متزايد بإصلاح المنظومة التعليمية، ليس فقط عبر تطوير البرامج والمناهج، بل كذلك من خلال العناية بالعنصر البشري الذي يشكل جوهر العملية التربوية. فاستقرار المدرس ماديًا واجتماعيًا يعد شرطًا أساسيًا لتحسين جودة التعليم ورفع مردوديته.
ويعتمد الصندوق على آلية تمويل تشاركية تجمع بين مساهمة الدولة ومساهمة المستفيدين أنفسهم، حيث تتحمل الدولة الجزء الأكبر من التمويل، بينما يشارك المدرسون بنسبة 25% من ميزانية البرنامج، تُسدد وفق ترتيبات ميسرة تراعي الظروف المعيشية للموظفين. وقد بلغت الكلفة المالية للدفعة الأولى نحو 6 مليارات و917 مليون أوقية قديمة، ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه السلطات على هذا المشروع الاجتماعي.
وقد مر تنفيذ البرنامج بعدة مراحل تنظيمية وإدارية، بدأت بإعداد الإطار القانوني وتحديد معايير الاستفادة، قبل فتح باب التسجيل أمام المدرسين الراغبين في الاستفادة من الدعم السكني. وبعد ذلك جرى إعداد لوائح المستفيدين وفق معايير تعتمد أساسًا على الأقدمية والوضعية المهنية، مع فتح المجال أمام التظلمات لضمان قدر أكبر من الشفافية والإنصاف، قبل اعتماد القوائم النهائية والشروع في صرف الدعم.
واستفاد من المرحلة الأولى أكثر من 1372 مدرسًا، من بينهم 189 امرأة، على أن تتوسع العملية تدريجيًا خلال المراحل المقبلة لتشمل أعدادًا أكبر من العاملين في قطاع التعليم بمختلف فئاته.
ويُنتظر أن يترك البرنامج انعكاسات اجتماعية ومهنية مهمة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف السكن والإيجار في المدن الكبرى، وعلى رأسها العاصمة نواكشوط، حيث يمثل الحصول على سكن لائق تحديًا حقيقيًا للعديد من المدرسين. ومن شأن هذا الدعم أن يخفف الأعباء المالية عن الأسر التربوية، ويمنح المدرس قدرًا أكبر من الاستقرار النفسي والاجتماعي، بما ينعكس إيجابًا على أدائه داخل الفصل الدراسي.
كما يرى متابعون أن هذه المبادرة تتجاوز بعدها الاجتماعي المباشر، لتندرج ضمن رؤية أوسع لإصلاح التعليم في موريتانيا، تقوم على تحسين ظروف العاملين في القطاع باعتبار ذلك مدخلًا ضروريًا لأي إصلاح تربوي ناجح ومستدام. فالنهوض بالمدرس ماديًا ومعنويًا يظل من أهم عوامل تحسين المخرجات التعليمية ورفع مستوى التحصيل لدى التلاميذ.
ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن تحديات عدة ما تزال مطروحة، من أبرزها ضرورة توسيع قاعدة المستفيدين مستقبلًا، وضمان استدامة التمويل، إضافة إلى تعزيز الشفافية في إدارة الملفات المرتبطة بالاستفادة، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتحقيق أهداف البرنامج على نطاق أوسع.
ويعكس صندوق دعم سكن المدرسين توجهًا رسميًا نحو إرساء مقاربة اجتماعية جديدة في التعامل مع قضايا التعليم، قوامها أن إصلاح المدرسة يبدأ أولًا بتحسين أوضاع من يقفون يوميًا في واجهة العملية التربوية، ويؤدون الدور الأكبر في صناعة الأجيال وبناء المستقبل.

محمد عبد الله محمدن

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى