ثقافة

حين يصبح إنصاف لحراطين شرطًا لبقاء الوطن

ليست قضية لحراطين ملفًا موسميًا يُفتح عند الحاجة السياسية ويُغلق عند انتهاء الصفقات، وليست ورقةً للمزايدة أو سلّمًا يرتقي به بعض المتاجرين بالحقوق نحو الامتيازات والتمويلات والمناصب. إنها قضية وطن، ومستقبل دولة، وضمير مجتمع بأكمله.

لقد تعب الموريتانيون الأحرار من الخطابات المتشنجة، ومن الاستثمار في الجراح، ومن تحويل معاناة الناس إلى سوق سياسية يتقنها البعض باسم “الحقوق”، بينما تبقى أوضاع الفئات الهشة تراوح مكانها، بل تتفاقم أحيانًا تحت ضجيج الشعارات.

إن أكثر ما يبعث على القلق والتشاؤم اليوم هو شعور كثير من الوطنيين بأن موريتانيا لن تتقدم حقيقةً ما لم تُقم عدالة اجتماعية حقيقية، وما لم تُبنَ دولة مساواة تُشعر الجميع بأنهم شركاء كاملون في الوطن، لا مجرد أرقام في خطابات المناسبات.

وليس من الصدق اختزال قضية لحراطين في بيانات سياسية أو مواثيق موسمية أو صراعات نخب. فالقضية أعمق من ذلك بكثير؛ إنها قضية تعليم، وفرص، وتمكين اقتصادي، وكرامة إنسانية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن أول خطوة جادة نحو الإنصاف تبدأ بمحو آثار الرق، لا كشعارٍ للاستهلاك، بل كمشروع وطني شامل يعالج التهميش التاريخي وآثاره الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وهذا لن يتحقق عبر هيئات تتغير أسماؤها كل فترة؛ مرة تحت عنوان “الدمج”، وأخرى “التآزر”، وثالثة تحت مسميات جديدة، بينما تبقى النتيجة واحدة: أموال ضخمة يستفيد منها النافذون، ويتحول بعض الفقراء بسببها إلى أسرى للتبعية والانتظار والاستجداء.

الإنصاف الحقيقي لا يُبنى على الإعانات الموسمية، بل على صناعة الإنسان المنتج القادر على الوقوف بكرامة.

ولهذا فإن إصلاح التعليم يجب أن يكون المدخل الأول لأي مشروع عدالة اجتماعية. تعليم مجاني، إلزامي، صارم، يصل إلى القرى والأحياء الهشة، مع إنشاء كفالات داخلية لأبناء الفئات الضعيفة، وتجميع المدارس بحيث تضم أبناء جميع الشرائح الاجتماعية داخل فضاء واحد، مع فرض السكن الداخلي على الجميع، حتى تستعيد المدرسة دورها التاريخي في التطبيع الاجتماعي وكسر الحواجز النفسية والشرائحية والعنصرية.

فالطفل الذي يدرس ويأكل وينام ويلعب مع زميله منذ الصغر، يصعب أن يكبر وهو يحمل عقدة تفوق أو شعورًا بالدونية.

كما أن العدالة لا تتحقق دون تمكين اقتصادي حقيقي. ويمكن للدولة أن تشجع إنشاء تعاونيات أهلية ووداديات محلية يساهم فيها سكان القرى والأحياء بمبالغ رمزية، تُقام عبرها مشاريع إنتاجية كبرى: مجازر عصرية، مخابز جماعية، مخازن تموين، وأسواق تعاونية تُعفى من الضرائب والرسوم، وتُخصص أرباحها لتحسين ظروف الأسر الأكثر هشاشة وبناء مساكن للفقراء وفق معايير شفافة.

وفي المناطق القريبة من النهر أو المياه الجوفية، يجب أن تتحول الزراعة إلى مشروع سيادي حقيقي، لا نشاطًا هامشيًا. فموريتانيا التي تستورد القمح بمبالغ هائلة قادرة على إنتاج جزء معتبر من حاجتها إذا توفرت الإرادة، وتم شق القنوات الزراعية، وتمويل التعاونيات، وربط الشباب بالأرض والإنتاج بدل البطالة واليأس.

أما التشغيل، فلا يمكن الحديث عن عدالة في ظل استمرار احتكار الوظائف من طرف أبناء النافذين، وتحول كثير من المناصب إلى ميراث عائلي مغلق. إن الشباب أصحاب الشهادات يحتاجون إلى دولة تكافؤ فرص، لا إلى نظام علاقات ونفوذ.

ومن غير المعقول أيضًا أن يستمر بعض الذين استغنوا، ووظفوا أبناءهم، في شغل مناصب رئاسة مجالس الإدارة ومواقع النفوذ، بينما آلاف الشباب يعيشون البطالة والإقصاء.

إن على الدولة أن تراجع أولوياتها بجرأة، وأن تُقلص كثيرًا من الهيئات الدستورية والإدارية التي تستهلك الأموال دون أثر ملموس، وأن تُحوّل تلك الميزانيات نحو التعليم والتنمية ورفع الظلم عن الفئات الهشة.

لأن استمرار التهميش هو الذي يصنع البيئة المناسبة لكل “فارس حقوق” يركب معاناة الناس ليبني بها مجده الشخصي وثروته ونفوذه.

وحين يشعر المواطن البسيط بأن الدولة أنصفته، وأن القانون يحميه، وأن التعليم والعمل متاحان له، فلن يجد المتاجرون بالقضايا الاجتماعية أرضًا يقفون عليها.

إن لحراطين ليسوا عبئًا على هذا الوطن، بل هم من أكثر فئاته صبرًا وعطاءً وارتباطًا بالأرض والعمل. وقد آن الأوان لأن يُنظر إليهم كشركاء في البناء، لا كموضوع دائم للشفقة أو الاستغلال السياسي.

أيها النظام…
انتبه قبل أن يتحول الإحباط الاجتماعي إلى قناعة عامة بأن العدالة في هذا البلد مستحيلة.
فالدول لا يحميها الأمن وحده، بل يحميها شعور الناس بالإنصاف.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى